صفحات الثقافة

الشعراء والطغيان… علاقة مُلتبسة


كتب: بيروت – محمد الحجيري

-1-

منذ بداية الاحتجاجات في البلدان العربية وسقوط بعض «الفراعنة الجدد»، لا يتردد كتّاب وسياسيون في إقحام كثير من قصائد الشعراء في متاهة المواقف السياسية، كما حصل في مجلس الأمن قبل أيام حيث لم يتردد مندوب سورية فيه بشار الجعفري في الاستعانة بقصيدة للشاعر الدمشقي نزار قباني (الدبلوماسي السابق) للحديث عن العروبة ودمشق.

كم يبدو سخيفاً أن يُوظف الشعر أو يُستعمل في خدمة السياسة ومواقفها، خصوصاً في هذه المرحلة بالذات… وكم يبدو مريراً التعامل مع أقوال الشعراء باعتبارها نموذجاً للمثالية والرومنسية والحكمة والتقدم، وربما الحق. إذا عدنا إلى مسار الشعراء الذين توظف أشعارهم في المناسبات اليوم لوجدنا أنهم جزء من فصامية غريبة، فالشاعر الذي يهجو الطغيان في قصيدة لا بد من أنه مدح طاغية في قصيدة أخرى، والسياسي الذي يوظف قصيدة هذا الشاعر في كلمته السياسية لا يتذكر ما فعله نظامه بالشاعر نفسه.

أن يحضر شعر نزار قباني في مجلس الأمن، ففي ذلك أحد أشكال الكاريكاتورية الساخطة! قال الفيلسوف تيودور أدورنو في ما يتعلق بالهولوكوست اليهودي، إنه سيكون من الوحشية الاستمرار في كتابة الشعر بعد «أوشفيتز»، والأمر نفسه ينطبق على الواقع السوري اليوم. فمن السخف الفادح أن يستعمل الشعر في خضم الجحيم السوري. لا معنى لكلام قباني وغيره أمام مشهد الجثث المثقوبة بالرصاص أو النساء المغتصبات أو الأطفال القتلى، ولا معنى للحديث عن أبجدية أوغاريت أو الياسمين الدمشقي أمام هول القتل، لكن يبدو أن مندوب سورية في مجلس الأمن استيقظ متأخراً على الثقافة، وكأنه يحاضر بـ{العفة».

مزهرية

قرأنا قباني في زمن المراهقة ربما لأنه «يفش الخلق» في حديثه عن المرأة والسياسة والواقع العربي والحب. لكن اليوم، بعد الابتعاد عنه والتأمل في مساره وشخصيته وعلاقاته بالأنظمة وحتى بالمرأة، نجد أن «شاعر الجميع وشاعر اللاأحد» بحسب وصف أحد النقاد، هو ربما شاعر محاط بالالتباس من جوانبه كافة. فقد سمي بـ{شاعر المرأة»، لكنه في الوقت نفسه كان يهينها باعتباره «دون جوان» زمانه. كذلك نادى بالحرية، لكنه كان يوزع مديحه على السلاطين والطغيان. كان يشتم أمراء النفط، لكنه ينشر قصائده في صحفهم. الراجح أن شخصية قباني تحتاج إلى تفكيك بعد سنوات على رحيله، فهو الذي وصفت أعماله بالـ{بوب آرت» الشعري الشعبوي والبسيط لم يعد شعره اليوم كما كان، لم تعد النساء يتسابقن لمطالعة كتاباته، وليست كتبه هي الأكثر مبيعاً في المعارض اليوم، وغادرت واجهة المكتبات.

ربما يغضب كثر من عشاق نزار قباني المعارضين للنظام السوري لأن الجعفري وظف بيت:

دمشـق، يا كنز أحلامي ومروحتي

أشكو العروبة أم أشكو لك العربا؟

ماذا لو كان قباني على قيد الحياة، كيف سيكون موقفه من الأحداث في سورية، وكيف سيأتي رد فعله على وصول اسمه إلى مجلس الأمن؟ لا ننسى هنا بعض السياسيين اللبنانيين الذين يستعملون أسماء الشعراء والكتاب في خضم التصارع في ما بينهم، ويتحول الشعراء في الختام مجرد «كبش محرقة» على مذبح الانقسام السياسي والطائفي.

لم يكن الجعفري يريد من شعر نزار إلا مزهرية في «محاضرته» من دون الأخذ في الاعتبار أن علاقة الشاعر الدمشقي بالحرية والمرأة والأنظمة والطغيان كانت قائمة على الالتباس. أحياناً، كان يلجأ الى تلميحات ضد الأنظمة وأحياناً أخرى يتماهى معها، يشتم هذا النظام الطغياني ويقع في أحضان طغيان آخر. فنزار الذي بالغ في هجاء أمراء النفط وانهال عليهم بالشتم واللوم، بالغ أيضاً في مدح صدام حسين واسبغ عليه الصفات الإلهية قائلاً: «هو من قطر اللون الأخضر في عيني». لكن صدام سرعان ما جلب الهزيمة إلى شاعر العشق والجمال. فبعد حرب الخليج هجاه نزار، قائلاً: «مضحكة مبكية معركة الخليج/ فلا النصال انكسرت على النصال/ ولا الرجال نازلوا الرجال/ ولا رأينا مرة أسوار بانيبال/ فكل ما تبقى لمتحف التاريخ/ أهرام من النعال». هذه القصيدة جعلت شاعر صدام رعد بندر يهاجم قباني: «يا قباني… يا فاتح القناني!!/ بل حربنا حرب/ سلامنا سلام/ لكن ما يناله العملاق/ لا تناله الأقزام/ تاجر. فإن أقصر الدروب للثراء/ تجارة الأقلام… فرق كبير بين شاعر أحباره دماؤه/ وآخر أحباره الخمور… فرق كبير بين فاتح أضلاعه للموت والطعان/… وبين فاتح (القناني)/ صدّق بأني مشفق عليك/ وأن أحدث النكات عندنا/ كلامك الذي هجاني».

علاقة ملتبسة

قباني الذي قيل إنه نفي في ظل حكم حافظ الأسد إلى لندن، كانت علاقته بهذا النظام غريبة وملتبسة أيضاً، وتكاد تكون غير معلنة على رغم علانيتها، وشبه سرية على رغم وضوحها. فقد استقبله الأسد عام 1974 في مكتبه، وكتب نزار: «منذ أيام النبي العربي.. والشام «بتتكلم» عربي، ومنذ أيام معاوية وهشام ومروان حتى أيام حافظ الأسد، ومنذ موقعة بدر، حتى موقعة جبل الشيخ، والشام مواظبة على تكلم اللغة العربية، وعلى تعليمها، إن صناعة دمشق الأساسية هي العروبة». في مناسبة أخرى كتب قباني: «إن الرئيس حافظ الأسد هو صديق الشجرة والغيمة وسنبلة القمح والحقول والأطفال والغابات، والجداول والعصافير وفيروز وعاصي الرحباني، ولو أنّ عصفوراً واحداً سقط أو غمامةً واحدة بكتْ أو سنبلة قمح واحدة انكسرتْ لحمل إليها حافظ الأسد وعاء المهل ووقف فوق رأسها حتى تشفى». ووصلت الأمور به إلى كتابة: «في بلادي يغيرون تاريخ حياة نهر… نزع الرئيس حافظ الأسد عن الفرات عباءته الطينية، أعطاه قلماً ليكتب يومياته كنهر متحضر…»، على أن خصوم النظام البعثي يعتبرون أن قصيدة قباني الساخرة عن «عنترة» تصوِّر نظام البعث والأسد تحديداً، وثمة من حوّر فيها لتكون مناسبة ضد بشار الأسد:

هـذي البـلاد شـقـةٌ مفـروشـةٌ، يملكها شخصٌ يسمى عنتره

يسـكر طوال الليل عنـد بابهـا، ويجمع الإيجـار من سكـانهـا …

ويطلب الزواج من نسـوانهـا..

ويطلق النـار على الأشجـار…

بالطبع لا جدوى من انهماك جمهور الـ{فايسبوك» في القول إن قباني لو وجد اليوم لقال كلاماً آخر عن نظام البعث، فالزمن لا يعود. كذلك لا معنى لأن يوظف نظام البعث حياة شاعر في خدمته وهو يدرك (أي هذا النظام) أن نزار لم يعد إلى سورية إلا ليدفن فيها. باختصار، الشعراء الرواد ليسوا ملائكة حتى يزج اسمهم في الخطب، فمعظمهم مرضى البلاط… وميزة قباني الذي يحسده شعراء الحداثة، أنه يسهل استعمال أبياته في المنابر الشعبية والسياسية لأنه كان واضحاً ولم يغرق في دهاليز الغموض وتجلّيات قصيدة النثر وأخواتها.

-2-

الجواهري مع تأبيد الأسد وضد الطغيان؟!

أعاد بعض الشعراء ومسؤولي الصفحات الثقافية نشر قصائد للشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري ضد الطغيان والأنظمة الشمولية، وهي تأتي كتعبير شعري في هذه المرحلة التي تتظاهر فيها الحشود ضد نظام بشار الأسد وغيره.

لم ينتبه عشاق قصائد الجواهري أن «متنبي العصر» حمال أوجه، فهو شاعر السلاطين والملوك والطغيان، بل شاعر العلاقات العامة، وسيرته حافلة بتناقضات في هويته الضائعة بين عراقية جديدة وحنين في أيام الشباب إلى فارسية قديمة، وبين هجاء الطاغية صدام في العراق ومدح غيره في مكان آخر، في سورية تحديداً.

كتب «شاعر العرب الأكبر»، كما يسميه البعض، قصيدة «رقاب الطغاة»، وقد نشرتها قبل أيام إحدى الصحف اللبنانية ونشرة «أخبار الأدب» المصري، يقول الجواهري فيها:

أتعلمُ أم أنت لا تعلمُ

بأن جراحَ الضحايا فمُ

فمٌ ليس كالمدّعي قولةً

وليس كآخرَ يسترحمُ

أتعلم أن رقاب الطغاة

أثقلها الغُنم والمأثم

وأن بطون العُتاة التي

من السُّحت تهضم ما تهضم

وأن البغيّ الذي يدّعي

من المجد ما لم تَحُزْ مريم

ستنهدُّ إن فار هذا الدم

وصوَّت هذا الفم الأعجم

أتعلم أن جراح الشهيد

تظل عن الثأر تستفهم

أتعلم أن جراح الشهيد

من الجوع تهضم ما تلهم

تمصّ دماً ثم تبغي دماً

وتبقى تلحّ وتستطعم

أخي جعفراً لا أقول الخيالَ

وذو الثأر يقظانُ لا يحلم

ولكن بما أُلهم الصابرون

وقد يقرأ الغيبَ مستلهمُ

أرى أفقاً بنجيع الدماء

تنوّر، واختفت الأنجم

يعلم الجميع أن الجواهري قال قصيدته رثاء لشقيقه جعفر الذي سقط عام 1948 أثناء مواجهات احتجاجاً على معاهدة بورتسموث بين الحكومة العراقية آنذاك والحكومة البريطانية، فدارت معارك عدة بين المتظاهرين وقوات الشرطة في شوارع بغداد.

يمكن توظيف هذه القصيدة في أي لحظة ضد أنظمة الطغيان، لكن الشاعر نفسه بدا في حياته منحازاً لهذا الطاغية ضد ذاك، ربما بحسب مصالحه، تماماً كما كان المتنبي يطلق المديح بهدف الوصول إلى غاية ما.

يقول الباحث جمال شحيد في بحثه عن «شعارات الموالاة والانتفاضة في سورية»: «منذ ثلاثة عقود نزلت إلى الشارع السوري شعارات إقصائية صدمت الوعي السياسي السوري، لكنها استمرت حتى أيامنا هذه. ومن سوء الحظ أن بعض المثقفين المتزلفين صاغوا قسماً من هذه الشعارات الإشكالية التي تدعو إلى الأبد وهنا تتماثل السلطة الدنيوية الفانية مع السلطة الإلهية السرمدية، ومنها أيضاً أبياتاً لمحمد مهدي الجواهري يمدح فيهما الرئيس حافظ الأسد، على غرار قصائد المديح العصماء التي انتشرت في الأدب الأموي والعباسي والعثماني:

سلاما أيها الأسد…. سلمت وتسلم البلد

وتسلم أمةّ فخرت… بأنك فخر من تلد»

ثمة من يدافع عن مديح الجواهري بطريقة تافهة قائلاً إن مديح الشعراء للسلاطين في صميم التراث العربي. الحال، أن قصيدته لكثرة ما سمعناها على التلفزيون السوري البعثي، قبل الأخبار وبعدها، قبل برامج المنوعات وبعد الدراما، وفي المهرجانات والشوارع… حسبنا أن الجواهري لم يقل غيرها في حياته، بل تصرف الإعلام السوري مع الجواهري باعتباره مادح الأسد فحسب، فأحرق الشاعر في سبيل قصيدة له.

الجواهري الذي كان راضياً عن «ثقافة البعث»، يقال إن الرئيس حافظ الأسد دعاه الى دمشق، فجاء إليها عام 1983 بعد تردد دام سنة كاملة أقنعه خلالها نقيب الصحافيين السوريين زار براغ بالزيارة. أستقبل الشاعر بحفاوة تليق به وخُصصت له دار وسيارة، بعدها كانت للأسد «القصيدة» الشهيرة، وعندما توفيت زوجة الشاعر «أمونة» عام 1992 حضر الرئيس السوري مجلس العزاء ومكث لساعة ونصف الساعة.

عُرف الأسد الأب باضطهاده الثقافة السورية عموماً من خلال ترويج «ثقافة» البعث دون غيرها، واقترابه من بعض رموزها. في لبنان، توطدت علاقته بآل الرحباني، وقال الراحل منصور الرحباني إثر مرض شقيقه عاصي: «إن نسيت فلا أنسى مشاعر الناس ومحبتهم وتقديرهم، لقد حاصروا المشفى الذي يعالج فيه عاصي، وقد غمرنا الرئيس حافظ الأسد بعنايته ومحبته وأرسل موفداً خاصاً ومبلغاً مالياً مجزياً لهذه الغاية وهي مبادرة لا يمكن أن ننساها أبداً».

في 26 سبتمبر، أصيب عاصي الرحباني بجلطة دماغية فأرسله الرئيس الأسد في طائرة خاصة إلى العاصمة الفرنسية باريس للعلاج، وتبرع بمبلغ 50 ألف ليرة سورية لإجراء جراحة له.

كذلك تقرب الأسد من الجواهري واهتم به، فيما كان صدام حسين ينفيه وينزع عنه جنسيته العراقية لأنه شارك في مهرجان شعري سعودي. على أن علاقة الجواهري بالطغيان في العراق فيها كثير من الالتباس والتناقضات، وما زالت حتى اليوم موضع نقاش في الصحف العراقية بين مثقفين عراقيين وأفراد من أسرة الجواهري نفسه.

كيف يمكن لنا تقديم صورة واضحة عن علاقة «شاعر العرب الأكبر» بقادة الطغيان، وهو غرق في المديح والهجاء؟! في دراسة حديثة نشرت في مجلة و{جهات نظر»، يربط الناقد جهاد فاضل بين الصراع القائم في العراق وبين حياة الجواهري وعمله الأدبي. يقول إن ساطع العصري، أحد رموز الحركة القومية الأوائل، طرد الجواهري من وظيفته كمعلم ابتدائي بسبب قصيدة ذم فيها العراق وتغزل بإيران (لا تزال حاضرة بقوة في الأروقة وبنيت عليها دراسات كثيرة). غير أن الملك فيصل عاد وعينه موظفاً في البلاط مراعاة لأصوله النجفية… نظم الجواهري قصيدة يمتدح فيها السوفيات في معركة «ستالينغراد»، فطلب منه رئيس الوزراء نوري السعيد أن يكتب قصيدة في مديح معركة «العلمين» والمارشال مونتغمري، ففعل: ويا مونتغمري لو سقى القول فاتحا سقتك القوافي صفوها السلس العذبا. فلم يعطه السعيد صحيفة فحسب، بل مزرعة أيضاً مع كامل معداتها، فتحول إلى واحد من طبقة ملاك الأراضي. ثم انقلب على السعيد وهجاه طويلاً، لكنه عاد فحاول إنصافه في مذكراته وترحّم على أيامه مقارنة بعهد عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وصدام حسين.

يشير سليم التكريتي (كان مقرباً من الجواهري) إلى أن الجواهري لم يؤيد ثورة رشيد عالي الكيلاني أو أي حركة قومية. ويقول الكاتب عبد الحسين شعبان إن الجواهري حاول الاعتذار عن تلك المرحلة مراراً عبر تأييده المدّ القومي العربي، لكن الناس لم ينسوا له بداياته، خصوصاً قصيدته في مدح إيران وذم العراق:

لي في العراق عصابة لولاهم ما كان محبوبا إليّ عراق

لا دجلة لولاهم، وهي التي عذبت تروق، ولا الفرات يراق

هذا إشارة إلى تفاهة الاعتماد على قصائد الشعراء المدِّيحة المستوردة من سوق النخاسة، فحتى صدام حسين في أيامه حين كان يدعو إلى مهرجان شعري كانت تتقاطر إليه مئات من فطاحل الشعراء والزجالين، والواقع نفسه ينطبق في «ليبيا القذافي» و{سورية الأسد»، وبين هؤلاء جميعاً يبدو صاحب «سلاماً أيها الأسد» الأكثر «بطراً» في مدح السلاطين وهجائهم «حسب الطلب».

الجريدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى