كتب ألكترونية

الجانب المظلم للحب رفيق شامي

 

 

 

“الجانب المظلم للحب”، وألف صفحة من العزلة

“هذه الرواية طلّعت روحي كما نقول بالعامية في دمشق”، هذا ما يكتبه رفيق شامي في مقدمة الطبعة العربية لرواية الجانب المظلم للحب، تعبيراً منه عن مدى الإرهاق والجهد اللذين بذلهما في سبيلها. ففكرة الرواية ظلت تطارده عشرات السنين، وحملها معه من دمشق إلى ألمانيا، وكتب وغيّر وعدّل فيها عشرات المرات، قبل أن يستقر على شكلها النهائي، ودفع مبالغ طائلة للحصول على وثائق ومعلومات كان يحتاجها في الكتابة. بالإضافة إلى حجم الرواية الكبير (1040 صفحة)، وعدد شخصياتها الكثير وامتداد أحداثها على فترة زمنية تزيد على قرن كامل.

تبدأ الرواية بسؤال يطرحه فريد على رنا: “أتظنين أن هناك فرصة لكي يصمد حبنا؟”، وستحتاج إجابة هذا السؤال إلى تسع سنين ونصف السنة، وسرد مئات الحكايات، والعودة بتاريخ العائلتين إلى عام 1850 والبدء من هناك صعوداً إلى عام 1970.

لكن هذا الصعود لن يكون آمناً، بل محفوفاً بمخاطر جمة، منها مثلاً أن الكاتب لا يبني هذا الصعود بشكل مستقيم، بل يملؤه بالتعرجات، فتراه يجول بين الأزمنة المختلفة، يترك فجوات هنا وهناك، ليعود إلى سدّها في ما بعد، ليس بهدف التشويق والإثارة، بل لأنه وجد أن الطريقة الأفضل لكتابة هذه الرواية هو أن تكون على شكل لوحة فسيفساء، كل قطعة منها هي حكاية يرويها. “إن الفسيفساء هي الشكل الملائم لقصة كهذه، قلت لنفسي، قصة فيها ألف قطعة فسيفساء وقطعة، تصف الحياة في بلاد العرب بكل جمالها وعيوبها. ومثل لوحة الفسيفساء كلما ابتعد الشخص عن اللوحة، بدت أكثر سلاسة وانسجاماً”.

غرد”هذه الرواية طلّعت روحي كما نقول بالعامية في دمشق”، يقول الكاتب في مقدمة الطبعة العربية لرواية الجانب المظلم للحب

هكذا تمتلئ الرواية بالحكايات الصغيرة، وكأننا أمام نسخة حديثة من ألف ليلة وليلة، لكن الفرق أن شهرزاد هنا راوٍ مولع بتقسيم حكاياته على كتب، محاولاً أن يجمع كل الحكايات التي تخص كل كتاب فيه، فتراه يجمع الحكايات المضحكة في “كتاب الضحك”، وحكايات الحب في “كتاب الحب”، وحكايات القسوة والعنف في “كتاب الجحيم”، وحكايات نمو أبطال الرواية في “كتاب النمو”، إلى أن يصل إلى كتابه الأخير “كتاب الألوان”، وهو الكتاب الذي يسلّم فيه الراوي دفة السرد إلى الكاتب، ليحكي عن تجربة كتاباته لهذه الرواية وظروفها، وكيف تطورت من بذرة صغيرة لمشهد رآه وكان يريد الكتابة عنه حول امرأة وجدت مقتولة لأنها أحبت رجلاً من غير طائفتها، إلى رواية تختزل كل أنواع الحب بين طيّاتها.

فرغم أن حبكة الرواية الأساسية تدور حول شابين رنا وفريد أحب أحدهما الآخر حباَ محرّماً بسبب العداء المستحكم بين عشيرتي كل منهما، فإن الكاتب وزّع في ثنيات تلك القصة أشكالاً مختلفة لعلاقات الحب، منها ما هو نقيّ، وشفاف وزاخر بالفرح من دون منغصات، كعلاقة متى وفريدة، ومنها ما هو خفيف وهادئ كالنفناف “حكاية بربارة”، ومنها ما هو محرّم لسبب أو لآخر كاختلاف الطائفة “حكاية عائشة” و”حكاية ياسمين” و”حكاية فاطمة”، أو بسبب عداوات بين العوائل “حكاية فريد ورنا”، ومنها ما كان لقاحاً بين ثقافتين وحضارتين مختلفتين “رزوق وإليزابيث”، و”لوسيا ونجيب”، ومنها ما تحدى كل العادات والتقاليد واستمر، كحكاية “صبري” الذي أحب “راحيل اليهودية” وهربا معاً إلى الخارج، ومنها ما فشل نتيجة الظروف “جبران وكريمة”، وغيرها من علاقات الحب التي تحفل بها هذه الرواية، وأراد كاتبها أن تجمع كل حالات الحب الجميلة منها والمظلمة.

تدور أحداث الرواية في فترة زمنية تزيد عن 120 سنة، وتتطرق إلى الأحداث التاريخية التي مرت فيها سوريا خلال تلك الفترة، بكل ما مر فيها من أحداث واضطرابات ونزاعات واعتقالات وتضييق على الأحزاب التي كانت موجودة، مروراً بحرب الـ67، التي يكون فريد شاهداً على جزء كبير منها. إذ بعد أن يصبح مدرساً، ينفى إلى قرية تقع على الحدود. ويسمّي الكاتب الرؤساء الذين تسلموا الحكم في سوريا بأسماء فكاهية: “شكلان”، “هبلان”، “ضرطان”، “سطلان”، “شفطان”، ويبدو جلياً مدى كرهه للأنظمة الاستبدادية والقمعية، كما يبدو جلياً رصده لآثار ذلك على الناس وتفاصيل عيشهم.

في تتبّع جذور عائلتي رنا وفريد، ونموّهما ومصائر كل أفراد العائلتين، سيمر الكاتب على سلسلة لا نهائية من الحكايات، سيحكي عن تواريخ وأزمنة، عن قرية بعيدة تقبع بين الجبال اسمها “معلا” كانت المكان الذي ولدت فيه العداوة بين العائلتين. عن الدير الداخلي الذي يرسل والد فريد ابنه إليه كي يصبح راهباً، وعن مدى الكراهية الموجودة هناك، في المكان الذي يفترض أن يكون نبعاً للمحبة. عن الترهيب، والقمع الذي يتعرض له التلاميذ، إذ يفرض عليهم نظام قاس، ويتم تفتيش جميع رسائلهم ويتم كسر أحلامهم ووأد مشاعرهم، وإعطائهم أدوية لمنعهم من الاحتلام ليلاً، فالراهب يجب أن يكون منزهاً عن كل ذلك!

كما تتطرق الرواية إلى المعتقل السياسي، إذ يعتقل فريد بسبب انضمامه إلى الحزب الشيوعي مرتين، وتنحو الرواية في هذين الفصلين لتكون رواية من أدب السجون، التي تروي عذابات الاعتقال وكيف يتم إذلال المعتقل وكسر كرامته. لكن الرواية حين تنحو بهذا الاتجاه، لا تذهب إلى الكليشيهات، بل تصوّر أشياء جديدة وتطرح تأملات جديدة في هذا الجانب.

ولأن دمشق هي حبه الأزلي، فإن رفيق شامي يملأ روايته بها، فتتهادى دمشق بدلال على كل صفحة. يكتب عن شوراعها، وحاراتها، عن بيوتها واصفاً تلك البيوت بالتفاصيل، عن دكاكينها، عن عاداتها وتقاليدها، عن طقوسها، عن ذكرياته فيها، عن “دمى السكر” التي كان يشتريها، عن ألعاب الأطفال و”الكرّاجة”، عن المهن الموجودة فيها وعن مهنة غريبة تُدعى “المشّاطة”، عن سهرات النساء الملأى بالصخب والمرح، وعن تعاونهن أثناء “حشي المكدوس”، عن احتفالات عيد الأضحى ومسرح خيال الظل.

هذه الرواية رواية موسوعية فيها كل شيء، فيها الحب والرغبة والشوق، فيها الانتقام والثأر والتسامح، فيها الدم والعنف والاعتقال، فيها نقدٌ للاستبداد السياسي والديني، وفيها الطرائف والضحكات المجلجلة التي تملأ كتب “الضحك” الخمسة، وفيها الموت والحرب والمؤامرات والمكائد، وفيها محاولة فهم سبب سيطرة العشيرة على أفرادها من خلال كتب “العشيرة” الثلاثة، التي يتتبع فيها الراوي جذور العائلتين بدءاً من قدومهما إلى معلا حتى وصول العاشقين الناجين من لعنة العشيرة إلى ألمانيا.

في الفصل الثاني من الرواية، المسمى “كتاب الموت الأول”، يروي الكاتب مشهداً فيه جثة في سلة، وهذه السلة معلقة على مدخل كنيسة القديس بولس، الجثة في السلة تعرضت للي رقبة، ثم حشرت قصاصة رمادية مطوية في جيبها، مكتوب عليها: “لقد خان بولس جمعيتنا السرية”. يحاول المفتش حل اللغز، لكن السلطة تطلب منه عدم فتح ملف هذه القضية، لظنّها أن وراءها قضية سياسية، تتعلق بتدبير انقلاب على الحكم، يمضي المفتش وراء حدسه ويفكّ لغز الجريمة التي لم يكن وراءها أي دافع سياسي، لكن قبل أن يُسمح له بقول اكتشافه ذاك، ينفى لأنه خالف الأوامر، إذ أن “المعرفة قفل، ومفتاحها سؤال لكن لا يسمح لنا أن نسأل أسئلة في هذا البلد”. وهكذا تطمر حقيقة الجريمة إلى الأبد، ونبقى نحن فقط كقراء من يعرف هذه الحقيقة، وحقيقة أخرى مفادها أن الأنظمة الاستبدادية دوماً خائفة على سلطتها، ودوماً تفسّر أي شيء على هذا الأساس.

في “كتاب الموت الأول” وهو الفصل الثاني من الرواية، تحدث الجريمة، يتركها الراوي ويأخذنا إلى ألف ليلة وليلة من حكاياته التي لا تنتهي، يصعد وينزل ويدور ويرقص ويغني ويجنّ ويتذكر ويشعر بالحنين ويضحك ويبكي ويلهينا، يغافلنا ويجعلنا ننسى أن ثمة جريمة حصلت في البداية، وحين نصل إلى “كتاب الموت الثاني” في نهاية الرواية، يذكّرنا بالجريمة التي صارت مكتملة الآن!

ولد رفيق شامي (واسمه الحقيقي سهيل فاضل) في دمشق عام 1946. درس الرياضيات والفيزياء والكيمياء، ثم غادر إلى ألمانيا وحاز شهادة الدكتوراه وعمل بضع سنوات في اختصاصه. تفرغ للعمل الأدبي منذ عام 1982، ومنح عشرات الجوائز تقديراً لأعماله في ألمانيا وخارجها. ترجمت كتبه إلى 24 لغة. من مؤلفاته: “يد ملأى بالنجوم”، “حكواتي الليل”، “قرعة جرس لكائن جميل”، “التقرير السري للشاعر غوته”. ولا بد من الإشارة هنا إلى دور المترجم “خالد الجبيلي” في رواية “الجانب المظلم للحب” ونجاحه في اتمام المهمة الشاقة التي تكبدها.

الناشر: منشورات الجمل/ بيروت

عدد الصفحات: 1040

الطبعة الأولى:

 

 

يمكن تحميل الكتاب من أحد الروابط التالية

 

الرابط الأول

 

الجانب المظلم للحب رفيق شامي

 

الرابط الثاني

 

الجانب المظلم للحب رفيق شامي

 

الرابط الثالث

 

الجانب المظلم للحب رفيق شامي

 

الرابط الرابع

 

الجانب المظلم للحب رفيق شامي

 

 

 

صفحات سورية ليست مسؤولة عن هذا الملف، وليست الجهة التي قامت برفعه، اننا فقط نوفر معلومات لمتصفحي موقعنا حول أفضل الكتب الموجودة على الأنترنت

كتب عربية، روايات عربية، تنزيل كتب، تحميل كتب، تحميل كتب عربية.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى