صبر درويشصفحات سورية

الثوار أدرى بشعاب ثورتهم


صبر درويش

 لا تأتي الثورة السورية لسوء حظها- لتتطابق مع تصور ياسين الحاج صالح الرومانسي عن الثورات وشكل تحققها التاريخي على الأرض، فها هي تقع فيما يدعوه ‘الوضع الطبيعي’ والذي يعرٍّفه ياسين بالقول ‘المقصود بالطبيعة في هذا السياق ما يتعارض مع التدبر والحساب، ومع ‘الثقافة’ و’السياسة’، وما يحركه الدفاع الحيوي عن النفس والاستماتة وغريزة البقاء، أكثر من التقدير المتروي’.

وهذا الوضع ‘الطبيعي’ الذي تنزلق إليه الثورة كما يخبرنا أيضاً ياسين – يجمع بين التفتت ورد الفعل المباشر والغريزي، سمة مجتمع يفقد السيطرة على نفسه، بينما ‘هذا الانزلاق إلى الوضع الطبيعي سيعبر عن نفسه من خلال تمظهر المطلب الديمقراطي والوطني باعتباره من الكماليات وإفراطاً في التطلب.

بيد أن ما يغيب عن ياسين في هذا السياق، هو عدم قدرته على التقاط الشكل المعقد ‘لسيرورة’ الصراع الجاري اليوم على أرض الساحة السورية والأشكال التي يتجلى عبرها.

هنا يفوته أن الوعي الاجتماعي بضرورة الإنعتاق، وربط هذا الانعتاق بضـــرورة هدم السلـــطة السياسية للنظام القائم، وأن كل هذا يُنتج ويتبلور في سياق الصراع ذاته، وأن هذا الوعي ليس سابقاً على اللحظة الثورية الراهنة بل متزامنا معــــها، إذ ذاك يتجلى الصراع بأشكال متعــددة ولكن بمضمون واحد.

فشكل الصراع هو المتغير في معادلتنا هذه، فهو يأخذ شكلاً سلمياً عبر التظاهر والإضراب والعصيان المدني تارةً، ويأخذ شكلاً عنفياً تارةً أخرى، وفي كل الحالات لا ينطوي هذا الشكل من التعبير السياسي للقوى المنتفضة على رغبوية أو إرادوية كما يمكن أن نتخيل بل هو مشروط ومحدد بالظروف التي تمر بها الثورة، أما مضمون هذا الصراع فهو ثابت نسبياً، وواضح بدرجة كافية لدى الثوار، هنا سنجد أن المنتفضين توصلوا في سياق العملية الثورية إلى نتيجة أساسية تقول بضرورة هدم السلطة السياسية القائمة، وبلورة بديل عنوانه العريض هو الديمقراطية كما يفهمها هؤلاء، أي الديمقراطية التي تحيل إلى عدالة اجتماعية ومساواة بين الأفراد، وأما المطلب بدولة مدنية فهو يحمل الكثير من الوعي لدى المنتفضين كما أرى وذلك على الرغم من ضبابية المفهوم، إلا أنه في المحصلة يعبر عن رغبتهم في إنتاج بديل هو في الآن ذاته نقيضاً لما هو قائم على الأرض.

فمشروع الثوار بالمجمل، هو فعل سياسي يسعى إلى نقض ما هو سائد أي هدماً له، وإنتاج البديل في السياق ذاته، ففعل الهدم هو فعل البناء، وإن البديل الجاري الحديث عنه لتنقصه الرصانة اللغوية إلا أن الأصالة حاضرة فيه من دون شك. فهذا البديل ينتج على مستوى الممارسة كما على مستوى الوعي، وهو بديل لا يحتاج إلى كثير من عناء اللغة الفارغة كي يتجلى أمام العالم.

يتخوف ياسين من تسلح الثورة ومآلات هذا التسلح، ويصف ذلك بأنه شكل غريزي في الدفاع عن النفس، وهو يتوقف عند هذه ‘الشكوى’ من دون أن يفسر لنا تاريخياً وواقعياً ما هي إشكاليته مع العنف الذي تفرضه طبيعة الصراع ذاته. يبقى ياسين يدور في فلك الإرادوية الرومانسية التي تحلم بالثورة أكثر مما تمارسها.

يقول أحد الثوار الذين التقيتهم في أحد المدن ‘الحامية’ (تقدمت إلى الضابط وكان طفلي على أكتافي وأعطينا وردة للجنود هناك، فما كان منهم إلا أن باشروا بإطلاق نار تمخض عما بات يعرف بمجزرة أطفال الحرية.

يبدو من هذا المنظور أن الثوار أدرى بشعاب ثورتهم، وأنهم واعون تماماً للمخاطر التي من الممكن أن تجرها فكرة تسلح الثورة، ولكن ما الخيار المتاح أمامنا، يتساءل شاب من أحد أحياء حمص؟.

يتابع ياسين رصده للثورة السورية ‘ومآلاتها’ ويكتشف في هذا السياق أنها راحت تنحو باتجاه ‘درجة أكبر من تديين الاحتجاجات’ بدليل شيوع شعارات ذات طابع ديني من نموذج / عالجنه رايحين.. شهداء بالملايين. أو شعار: يا الله ما لنا غيرك يا الله/ ويحاول أن ‘يرقع’ موقفه فيما بعد بالقول بأن هذه المظاهر ليست دينية بشكل كامل وإنما هي تعبير عن شعور الشعب الثائر أنه وحيد في مواجهته للسلطة. إلا أن تحليل ياسين واضحاً في انتقاده لما يراه ‘تديين للحركة’.

وهنا أيضاً تفشل الثورة في تلبية تصور ياسين الرومنسي عن الثورات إذ تبتعد ولو قليلاً عن اعتماد الشعارات ‘الدنيوية’ على حد تعبيره.

إلا أن واقع الممارسة اليومية للثورة يكشف أبعاداً أخرى للمسألة يصعب على ياسين التقاطها. فالثورة أو للدقة نقول ممارسة الثوار على الأرض لم تقدم لنا حتى اللحظة ما يشير إلى ميول دينية أو طائفية، وهو شيء مفهوم حتى وإن حدث. فشعارات الثورة ما تزال تركز على شعار وحدة الشعب السوري، وعلى الرهان الدائم في انضمام قطاعات جديدة إلى الثورة غالبا ما تنتمي إلى الأقليات الدينية في سورية.

بينما الشعارات الدينية السابق ذكرها، فلا أجدها تندرج في السياق الديني بقدر ما أرى أنها تندرج في السياق النفسي، أقصد أنها تعكس إظهار إرادة الثوار الصلبة في مواجهتهم لعسف السلطة وقمعها الوحشي للمنتفضين، وهي شعارات تندرج إذاً في سياق الرد والمواجهة، وهي رسائل تحاول أن تقول أننا ماضون في طريقنا إلى ما شاء الله، أي إلى إسقاط النظام. فالمسألة هنا لا ترتبط بالشهادة والجنة، بقدر ما ترتبط بالتحدي، وهو شيء ملازم لكل ثورات العالم، جديده وقديمه.

في وقت سابق كنت قد أعددت تقريراً عن حماه، وهي المركز التاريخي للإخوان المسلمين كما نعلم، كما أنها المدينة المتهمة بالتعصب والانغلاق، قلت فيه: (محمود درويش على جدران حماه). إذ قادتني مشاهداتي إلى رؤية مقاطع من قصائد درويش على جدران المدينة، ولمست من خلال احتكاكي المباشر بالناس تغيراً جاداً في طبيعة سكان المدينة ووعيهم الاجتماعي، في الحقيقة لم أجد العرعور في حماه كما هو متوقع، وجدت شباباً يحفظون سميح شقير ومحمود درويش أكثر من أي شيء آخر، وهؤلاء الشباب لم يكونوا مثقفين كما يمكن أن نعتقد، بل ينتمون إلى قطاعات شعبية مختلفة.

في الحقيقة لم أعثر على تدين للثورة، كما لم أعثر على تطرف من نوع ما، ما عثرت عليه رغبة شعب مسحوق حتى التخمة في الإنعتاق من سلطة أصبح من الصعب تصور استمرار وجودها، وأن هذه المدن وهذا الشعب الذي اختبر نكهة التحرير بات من الصعب عليه أن يتراجع، والمسألة مسألة وقت بالنسبة إليه، فالقرار الجمعي قد اتخذ.

‘ كاتب سوري

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى