صفحات الرأي

الداعشي هاتفاً: الطائراتُ تعضّني/ موسى برهومة

 

 

لا بأس في أن تأتلف دول كبرى وأخرى حليفة أو صديقة من أجل تدشين تحالف دولي للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» والجماعات الجهادية التي تتخذ العنف وسيلتها لتحقيق مآربها، حتى لو أدى العنف إلى ارتكاب جرائم عجزت عنها المخيلات المجنّحة لكتاب «هوليوود»!

فما تسرّب من استراتيجية مكافحة هذا الإرهاب والتي قال الرئيس الأميركي باراك أوباما، راعي الحلف، إنه لا يمتلكها، فإن الخيارات العسكرية كانت لها الكلمة العليا، ولم يجرِ الحديث إلا لماماً عن حلول سياسية، كما أنه لم يأتِ أبداً حديثٌ من قريب أو بعيد عن جوهر الظاهرة الإرهابية ومنابعها والبيئات الحاضنة لها، والظروف التي تفجّرها، وتفرّخ كل يوم «مشاريع إرهابيين».

ولم يكن التحالف الأخير الذي نُوديَ لإطلاقه الأول من نوعه، فقد انعقدت نيات دول كثيرة في العالم على محاربة الإرهاب بصوره التي تختبئ وراء الدين، وتتقنّع بالمقدس، لكن المحاولات العسكرية لضرب الإرهاب باءت بفشل ذريع، بل على العكس ازداد الإرهاب، وعمّ مناطق في العالم، واتخذ وجوهاً لم يتوقعها أحد.

وعلى رغم الجهود الاستخباراتية الحثيثة والدؤوبة، والخبرات التجسسية المتطورة لدى الدول المنشغلة بمناهضة الإرهاب، إلا أنها لم تخلص إلى أهمية البعد الثقافي والتربوي والأيديولوجي في تفكيك فكرة التطرف الديني، والقتل باسم المقدس، وإلغاء المسافة بين السماء والأرض، وتجريف التفكير العقلي في الدين، ومحو التأويل والإجهاز على أدواته.

لا تلتفت استراتيجية مكافحة الإرهاب، الذي صارت «داعش» عنوانه الأساسي، إلى أهمية الذهاب إلى الأسباب التي تُخصّب العنف، وتغذي الكراهية، وتحتقر الحياة، وتجعلها نار المسلم، فيما هي جنة الكافر. كأن الحياة التي أمر الله بإعمارها واستخلف الإنسان من أجل تدشين العدل والخير والسلام فيها أضحت طاردة ومنفّرة، ومنطقة عبور سريع إلى الحياة الآخرة. كأن الحياة صارت سلّماً للموت. فهل فكّرت استراتيجية مكافحة الإرهاب في ذلك؟!

الحياة، التي لا همّ للبشرية سوى الحفاظ عليها وتحسين شروطها وتحقيق ظروف السعادة والرفاهية للإنسان، هي في نظر أصحاب هذه التنظيمات السلفية الجهادية المتطرفة ممر موقت وليست مقراً، وغدا العالم فسطاطين مرسّمين بخطوط واضحة: دار إسلام، ودار كفر، بل إن هؤلاء يعتقدون أن المجتمعات الحالية كلها مجتمعات جاهلية يتعين محاربتها ومناصبتها العداء. وكان سيد قطب قد عزّز هذه النظرة وبنى عليها خطابه، حينما عرّف في «معالم في الطريق»، المجتمع الجاهلي بأنه «هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم»!

إذاً، الأمر محسوم لدى أصحاب هذا التفكير السلفي المتحجّر. وأن يتم التعامل معهم بعنف مضاد من خلال قتلهم أو حبسهم، فإنه يزيد من مناعتهم، ويقوي إحساسهم المفرط بالمظلومية، وأنهم في امتحان عليهم أن يخوضوه ويحصّلوا علامات مرتفعة حتى يحظوا بالنعيم الأبدي وبأنهار الخمر والحور العين التي للمجاهد الشهيد منهم سبعون منها، يتمتع بحسنهن الذي تقول الراويات إن جمالهن لا يضاهى، وأنه ليُرى بياض ساق المرأة منهن من وراء سبعين حلة من الحرير، وأن الرجل المجاهد له حظوة خاصة في هذا النعيم الخالد، فيعاشر نساء كواعب أتراباً في سنّ واحدة، يجلس عند إحداهن زوجها لا يملها ولا تمله ولا يأتيها في مرة إلا وجدها عذراء!. وفي الجنة أيضاً ما «لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».

هذا الوعد الميتافيزيقي المتكدّس في الوعي الجمعي لعموم الحاملين سيوفهم وسكاكينهم ويحزّون الرقاب، ويقطعّون الأطراف، لن تثنيه الضربات العسكرية مهما كات دقيقة وموجعة، ولن تزيده إلا رسوخاً، فإن نـجا فقـد حـظي بوقت إضافي لمحاربة الجاهليين، وإن مات فقد صعد نحو المرتجى والمشتهى، كي يتفيأ ظلال شجرة يسير الراكب في ظلها مئة سنة!

فهل يدرك المنضوون تحت راية حلف محاربة «داعش» والإرهاب، ماذا تفعل هذه الأدبيات في نفوس المنتسبين إلى هذا التيار وسواه. وهل جرى التفكير بكيفية خلاقة لاختراق هذه الترسانة الصارمة من اليقينيات، وتقويضها بأدوات تفكير عقلية تعمل على تنمية جهود التفكير العقلي الديني، وإسناد مشاريع التأويل الديني، بما يخدم الدين نفسه، ويزيل عنه الأوهام التي تحتمي بالمقدس؟

وهل أدرك أولئك الجنرالات والساسة أن جَبْه الإرهاب هو في الأساس عملية ثقافية، لا تبدأ فقط بخلق بيئة تربوية، انطلاقاً من رياض الأطفال حتى المرحلة الجامعية تحترم عقل الطالب، وتحقنه بأمصال التعددية والاختلاف والابتكار والتفكير العلمي المنطقي البعيد من الخرافة والأسطرة والميتافيزيقيات؟

أما سؤال الديمقراطية وتبيئْتها في تربة الوعي السياسي العربي، فهذه حكاية أخرى، إن كنا حقاً جادين في استئصال شأفة الإرهاب، وتجفيف منابعه، ومحاصرة مصباته، قبل أن يغمرنا السيل باعتبارنا مجتمعات جاهلية!

* كاتب وأكاديمي أردني

الحياة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى