صفحات الرأيياسين الحاج صالح

الضمير الخارجي: في المظلومية وأصول الشر السياسي/ ياسين الحاج صالح

 

 

إلى سميرة، عيني الداخلية

الجزء الأول

«كيف يتأتى لشعب وقع ضحية قسوة لا توصف أن يصبح هو نفسه جلاداً لشعب آخر؟»، يتساءل آفي شلايم، المؤرخ الإسرائيلي، في كتابه: إسرائيل وفلسطين، إعادة تقييم، ومراجعة، ودحض وتفنيد (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2013). شلايم هو ممن يُعرَفون في إسرائيل بـ«المؤرخين الجدد» الذين أعادوا النظر في تاريخ ظهور إسرائيل، وساءلوا الوعي الذاتي الإسرائيلي والإيديولوجية الصهيونية. والشعبُ الذي كان «ضحية قسوة لا توصف» هو اليهود، الذين صاروا جلّادين للشعب الفلسطيني.

 

تحاول هذه المقالة اقتراح عناصر نظرية تسهم في الإجابة على سؤال شلايم، وتعمل على تقصّي جذور الشر السياسي في بنى المجتمع والسياسة والنفس البشرية. وهي من وجه آخر تستأنف تناول سرديات المظلومية التي سبق لي تناولها (الظالمون العادلون: من سرديات المظلومية إلى مقاومة الظلم، أيلول 2015). لكني أعمل هنا على إدراج السرديات في بنى مظلومية تشمل هياكل سياسية ومركبات ثقافية وتكوينات نفسية، فضلاً عن الخطابات حول المظلومية. تحاول المقالة إلقاء ضوء على ما يمكن أن تكون آلية أساسية في تسهيل إيقاع الظلم على يد مظلومين، وهي الانحباس في النفس وتوقف الأفعال الانعكاسية (مساءلة الذات، نقد الذات، التهكم من الذات…)، وهو ما يفضي إلى ضمور الضمير أو النفس المُحاسِبة. وتميّزُ هذه المناقشة أيضاً بين صورتين للنفس، النفس المغلقة أو المصمتة، والنفس المتعددة أو الفسيحة، وتقول شيئاً عن العلاقة بين نظام النفس والنظام السياسي في بيئاتنا الاجتماعية والسياسية والفكرية. نناقش أيضاً فكرة الأحقية كتركيب من المظلومية والتفوق، يتأسس عليه تكوين إبادي، يجنح حين تكون الظروف مواتية إلى التوسع في قتل العدو النوعي، «الظالم». ونبني على المناقشة حول النفس والضمير نظرةً على مفهوم الكرامة، ومساءلةً للإسلامية المعاصرة عن موقع الكرامة الإنسانية فيها، وتختم المقالة باقتراحات حول تحولات واجبة في تفكيرنا من أجل حياة أكثر عدالة.

 

إطار الإحالة الواقعي للمقالة هو، بطبيعة الحال، سورية في الزمن الأسدي، وبخاصة بعد الثورة عام 2011. أزمنة التجارب القصوى كهذه التي نعيشها منذ ست سنوات ونيف أنسب من غيرها للنظر في تكوينات الإنساني النفسية والاجتماعية والسياسية والفكرية. وهي مناسبة ومحفز لثورة في تفكيرنا وعلى تفكيرنا المألوف، أياً يكن مصير الثورة في الواقع وعليه.

 

العنف الإذلالي

 

ليس العنف المهول هو ما ميّزَ سلوك الدولة الأسدية منذ مطلع الثورة، بل خصائص مترابطة لهذا العنف. أولها أنه عنفٌ عنيف إن جاز التعبير، مُمَارسٌ بعنف وخشونة، أهوج وعشوائي وفائض، متواضع تنظيمياً وتكنولوجياً أيضاً، ومقتضٍ للجهد العضلي والتورط الشخصي المباشر من قبل ممارسيه؛ وثانيتها أنه عنفٌ تمييزيٌ جمعي، يستهدف حياً أو بلدةً أو منطقة، ولا يقتصر على أفراد بعينهم أو مجموعات مكونة من أفراد يمكن تعريفهم بأفعال سياسية أو عسكرية تميزهم؛ وثالثة الخصائص الطابعُ الإذلالي المقترن بالكراهية لمن يقع عليهم العنف، مع ميل إلى تعريفهم تعريفاً جمعياً بهوية موروثة قديمة، ومع تسهيل مشاركة من ليس لهم صفة عامة في ممارسة العنف؛ ورابعتها أنه عنفٌ متفننٌ وغير مقنن، لا ينضبط بقاعدة عامة معلومة، يمتنع التنبؤ بمقداره ويحوز ممارسوه حصانة كلية، وهو ما يضفي عليه صفة ترويعية أو بالضبط إرهابية؛ والخاصية الخامسة أن مسارح هذه العنف كثيرة، يمكن أن تكون الشارع أو ساحة البلدة أو وسيلة النقل العام، أو الجامعة، أو حتى المستشفى، وأن سحب العنف من الحياة اليومية الذي ميز الدولة الحديثة، انعكس في سورية في جيلي الحكم الأسدي، حيث مازج العنفُ الحياةَ اليومية على نطاق واسع. هذا يعزز الطابع الإذلالي للعنف، ويوسع من تأثيره الاجتماعي المخرّب.

 

يتقابل نمط العنف هذا مع عنف الدولة-الأمة الحديثة الذي يُفترض أن يكون عقابياً، مجرداً، فردياً، لا ينال من التكامل الجسدي أو النفسي للأفراد، وتستأثر بممارسته جهات معلومة محددة في الدولة. عنف الدولة الأسدية، خلاف ذلك، أشد قسوة وتمييزاً، لا ينفصل عن حيثيات المعنّفين ومن يكونون وممن يكونون، وهو في هذا أشدُّ إذلالاً حتى من العنف الإسرائيلي حيال الفلسطينيين. العنف الإسرائيلي بدوره عنيف، مقترن بالكراهية، جمعي، وإذلالي، وإن كانت تكنولوجيا العنف الإسرائيلية المتطورة تتيح درجة أكبر من الانفصال عن المعنّفين المباشرين. إسرائيل تحظى بضرب من التسامح الغربي والدولي مع جرائمها بحق الفلسطينيين، يُسهِّل من أمره ما يتيحه تفوقها التكنولوجي من إظهار عنفها كعنف حربي عادي، غير مباشر وغير عنيف ما دام يمارس عن بعد. للتكنولوجيا دور مهم في حجب العنف من جهة ممارسه، فالطيار أو رامي الدبابة يقتل ويدمر عن بعد، لا تتشنج ملامحه وهو يقتل، ولا يرتفع الأدرينالين في دمه، وهو لا يرى ملامح المقتولين وأشلاءهم. وعموماً يجري تصور العنف الإسرائيلي بأنه عنف دولة، مبقرط (أُضفيَت صفة بيروقراطية على ممارسته)، دفاعي، وخاضع للسياسة. يثمر تآزر بقرطة العنف مع تقدمه التكنولوجي ومع خضوعه المفترض للسياسة عنفاً حَسَنَ التغليف، لا يكادُ يلفتُ النظر، وبالكاد يُشتكى من تجاوزه للحد. في واقع الأمر، العنف الإسرائيلي حيال الفلسطينيين هو عنفٌ استعماري، جمعي، إذلالي، لا يستبعد تماساً جسدياً على الحواجز وفي السجون، فوق أنه لا يحتكر ممارسته اختصاصيو عنفٍ معلومون. اعتداءات المستوطنين المسلحين تماثل استخدام الشبيحة من قبل الدولة الأسدية، واختراقهم جغرافياً، اليومي وطوال عقود، للمجال الفلسطيني، يتكفل بإدراج العنف في الحياة اليومية على نحو نعرفه جيداً في سورية. ويشارك ممارسو العنف الإسرائيليون، العامون والخاصون، نظراءهم الأسديين في الحصانة من العقاب مهما فعلوا. الواقع أن لإسرائيل ميزة في هذا الشأن، فقد حصل أن قُدِّم للقضاء قتلة إسرائيليون كانوا لا يعاقبون، أو يكون عقابهم محدوداً جداً بالمقارنة مع جرائمهم، وحصل أن دفع سياسيون أثماناً وقتية لجرائم حرب موصوفة ارتكبوها أو سهلوا ارتكابها (شارون، بعد مذابح صبرا وشاتيلا). لا شيء يداني ذلك بخصوص الأسديين.

 

العنف الأسدي أقل تجريداً وبيروقراطية وأكثر إذلالاً حتى من العنف الإسرائيلي، يميزه تماهٍ واسع بين الأمني والعسكري والسياسي، وإرادة إشراك جمهور أوسع في ممارسة العنف، وتعريض جمهور أوسع للعنف أيضاً. الدولة هنا لا تحتكر العنف لنفسها، بل ترغب في توسيع المشاركة الاجتماعية في ممارسته لمصلحتها، ولا تواجه بالعنف من يواجهونها به، بل تستهدف حياة المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرتها، بما في ذلك العاملون الصحيون والمرافق الصحية. أسلحة من نوع البراميل المتفجرة وغاز السارين والكلور، يمكن أن توصف بأنها أسلحة عدم تمييز شامل، فوق كونها أسلحة تدمير شامل (البراميل لا تعتبر كذلك من الوجهة التقنية، لكنها كذلك في الخبرة السورية، وأثرها التدميري على الأجساد البشرية والعمران يفوق أثر السلاح الكيماوي).

 

وخلال ما يقترب من نصف قرن تطور العنف الأسدي باتجاه مزيد من الهَوَج وتَرَاجُع الصفة البيروقراطية وتقدم الصفة الجمعية، وهذا مع تقدم الصفة المشخصة والأهلية للدولة وتراجع صفتها العامة. لا تكتفي الأسدية بممارسة التجويع الجمعي لمناطق كاملة (المعضّمية، داريا، مخيم اليرموك، مضايا، الغوطة الشرقية، حلب الشرقية قبل إعادة احتلالها…)، بل تُطوِّرُ فوق ذلك شعاراً يلخص الهدف السياسي من التجويع: الجوع أو الركوع! الركوع هو شكل إذلالي من الطاعة السياسية التي يعاقب الخروج عليها بالموت، جوعاً أو بالبراميل أو السارين أو تحت التعذيب. معتقلو الدولة الأسدية، خلافاً حتى للأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل، قلما يُضرِبون عن الطعام لأنهم سيتعرضون للتعذيب إن فعلوا، وربما يُقتَلَون لتجاسرهم، وفي أحسن الأحوال يُترَكون للموت دون أن يعلم بهم أحد. وهذا خاصة في «السجون الباطنة» للدولة الأسدية، مثل تدمر أيام الأب وصيدنايا أيام الابن.

 

ويبدو أن الغرض من هذا العنف العنيف، الإذلالي، الجمعي، المتفنن، الفائض، التمييزي، المتعدد المسارح والمندلق في الحياة اليومية، انتقاميٌ من جهة، يصدر عن اعتبار تمرد المحكومين عدواناً على الحاكمين، وردعي استباقي من جهة ثانية، يُلقِّن المُعنَّفين المذلولين دروساً لا تُنسى، ويصنع ذاكرة مناسبة تستبقي هذا الهول في نفوسهم طويلاً، بحيث تُسحَق إرادتهم على المقاومة.

 

وبدءً من عام 2013، أخذ يظهر بين معنّفي الدولة الأسدية المذلولين ممارسون آخرون لعنف مهول، أهوج وإذلالي ومتفنن، استعراضي أيضاً، وممتزج بالكراهية. إسلاميون أولاً، أبرزهم داعش، وجبهة النصرة، وتشكيلات مقاتلة أخرى في حلب وإدلب حسب تقرير صدر قبل شهور عن أمنستي/منظمة العفو الدولية. كان الإسلاميون تعرضوا لأشدّ الوحشية على يد الدولة الأسدية. وما ستقوله هذ المقالة هو أنهم كانوا عنيفين وعدوانيين، ليس رغم أنهم مظلومون سابقون، بل –جزئياً على الأقل- لأنهم مظلومون سابقون. ولأنهم عملوا، ولديهم عدة خطابية تساعدهم على ذلك، على إضفاء طابع نسقي على مظلوميتهم، تجعلهم مجرد ضحايا لعدوان منبثق من صميم تكوين المعتدين.

 

ويمتزج في سجل قوات تنظيم الاتحاد الديموقراطي الكردية الإذلال بالكراهية أيضاً، وبعض أوجهه موثقة في تقرير سابق لأمنستي أيضاً، وهذا قبل مشهد استعراض كرنفالي لجثث مقاتلين محليين في أرياف حلب، وسط مدينة عفرين الكردية في نيسان 2016. وفي الحرب لانتزاع الرقة من داعش تتواتر معلومات عن معاملة تمييزية للسكان، الموضوعين تحت اتهام جمعي بالداعشية والمطالبين بإثبات أنهم ليسوا دواعش، فضلاً عن القصف العشوائي للمدينة، وقد أوقع مئات المدنيين خلال شهر حزيران الماضي وحده.

 

تعمل هذه المناقشة على إبراز الآلية التي تتيح إيقاع الظلم على الغير بدون تردد أو بقليل منه، أعني حضور المظلومية في تفكير وأفعال الأطراف الثلاثة (لن أتناول المظلومية اليهودية هنا، وإن كانت ستجري الإحالة عليها في السياق). تسهّل سرديات المظلومية التوسع في تعريف العدو، على نحو يسهّل بدوره ممارسة عنف هجومي ومضاد للمجتمع. الدولة الباطنة الأسدية، وهي ذات تكوين طائفي غالب، تستخدم كلمة إرهابيين، وقد قدّرهم بشار الأسد بالملايين، يندرج ضمنهم عشرات ألوف الإرهابيين و«حاضنة اجتماعية» (هذا تعبير بشار) تضم أُسَرَهم وجوارهم، وهو ما يفتح أوسع الأبواب أمام الإبادة؛ ويتكلم السلفيون الجهاديون على نُصيريين وعلمانيين وكفرة، ما يمحو الفارق بين المدنيين والمحاربين، وما يضع المجتمع كله موضع اتهام، فيفتح الباب للإبادة أيضاً؛ ويفضل مناصرو تنظيم الاتحاد الديموقراطي الكردي الكلام على دواعش أو على إرهابيين، وعلى اعتبار سكان شمال سورية العرب «بيئة حاضنة» لداعش، ما يلغي بدوره الفارق الجوهري بين المدنيين والعسكريين، ويُسوِّغ الاعتداء على المجتمع، ويفتح الباب للإبادة كذلك.

 

لم تكن ممارسات التوحش والإذلال التي رُصدت منذ بداية الثورة من طرف الأسديين، ومنذ عام 2013 من قبل السلفيين، ثم بعد 2015 من قبل تنظيم الاتحاد الديموقراطي الكردي، مما كان يساور أسوأ ظنون معظم السوريين الذي وجد كثيرون منهم، مع ذلك، في أنفسهم استعداداً للقيام بمثل هذه الممارسات أو تبريرها، والإمعان في العنف اللفظي بحق منتقديها. فإذا عرّفنا التوحش بأنه عنفٌ ممارس بعنف، إذلالي، كاره، موجّه ضد جماعات بشرية واسعة، دون ارتباط بتحديد قانوني أو سياسي للمسؤوليات، وجب التساؤل عن جذور التوحش، وعما يُحتمل أن يؤدي إليه.

 

الجواب المقترح هنا يحيل إلى دور المظلوميات في تسهيل إيقاع الظلم وإضعاف فرص مقاومته. ولأغراض هذه المقالة، أُعرّفُ «الظلم» بأنه العنف الإذلالي، أو أن هذا هو الشكل الأبرز للظلم الذي تُبنى عليه وتستثمر فيه سرديات المظلومية. هناك شكل آخر أقل ظهوراً لكنه عميق الأثر، وهو التمييز الجمعي المديد، الذي سيشار إليه في متن المقالة، وبشيء من التوسع في قسمٍ ثان منها.

 

سؤال المظلومية

 

أين كنتم حين كنا نُقمَع، نُهان، نُفقر، نُقتَل، نُعذَب، تُرتَكب بحقنا المجازر، إلخ؟ هذا السؤال الاستنكاري يمكن أن يكون رداً على إدانة محتملة لأفعال مُجادل فيها، أو انتهاكات صريحة يمارسها منسوبون إلى جماعات المظلومية بحق غيرهم. أعني بجماعات المظلومية الجماعات التي تُعرِّف نفسها بقدر كبير بسردية مظلوميةٍ تخصها، تتشكل حول ظلم حقيقي غالباً (تمييز، إذلال مباشر، إهانات رمزية…)، لكن السرديات تُضفي عليه طابعاً نسقياً، وتحوِّله إلى ركيزة لتمايز الجماعات وتَجَابُهِها. أين كنتم حين كنا نتعرض للمذابح، ونُباد بالملايين؟ قد يردّ صهيونيٌ على إدانة معاملة إسرائيل للفلسطينيين. أين كنتم حين كنا مُهمَّشين اجتماعياً، ومُبعَدين إلى جبال تسكنها الضباع، مُفقرين ومُحتقرين أيضاً، وكانت بناتنا تعملنَ خادمات في بيوت الأغنياء في المدن، وتتعرضَن للاستغلال الجنسي؟ قد يردّ ناشطٌ طائفيٌ علوي على إدانة أعمال الدولة الأسدية. أين كنتم حين جُرِّدَ عشرات الألوف منّا من الجنسية، ومُنعنا من تعلم لغتنا وتطوير ثقافتنا والاحتفال بعيدنا القومي، وحين انتفضنا عام 2004 وتُركنا وحدنا؟ قد يردّ ناشطٌ قوميٌ كردي على لوم ممارسات قوات تنظيم الاتحاد الديموقراطي. أين كنتم حين كنا نتعرض للتعذيب والقتل في سجن تدمر وصيدنايا، أو حين دُمِّرت حماة ونُهِبَت؟ قد يردّ ناشطٌ طائفيٌ سنيٌ على إدانة أفعال جبهة النصرة أو جيش الإسلام، أو حتى داعش.

 

تُقمَع الإدانة المحتملة في المهد بذلك السؤال الساخط الذي يتضمن أنكم، كلكم، ضدنا: إما شاركتم في ظلمنا، أو لم تعترضوا على ظالمينا الذين هم منكم ولم تتضامنوا معنا. والحُكْم، تالياً، هو أنه كلكم مثل بعضكم، فلا يحقّ لأيٍ منكم لومنا. بل ليس من حقكم طرح السؤال بخصوص ما يُحتمل أننا ارتكبنا، أو دَفعُنا إلى مراجعة ما نفعل.

 

وقد تستبطن أطراف ثالثة سرديات المظلومية الخاصة بهذه الجماعة أو تلك، فتشارك في توبيخ من يُسائل عن ممارسات لاحقة مُجادل فيها: كيف تجرؤ على مساءلتهم عن انتهاكات عارضة، يمارس مثلها الجميع؟ ألا ترى فظاعة ما وقع لهم؟ هذا شائع بخاصة على ألسنة «متضامنين» غربيين (مع اليهود، مع الفلسطينيين، مع المسلمين، مع الكرد…)، يحفزهم ما يثيره رفاه الحال من شعور بالذنب، فيتضامنون كي يتخففوا منه. وقلما يستوعب «التضامن» تفاصيل وملابسات وذاكرات وتواريخ الصراعات الفعلية.

 

بردّه المنفعل على إدانة محتملة، ما يقمعه سؤال المظلومية هو الخروج من النفس، والنظر إليها من خارج مثلما ننظر إلى غيرنا. القمع الفوري للمساءلة يمنع الأفعال الانعكاسية التي تقوم على الخروج من النفس، ومن جملتها مساءلة النفس ومحاسبة النفس ولوم النفس وضبط النفس ونقد النفس ومراجعة النفس، والتهكم على النفس، وتغيير النفس. الضمير، أو النفس المُحاسِبة، يتكون عبر هذه الأفعال، عبر الخروج من النفس والعودة إليها. إنه منظمة نفسية، إن حاكينا لغة التحليل النفسي، تتكون عبر تكرار الأفعال الانعكاسية المشار إليها. وهي أفعال تبدأ بالظهور منذ الطفولة، عبر استدخال توجيهات وتحذيرات الأبوين التي يعلم الطفل أنها لخيره. الضمير هو عين الأبوين الداخلية. أو بنظرة أعم هو عينٌ صديقةٌ في داخلنا، تُحبّنا وتُسائلنا، تلومنا لخيرنا. عينٌ نثق بها.

 

ومثلما ليس لدينا عضو اسمه العقل، ليس هناك عضو اسمه الضمير؛ العقل والضمير يتكونان عبر أفعالِ تَعَقُّلِ العالم من حولنا، وأفعالِ مراجعةِ النفس في داخلنا. هذه «الملكات» تتشكل عبر الأفعال، وليست هي ما يشكل الأفعال. وأفعالنا هذه غير مبرمجة سلفاً، وهذا ما يبدو أنه يميز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية: أفعالنا تتشكل تاريخياً وبيئياً وثقافياً وتكنولوجياً، وتتحدد بقدر كبير ببنى اجتماعية تتكون وتتبدل تاريخياً، دون أن تكون محددة بيولوجياً سلفاً. للإنسان تاريخ لأن أفعاله غير مبرمجة سلفاً، أي لأنه ليس له «طبيعة» (أو ربما لأن هناك ما هو «غير طبيعي» في طبيعته). إذا توقفت أفعال التعقل والمراجعة لسببٍ ما، يَضمرُ العقل ويضمرُ الضمير. نخسر حينها الحرية، ونتزود بطبيعة ثابتة، «طبيعية»، ويمكن حينها التنبؤ بمستقبلنا. ليس للحيوانات تاريخ، بالمقابل، لأن أفعالها محددة طبيعياً، ومستقبلها معلوم.

 

هذا التصور عن الأفعال الانعكاسية يبني على نظرية حنه آرندت في كتاب Eichman in Jerusalem: A report on the Banality of Evil . الفيلسوفة المرموقة لا تردّ الشر إلى جوهر شرير متأصل عند أشخاص في صورة «نازع نَهِم وخطير إلى القتل»، أو «شخصية سادية ومنحرفة»، أو (في حالة أدولف إيخمان، المسؤول النازي) «كراهية مجنونة لليهود» أو «تعصب معاد للسامية». كان إيخمان مسؤولاً عن نقل اليهود في بلدان أوروبية متعددة وقعت تحت الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية إلى معسكرات الاعتقال، حيث تعرض ما قد يصل إلى ستة ملايين منهم للإبادة. آرندت، وهي نفسها يهودية ألمانية لجأت بعد صعود النازيين إلى الحكم في بلدها إلى فرنسا ثم إلى الولايات المتحدة، تردُّ الشر الذي مارسه إيخمان إلى «عجزه الكلي عن النظر إلى أي شيء من وجهة نظر شخص آخر». الرجل الذي اختطفته الأجهزة الإسرائيلية من الأرجنتين حيث عاش متوارياً لنحو 15 عاماً بعد سقوط النازية، ثم حوكم في إسرائيل وأعدم، لم يكن يتكلم غير الكليشيهات، حسبما لاحظت آرندت. وهو نفسه يقول إن لغته هي «الأوفيشياليّة»، أي لغة التوجيهات والأوامر الحكومية، أو ما يمكن تسميتها «اللغة الرسمية الفصحى»: «كلما أطال المرء الإصغاء إليه، يتضح أكثر أن عجزه عن الكلام [الدال، الشخصي] وثيق الصلة بعجزه عن التفكير، وتحديداً التفكير من موقع شخص آخر»، تقول آرندت التي تعرّفُ التفكير بأنه حوار مع النفس، وهي لا تفكر فيه (التفكير) كفعل معرفي حصراً: إنه أكثر من ذلك فعل تمييز بين الخير والشر.

 

آخذُ من آرندت فكرة أن الشر متولد عن عدم القدرة عن وضع النفس في موضع الغير، لكن أحاول تقصي جذور هذا العجز في خطابات المظلومية والهياكل السياسية المبنية عليها، وكذلك في بنى النفس المتشكلة حول المظلومية. ليس الغرض طرح نظرية عامة في الشر السياسي، بل اقتراح آلية لإيقاع الشر، يبدو أنها تضيء كثيراً من ممارساته في منطقتنا، وربما في العالم.

 

***

 

ما يتسبب به العنف الإذلالي، والممارسات التمييزية بعامة، وما تعممه سرديات المظلومية، هو بالضبط وقف الأفعال الانعكاسية، تعطيل القدرة على الخروج من النفس والنظر إليها من خارجها ومساءلتها عن أفعالها، أي توقفُ أفعالِ مراجعةِ النفس. نعلم أن الواحد منا ينكمش على نفسه أو «يتجمع» عليها، مثل أحدب ابن الرومي، حين يتعرض لعدوان ممن لا قِبَل له بهم، محاولاً بذلك تقليل مساحة التعرض للأذى من جسده. ويمكن افتراض أن المرء يتصلب ويتجمع على نفسه، سيكولوجياً، حين يتعرض لأذى جسدي-نفسي مثل مزيج التعذيب والإذلال الذي شكّلَ تجربة واسعة النطاق في «سورية الأسد»، كان الإسلاميون أبرز ضحاياها. لكن من الصنف نفسه جميع أشكال التمييز والاضطهاد المديدة، كحال الكرد في سورية المعاصرة، وكحال أكثر العلويين في أزمنة ما قبل الدولة السورية الحديثة، وكحال فردية لكثيرين منّا في سنوات طفولتهم ويفاعهم. ومثلما يتندَّبُ جلدٌ تعرض لرضوض فيزيائية متكررة، فإن نفساً تعرضت لرضوض إذلال وتحقير متكررة تتندّبُ وتقسو، فتفقد قدرتها على الحركة المرنة ذهاباً وإياباً، على الخروج من النفس للنظر إليها من خارجها. يتقوقع المرء على نفسه أو الجماعة على نفسها، ويتطور لهما درع خارجي صلب، يحول دون الحركة الطليقة من النفس وإليها، وتالياً من ملاقاة آخرين والتعرف عليهم ومشاركتهم. وما يختنق في هذا التندّب أو يضمر هو التعدد داخل النفس، الذي يتولد عبر أفعال الخروج من النفس. أي أن الحركة داخل النفس أيضاً تتعذر. وإنما عبر ذاك التعدد وهذه الحركة يكون الواحد منا مجتمعاً، مجْمع أشخاص متفاعلاً.

 

على أن مفعول الظلم المتكرر لا يقتصر على تندّب أو تقوقع وضمور، بل يتعزز كذلك بنزوع «عقلاني» تُحفزه الضرورة إلى الاستغناء عن الضمير كشيء كمالي في أوقات العسر. الضمير مبدأ للغيرية، للشعور بالغير وتقمص الغير، ونحن كمظلومين في حالٍ لا تسمح لنا، صوناً لفُرص بقائنا ذاتها (أو للحيلولة دون تدهورنا في المكانة أو القدرة)، أن نكون غيريين. محتاجون لكل أنانيتنا كي نصون بقاءنا. أنانية الأفراد والمجموعات تزداد كلما كانوا غير آمنين على أنفسهم وأدنى تحكماً بشروط بقائهم. في السجن كان حسّ الشراكة بيننا يتراجع في أوقات الشحّ ونقص الطعام، ونميل إلى تقسيم المتاح بدقة تجنباً للنزاعات. هذا بينما نعرض درجة أكبر من الغيرية وبعداً أكبر عن المساواة التوزيعية في أوقات الوفرة. ونفترض أن مثل هذا ينطبق على الجماعات الأوسع. وفي شروط نازعة للإنسانية قد نتصرف بصور غير إنسانية صوناً لفرص بقاءنا. كانت المعتقلات اليهوديات في معسكر ماجدانك يتخاطفن الطعام قبل توزيعه من شدة جوعهن، فيندلق معظمه على الأرض ويختلط بالطين، لكنهن يتناولنه مع ذلك (من شهادة Nechama Epstein، في كتاب Century of Genocide, Critical Essays and Eyewitness Accounts من تحرير سامويل توتن ووليم بارسنز وإسرائيل شارني).

 

ويمكن لتوقف أفعال التعقل والمراجعة التي يتكون عبرها العقل والضمير، أفعال الخروج من النفس والعودة إليها، أن تأخذ واحداً من شكلين: أن نخرج من أنفسنا ولا نعود، ولعل هذا هو الجنون، أو أن ننحبس فيها لا نستطيع الخروج، وهذا هو الفعل النوعي للمظلومية الذي يؤدي إلى خفوت الضمير والعقل، وصولاً في الحالة القصوى إلى شكل آخر من الجنون. الانحباس في النفس كأثر للمظلومية هو وحده ما تهتم به هذه المناقشة.

 

نظام النفس المصمتة

 

ما نحصل عليه بفعل المظلومية هو نفسٌ مُصمَتة، خَلَت من التعدد، نفسٌ ملتصقة بنفسها، مُتشنِّجة، لا مجال للخروج منها ولقاء الغير بفعل مشقة الخروج من الدرع، وكذلك لأن فهم الغير والتعاطف مع الغير والتضامن معه، يقتضي طاقة غير متاحة للمظلوميين. وأعني بالمظلوميين من قد يكونون مظلومين فعلاً، لكن تطورت بينهم سرديةُ مظلومية، تضفي طابعاً نسقيّاً على ما يتعرضون له من ظلم، فيكون شاملاً للمجموعة كلها دون تمييز (يجري التكتم على من هم منّا وكانوا «عملاء» للظالمين المفترضين) من جهة، ويكون موقِعوه هم الجماعة الظالمة كلها (يجري التكتم على متضامنين منهم معنا) من جهة ثانية، ويكون الظلم من جهة ثالثة مستمراً ونابعاً من صميم تكوينهم ومنصباً على تكويننا ذاته (وليس من العوارض المتغيرة للسياسة والاجتماع والمصالح البشرية المتنازعة)، ومع ميل مُطّرد أخيراً إلى المبالغة والدوام والكلية. ما تعرضت له حنه آرندت من مزايدات وتسفيه إثر كتابها المشار إليه فوق، «إيخمان في القدس»، وقد حفّزه جزئياً على الأقل ما أشارت إليه من دور للمجالس اليهودية في تسهيل عمل النازيين في إبادة اليهود، يشير إلى الصفة النسقية التي تنزع سردياتُ المظلومية إلى إضفائها على وقائع الظلم الفعلية. بدا لمن هاجموا آرندت أيضاً أن العنوان الفرعي لكتابها، «تقرير عن ابتذال الشر»، بمثابة إنكار لعمق الشر النازي، ونفي لصفته الراديكالية (رداً على ذلك، وتأسيساً على اكتشافها الثوري أن الشر ليس صنيع أشرار بالضرورة، وأن التقاء تنظيم تراتبي بيروقراطي وسلطة مطاعة وتكنولوجيا متطورة، وشروط ملائمة كالحرب، يمكن أن يكون كافياً حتى يُرتَكَب شر خارق كالهولكوست، رأت آرندت أن الخير وحده ما يمكن أن يكون جذرياً، أن الشر لا يكون جذرياً قط، لكنه يمكن أن يكون متطرفاً).

 

وما يفرق بين المظلومية والظلم الفعلي هو هذا الطابع النسقي، وما يقتضيه من عنصر خيالي، من الصنف الذي أشار إليه زغمونت باومان في Modernity and the Holocaust، حين تحدث عن المظلومية الوراثية. العنصر الخيالي، المستقلّ عن تجارب ظلم حية، هو ما يجعل المظلومية وراثية، تستحضرها أجيال لم تعشها، وتعمل على تأبيدها، وترتاح حين توجد أفعال مهددة لها. وهو (العنصر الخيالي) قبل ذلك ما يجعل تجارب الإذلال والتمييز مظلومية جمعية حين لا تكون كذلك، أو حتى حين تكون جزئية. اكتشاف قنبلة زرعها فلسطينيون طفح كيلهم هو، يقول باومان، خبرٌ سارٌ للمظلوميين اليهود الذي لم يعش أحد منهم الهولوكست، وتكفّلت وراثة المظلومية بأن يعيشوه بَعدياً (وأن يصير بمفعولٍ راجعٍ ذاكرةً لليهود جميعاً). ويغذي العنصر المُتخيَّلُ في بنية المظلومية تمركز المظلوميات حول هويات جمعية (دين، عرق، طائفة…)، يجري بمفعول راجع أيضاً النظر إليها كجماعات وراثية ثابتة واضحة الحدود.

 

وقد يمكن فهم سلوك «الدولة الباطنة» في «سورية الأسد» على ضوء مفهوم المظلومية الوراثية. فالكلام على سلفيين وإمارات سلفية منذ بداية الثورة (قالت ذلك بثينة شعبان يوم 25 آذار 2011)، ثم الإفراج عن معتقلين سلفيين وسلفيين جهاديين تحديداً بعد ثلاثة أشهر من بداية الثورة، هو بمثابة توفير بيئة عامة مواتية لتنشيط المظلومية الطائفية، واستنفار الجمهور العلوي العام حول النظام.

 

في كل حال يُعوَّل على المظلوميات في إنتاج الجماعات، أو رصِّ أجسادها وتعزيز تمايزها عن بعضها. فما يثيره خطاب المظلومية من غضب وشعور بالكرامة يبدو حائزاً على طاقة استنفار جمعي عالية، تُعبّئ كثيرين ممن لم يطلهم ظلم مباشر ضد الظالمين المفترضين، فتجعل الظلم خبرة متخيلة لهم أيضاً، وتحوله إلى مظلومية جمعية. وبفعل تمركز المظلوميات حول الجماعات، فإن الاعتراض على المظلومية لا ينفتح على المساواة، خلافاً للاعتراض على الظلم، أي التمييز.

 

وما يمكن بناؤه نظرياً على هذه المناقشة هو أن الهويات وليدة المظلوميات وليس العكس. أعني بالهوية احتداد الوعي بالنفس والانشغال الزائد بتعريفها وتمييزها ووحدتها. فالهوية قلما تبرز كشاغل فكري وسياسي في غير الصورة التوكيدية الملتهبة التي تتولد عن التمييز، والمظلومية المبنية عليه. النظرية المضمرة في مفهوم الهوية ذاته هي أننا نتعرض للتمييز لأننا مختلفون، إثنياً أو دينياً أو مذهبياً أو جنسياً أو عرقياً… لكن يمكن أن نتساءل بقدر أكبر من الوجاهة عمّا إذا لم يكن تمايزنا العرقي والإثني والديني وغيره نتاج التمييز في المعاملة بيننا، نتاج «الظلم». وأن ترّقي الظلم إلى مظلومية، وما سبق ذكره من دور الخيالي فيها، هو آلية أساسية لإنتاج الهويات دون تمايزات سابقة، أو تحوّل تمايزات سابقة إلى انفصالات.

 

هذ الفرضية التي اعتقد أن تاريخ الإسلام يصادق عليها بقدر كبير، تستمد شرعيتها من ملاحظة أوضاع معاصرة تفيد بأننا نكون أوسع اختلاطاً وأقل تمايزاً وأدنى انشغالاً بتوكيد اختلافنا في أوضاع أقل تمييزاً، وأنه في شروط التمييز الأقل يكون الواحد منا مركب الهوية ويشكل مجتمعاً متنوعاً هو ذاته. يتعارض هذا التصور مع النظريات الهوياتية للتاريخ، القومية والدينية والعرقية…، لكنه يفيد في شيء آخر بالغ الأهمية في تصوري: توفير جسر نظري بين سياسات الطبقة وسياسات الهوية. فإذا كان محرك سياسات الهوية هو التمييز، وبخاصة صورته الأعنف التي هي الإذلال، فإن الأولوية السياسية هي لمقاومة التمييز والإذلال، ولعل الأولوية النظرية هي لمزيد من النظر في قضايا التمييز والمظلومية والهوية.

 

***

 

ومثلما حاولتُ أن أُظهِرَ في مقالة الظالمون العادلون، تحول سردية المظلومية بين المظلوميين وبين التفكير في ما قد يتسببون به هم أو منسوبون إليهم من ظلم. فهي بمثابة شرنقة ينحبسون داخلها، كل ما هو خارج الشرنقة ظالم وشرير، وكل ما يقومون به عادل. سؤال المظلومية: أين كنتم حين كنا…؟ يصدر عن مقاومة للاستماع إلى صوت الغير، أو مقاومة لمعنى ما يقال، بل إنكار أن يكون له معنى. «رب مستمع، والقلب في صمم»، يقول أحمد شوقي. هذا الصمم الاختياري هو الأساس في ما نعاينه من استحالة النقاش في بيئاتنا السورية اليوم بالتوازي مع انتشار أفعال القتل والعدوان، وما واكبها من عنف رمزي. استحالة بكل معنى الكلمة، مرتبطة بتندّب النفوس وتصلّبها، بالتقوقع والتعصب.

 

قد لا يتولد التعصب عن المظلوميات حصراً، لكن المظلومية مولدةٌ أيضاً للتعصب الذي يمكن تعريفه بأنه وحدانية النفس (يكون المرء وحيداً داخل نفسه، لا شركاء له فيها)، ووحدانية الجماعة التي تطرد التعدد من داخلها، ولا تريد الخروج من ذاتها، ولا تطيق خروج الأفراد منها وعليها. تنجرح الهوية الملتهبة بشدة إن حصل ذلك، كأن قطعة من جسدها انتُزِعَت.

 

في بعض المحكيّات السورية نصف شخصاً بأنه «شقفة واحدة» إن كان لا يمكن المزاح معه ولا يتقبل التهكم (وما يقتضيه التهكم من القدرة على اتخاذ مسافة من النفس)، أو إن كان بليداً في شؤون الحب (وما يقتضيه الحب بطبيعة الحال من خروج من النفس وملاقاة آخر).

 

الشخص الذي هو «شقفة واحدة» أو «مْسكّر» (مغلق) لا يستطيع أخذ مسافة من نفسه،والخروج منها لملاقاة غيره. ومن المحتمل لشخص آل إلى أن يتسكر أو يصير «شقفة واحدة»أن يركن إلى «برنامج» خارجي، يُسلِّمه زمام نفسه وتفريغ داخله المتضيق من التعدد، المقترن بالحيرة والتردد. البرنامج، أو ما قد يناسب تسميته الضمير الخارجي، يمكن أن يكون شخصاً أو شريعة أو كنيسة أو حزباً…، نمنحه في أنفسنا موقع الهادي المعصوم. بيئات المظلومية تنزع عبر الضمير الخارجي إلى التوحد حول زعيم أو قائد كبير، وينزع الطامحون إلى القيادة، بالمقابل، إلى تغذية المظلوميات كخطة للتعبئة وتحشيد جماعة أوسع حولهم. هذا يؤسس لعلاقات طاعة مشخصة أو انضباط مجرد، يمكن أن تخدم في عمليات إبادة كتلك التي كان إيخمان ضالعاً فيها.

 

ولعله ما كان لألمانيا ذاتها أن تقع تحت سطوة هتلر والنازية لولا أن الألمان المعتدّين بأنفسهم طوروا سردية مظلومية بعد الحرب العالمية الأولى التي هُزموا فيها، وفُرض عليهم في معاهدة فرساي دفع تعويضات مذلة، وجُرّدوا من مستعمراتهم، وجرى الحدّ من تسلّح ألمانيا، وخفضُ عدد جيشها وحجم أسطولها، ومنعها من بناء سلاح طيران. هتلر الذي سيلغي الاتفاقية عام 1935، استخدم إملاءاتها المهينة بكفاءة في دعايته قبل الصعود إلى السلطة عام 1933. هذه النقطة، المظلومية الألمانية، تغيب من كتاب باومان، الحداثة والهولوكوست، العظيم الأهمية من كل وجه آخر.

 

النفس المصمتة سجن من حيث أن النفس هنا لا تستطيع الحركة، الخروج من ذاتها والعودة إليها، ومن حيث امتناع تقمص نفوس أخرى والتعاطف معها، ومن عدم تشكل الضمير أو اختناقه. للنفس المصمتة داخلٌ ضيقٌ أو معدوم، ولا تتوفر فيها مساحة للغير، للضيوف. وفي سجن النفس المصمتة لا يدور حوار، يقتضي بدوره أن تكون النفس مسرحاً تلعب فيه نفوسنا، تتشاور وتتصارع. يبدو الداعشي النمطي مثلاً مصمت النفس من الداخل، لا تتمايز في نفسه منظماتٌ كالعقل والضمير. ومعلومٌ أن كثيرين من قادة داعش تعرضوا لإذلال تعذيبي، وغير قليل منهم، من القادمين من بلدان عربية وأوروبية، لديهم تجارب إذلال اجتماعي، لها فعلها في طرد التعدد من داخلهم، فصاروا أدوات قتل معادية للمجتمع وشديدة التصلّب والتعصب. الداعشي كائن معادٍ للمجتمع من حيث أنه ليس مجتمعاً هو ذاته. الواحد منّا يكون مجتمعاً، واجتماعياً بالتالي، لأنه ينطوي هو ذاته على تعدد بفعل انخراطه الاجتماعي وتفاعلاته الاجتماعية. التمييز والإيذاء هو بمثابة طرد من المجتمع، يدفع إلى طرد المجتمع من النفس، أي إلى ضعف الاجتماعية في داخل الإنسان، وربما يرده إلى «شقفة واحدة»، واحدٌ جامدٌ لا يتكون من أمثاله مجتمعٌ مهما كان العدد كبيراً. أو يتكون مجتمعٌ مصمتٌ فحسب، يراقب فيه الجميعُالجميع، مجتمعُ تجسسٍ شامل.

 

والقصد أن العداء للمجتمع ليس مسألة تكوين شخصي، بل هو نفسه منتج اجتماعي، يظهر على نطاق واسع في أوضاع التمييز والإذلال المعمم، مما هو واسمٌ لعالمنا «الشرق الأوسطي». الإنتاج الاجتماعي للمعادين للمجتمع يبدو في صعود عالمياً، باقتران مع أزمة الديموقراطية والمساواة في العالم.

 

***

 

يتوافق نظام النفس المصمتة مع صراع كلِّ كُلّ واحد منا، وكلنا معاً، ضد كل واحد منهم وكلهم، ويُلغي الصراع داخل النفس ومع النفس. وداخل المجموعة طبعاً، حيث ينبغي أن تكون لنا كلنا النفس نفسها. والواقع أن نظرية «صراع الحضارات» وأشباهها مبنية على تصورات اختزالية كهذه، حيث يكون كل واحد منا عينة مثالية على حضارتنا، وهي بدورها مكونة من عينات متماثلة هي كل واحد منا وقد خلونا من كل شائبة غريبة، وننخرط كلنا في صراع «حضاري» ضد كلهم. كانت مُخيلة هتلر مسكونة بصفاء عرقي من هذا الصنف، ونعرف من تاريخ النازية أن هذا الصفاء ديناميكية تصفية لا تنتهي، وما كان لها، لو لم تُحطّم من الخارج، أن تتوقف عند قتل اليهود والغجر والمثليين والمرضى العقليين.

 

إلغاء الصراع الداخلي يحول دون التغير الفردي والجمعي، والثقافي الاجتماعي، عبر إحلال الحرب ضدهم محل الصراع ضدنا، نحن كنفوس فردية، ونحن كمجتمع وثقافة، ونحن كعالم. وفي صراع غير مضمون ضد الغير، والصراع ضد الغير هو ما تنفتح عليه دون غيره عقائد المظلومية، يتعذر خوض صراع ناجح ضد الذات، وتغيير الذات، أي يتعذر خوض حرب هي الأجدر بأن تُخاض: الحرب الأهلية، الحرب ضد النفس. أو الثورة. هذه وحدها منتجة للثقافة والتغير الثقافي والاجتماعي، خلافاً للحرب ضد الغير التي تتوافق، بالأحرى، مع الجمود الثقافي الاجتماعي.

 

وخطورة المظلومية، والهويات الجمعية التي تُبنى حولها، هي أنها تسهّل انزلاق الثورة والحرب الأهلية إلى حرب ضد«ـهم»، أولئك الغرباء الظالمون المنحطون، فتؤول إلى تجميدنا ثقافياً بدل تحررنا.

 

تعذّرُ تغير النفوس والصراع في النفوس يجري تثبيته عبر العلاقة مع عالم النصوص: تتوافق المظلوميات مع تضيق النصوص ذاتها وتفريغها من تعدد الدلالات والمعاني المحتمل، وضمور البعد التأويلي في الثقافة الذي يعيد استثمار نصوص الموروث. تغلب، بالمقابل، القراءات الحرفية التي تجعل من النصوص كاتالوغاً لاستعمال المقدس، على نحو نجد أكثر أشكال تجسده تصلباً في السلفية الجهادية الإسلامية المعاصرة. هنا يكون النص/ النصوص الدينية أسلحة في الحرب، خالية من التباين والاختلاف والتناقض والاضطراب و«حمل الأوجه». ويبدو أن علاقة اليهود بالتوراة، وكانوا مهمشين طوال قرون، كانت من صنف مقارب، وهي لم تبدأ بالتغير إلا مع سبينوزا في القرن السابع عشر. ومعلوم أن الرجل اضطُهِدَ من الملأ اليهودي المعاصر له في أمستردام.

 

يتحول النص إلى درعٍ قاسٍ يحمي الجماعة المهددة من خارجٍ خطر. التعدد داخل النص يغدو مصدر هشاشة، والانطلاق منه (التعدد) يمسّ بفاعلية النص التعبوية، فيُرفَض. وفي بيئة من المخاطر والتهديدات والدروع، يمكن أن نفكر في تصمّت النفس كمقاومة للهشاشة، وفي النفس المصمتة كسلاح. الانتحاري يستخدم جسده سلاحاً بقدر ما هو خلا من التعدد الداخلي، بقدر ما توحد مع قضيته وصار «شقفة واحدة».

 

وما يعرضه الداعشي النمطي من كونه «شقفة واحدة»، مبرمجة على «الشريعة»، مرتبط بمظلومية شديدة، يمتزج الحقيقي فيها (حرمان سياسي، تمييز اجتماعي، تجارب تعذيب…) بالخيالي (المؤامرة اليهودية الصليبية على الإسلام)، لكن يجري تثبيته عبر نصٍ أُخلي هو ذاته من التعدد، وتحجّرَ، فصار سلاحاً. هناك نفس واحدة للدواعش هي نصوص «الشريعة»، أو «الإسلام»، نفس خارجية، بديلة عن نفس داخلية غائبة، وعن مجتمع ممتنع. للداعشي الذي انغلقَ داخلُه ضميرٌ خارجيٌ يضبطه، المفتي أو الشرعي.

 

وتعرض الإسلامية المعاصرة في عمومها، وبخاصة السلفية الجهادية، وثوقاً بالضمير الخارجي أقوى من ضمير شخصي لا يتكون دون خروج نحو الغير وتَمثُّل الغير، وهذا بالتناسب مع ركونها إلى المظلومية. نجد مثالاً صافياً للضمير الخارجي في واقعة وردت على لسان عبد المحسن بدرالدين، أحد أعضاء فريق الاغتيالات التابع لـ«جيش الإسلام»، التشكيل العسكري السلفي النافذ في الغوطة الشرقية. الرجل اعترف إثر القبض عليه بعد محاولة اغتيال فاشلة للشيخ خالد طفور بأنه حين كان يسألُ أحدٌ من الفريق عن تبرير اغتيال فلان أو فلان، كانت الإجابة: فيه فتوى! أي أن «شرعي» الجماعة أو هيئتها الشرعية قد أصدرت فتوى تبيح قتله أو توجبه. الفتوى هنا هي آلية لإعطاء شرعية دينية لأفعال إجرامية بما يُسكِتُ أي صوت داخلي محتمل. ويبدو أن هذه الآلية تقترنُ أيضاً بنظام طاعة لسلطة معلومة مثل تلك السلطة التي أطاعها إيخمان، وإن تكن سلطة عسكرية دينية في هذه الحالة. بالمناسبة، الشرعي الأول لجيش الإسلام الذي أفتى لبدر الدين باغتيال الشيخ طفور، سمير الكعكة، هو نفسه من كان وجه حسين الشاذلي، «ضابط أمن الغوطة الشرقية»، إلى تهديد رزان زيتونة بالموت في أيلول 2013، والأرجح أنه «الضمير» الذي أوعز بخطفها مع سميرة الخليل ووائل حمادة ونظام حمادي في كانون الأول 2013.

 

ويُظهِرُ المجتمع اليهودي الإسرائيلي في عمومه مقاومة قوية للإقرار بارتكاب الجيش الإسرائيلي جرائم حرب على ما ورد في كتاب باروخ كمرلنغ Politicide (الإبادة السياسية)، وعلى نحو يحيل إلى مفعول المظلومية. من جهة يرى كثيرٌ من اليهود أن «الجيش اليهودي لا يمكن أن يرتكب هذه الجرائم»، بل إن «جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ترتكب دوماً بحق اليهود». أما إذا قام الجيش الإسرائيلي بعملٍ ما لا يحترم القوانين، فهو دوماً من باب «الدفاع عن النفس، وخدمة لقضية عادلة». ويرى آخرون، وإن لم يقولوا ذلك علانية وبوعي حسب كمرلنغ، أنه «بعد كل ما نال اليهود من أذى على يد الأغيار، من حق اليهود أن يكونوا قساة وعدوانيين». هذا المزيج من إنكار جرائمنا (لم نفعل)، ومن اتهام الغير (هم من يفعلون)، ومن تبرير الجرائم (يحق لنا أن نفعل) مشتركٌ بين المظلوميين كلهم. الأسديون والقوميون الكرد والإسلاميون شركاء في هذا المركّب كذلك.

 

في البيئات العلوية الأشد تماهياً بالنظام تشيع سردية تتذكر أوضاعاً تمييزية، وتخشى تكررها: إذا حكموا (هم السنة)، سوف يستعبدوننا، يقتلوننا، يغتصبون نساءنا، يقصفوننا بالطائرات! تبدو هذه المخاوف إسقاطات من واقع اليوم، لكنها تستنفر ذكريات من الماضي وتصنع منها «مظلومية وراثية» بتعبير باومان. والتأثير مماثلٌ لما هو الحال بخصوص الدواعش: قمع مراجعة النفس بمنع الخروج من النفس. لكن هنا ليس ثمة نص، أو هو لا يلعب دوراً يقارب النص الإسلامي السني. العلاقة المتصلبة في البيئة العلوية تنعقد أكثر على شخص، على قائد، مثل حافظ الأسد، ثم سلالته. إلا أن النجاح في تجنب الصراع ضد النفس أو «الحرب الأهلية» محققٌ هنا أيضاً. والتحجر على النفس بديلٌ عن التغير هنا أيضاً.

 

والآلية نفسها في تصوري بخصوص القومي الكردي في سورية. فإذا رسا تأويل المظلومية الكردية على تنظيم منحدر من البي كي كي، فلأنه تميز على الدوام بنظامه الواحدي المركزي العسكري، واختلاطه الأدنى من غيره بمجموعات اجتماعية وسياسية عربية، بل وحتى بالمجتمع الكردي السوري الواسع. ولا ريب أن الاعتقال المديد لعبدالله أوجلان، منذ نحو عشرين عاماً في تركيا، يوفر سنداً بطولياً للتماهي، ويرفع من تقدير الذات، لكنه يحول بالقدر نفسه دون تقمص الغير، القريب.

 

ومن المحتمل أن الصفة الأصولية النصية للسلفيين والإسلاميين متولدة عن الحاجة إلى درع دفاعي، لكنها في الوقت نفسه تحول دون ظهور قيادات سياسية تاريخية يمكن التماهي بها. النص المصمت، الدرع، «يقود» الجماعة بعيداً عن التاريخ وعن العالم لا نحوهما. ليس هناك حتى ما يعادل حافظ الأسد في البيئة العلوية السورية أو عبدالله أوجلان في البيئة الكردية التركية (والسورية بعد 2013) في الإسلامية السياسية المعاصرة ولا في الإسلامية الجهادية، وما ظهر من قادة في البيئات الإسلامية قادوا «أمتـ»هم المفترضة إلى عزلة عن العالم وإلى تأليب العالم عليها، أي إلى عكس ما ينتظر من دور للقيادة. بالعكس، حيث ظهرت قيادات نالت شرعية شعبية في بعض مجتمعاتنا المعاصرة، مثل جمال عبد الناصر وياسر عرفات، ظهرت خارج النص. ومن غير المتصور في تقديري أن تظهر قيادات إسلامية وازنة على أرضيه النص-الدرع، والمثابرة على المظلومية الانعزالية.

 

وأكثر ما يعكس أزمة القيادة عند الإسلاميين هو الشعار البائس: قائدنا إلى الأبد/ سيدنا محمد! ففوق ما يميز هذا الشعار من فقرٍ محزنٍ في المخيلة، دَفَع إلى السطو على مستودع خردة الشعارات الأسدية (قائدنا إلى الأبد/ الأمين حافظ الأسد!)، فإن المشكلة التي يحتاج حلها إلى قيادة جسورة في البيئة الإسلامية السنية هي بالضبط مشكلة الأبد النصي، وكيفية الخروج من أبدٍ لا تاريخي والتحرك السديد في التاريخ المتغير. يضلل الإسلاميون أنفسهم بالقول إن نصهم صالح لكل زمان ومكان، ويحتاجون إلى من يخرجهم إلى الزمان والمكان المتغيرين، قيادات تدرك أن التغير هو وحده ما يصلح لكل زمان ومكان.

 

وعموماً، يبدو أن المنظمات الأكثر صرامة تنظيمياً وإيديولوجياً، وأقل تعدداً داخلياً بالتالي، تستقطب أفراداً أكثر تصمتاً وأحوج إلى ضمير أو برنامج خارجي، وأقل تردداً ووساوس، وأمْيَلَ بالتالي إلى النموذج «الشمولي» في التنظيم والحكم. كان الشيوعي اللينيني الجيد هو شيوعي «ينكر ذاته»، ويطرد كل تعدد من داخله، فلا «يتذبذب»، ولا يتردد أو تنتابه الوساوس، حزبيته وعقيدته العلمية وإنسانيته شيء واحد. وهو لا يتعاطف مع العدو الطبقي، ويتكرس كلياً للحزب، ويبقى ثابتاً على المبدأ حتى الموت. نفسه هي قضيته، وهي نفسٌ خارجيةٌ أيضاً.

 

وعلى مستوى فردي، كان بشار الأسد، مثلاً، موضع سخرية في طفولته ضمن أسرته، ومن أخته بخاصة، وكان أخوه باسل هو المفضّل عند أبيهما. وحتى بعد مقتل أخيه ووراثته لأبيه في الحكم كان يُنظر إليه في أوساط دولة سلالته بعيون متشككة في أهليته، بل حتى بعد الثورة أمكن لصحفي موال للدولة الباطنة (ومعارض بقوة للدولة الظاهرة)، أن يعلن أن حافظ الأسد هو رئيسه، متحدياً أياً كان أن يفهم من ذلك ما يشاء! وهو ما كان يضمر نظرة استخفاف إلى بشار، يبدو أنها ما زالت حية بين مساندي النظام الطائفيين حتى اليوم. ويُحتمَل لمن يُستخَفُّ به ويكون موضع سخرية أن يطور منزعاً دفاعياً، فيبني سور حماية حول نفسه، يحول بينها وبين الحركة المرنة الحرة. في مقابلاته، لا يتلكأ بشار الأسد في الرد على ما يطرح عليه من أسئلة، على نحوٍ يُحتمَلُ أن يكون نشأ عن تصمّت نفسه فلا يجول فكره في ما يُسأل عنه، فيأخذ وقتاً قبل أن يجيب. لا فكر لديه، ولا حوار له مع نفسه. الإجرام واسع النطاق الذي أظهره بشار متصل في تصوري بتضيق مساحته الداخلية وتصمّت نفسه، وتالياً زوال مبدأ الغيرية منها. ولعل فيه أيضاً نزعة انتقام تولدت عما ناله من استخفاف.

 

ومنذ أن تتصمّت النفس تكفُّ الانتقادات الخارجية عن التأثير عليها مهما بلغت من الوجاهة، ما يجعل التغير أشد استعصاءً بعدُ. لا يتأثر الداعشي المحاصَر بنفسه والمحاصِر لنفسه بأي تحفظات أو لوم يأتيه من الخارج. لقد صفح نفسه بالنص المقدس، المتكلس كدرع، وصار كل اعتراض هو عداء للإسلام أو وسوسة من عمل الشيطان. وكان المناضل الماركسي اللينيني قليل التأثر بدوره بانتقادات خارجية، ولديه عليها ردود جاهزة تحيل إلى كائنات شريرة مثل البرجوازية والبرجوازية الصغيرة ومؤامرات القوى الإمبريالية وما إليها. يطور الضمير الخارجي في الحالتين وأشباههما آليات إبطال مناعية، تُعزز تصفيح النفوس المصمتة، وتمنع تسلل جدل العالم الخارجي وفوضاه إلى الداخل. وما كان يقال في عام الثورة السورية الأول عن أن بشار الأسد منفصل عن الواقع، قد يكون أنسب التعبير عنه بأن الرجل يعيش في عالمه الخاص، في نفسه المصمتة، لا ينفذ إليه شيء من عالم الآخرين وأصواتهم.

 

النقد الذاتي ممتنع أكثر لأنه يقتضي خروجاً من النفس ممتنعاً عند المظلوميين. النقد الذاتي الذي كان من الطقوس المراعاة في التنظيم اللينيني يهدف إلى إغلاق ما يحتمل وجوده من مساحات حرة داخل النفس، وإلى التطور إلى «شقفة واحدة» من الفولاذ.

 

وما يجمع المظلوميين من عدم الخجل أو غياب الشعور بالعار وثيق الصلة بانعدام الداخل وطرد الغير من النفس. يقتضي العار ضميراً داخلياً وشركاء خارجيين، وتالياً مسؤولية حيال الغير وصراعاً داخلياً قد تتعذر تسويته وتهدئته، ويؤدي إلى الانتحار. المظلوميون لا ينتحرون (لكنهم يمكن أن يكونوا محاربين شجعاناً، و«انتحاريين»).

 

وعموماً يبدو أن المظلوميين، الذي يعرّفون أنفسهم بمظلومياتهم، معادون للمجتمع: خالون من التعدد الداخلي، ومحتاجون إلى ضمير خارجي مُطاع، إن في صورة كلام إلهي أو نظرية علمية أو قائد عظيم، ومعادون للحياة الاجتماعية العادية. طاعة سلطة خارجية تحل هنا محل التفكير وصوت الضمير.

 

وينبغي أن يكون واضحاً هنا أن الشخص الخالي من التعدد، المطيع لآمر خارجي، ليس الطائفي السني أو العلوي، أو القومي الكردي؛ إنه أي واحدٍ منا. كل واحد منا هو ذلك المظلوم الناقم الذي قد يرقد على مظلوميته ويرعاها، ويتحيّن فرص الانتقام. وكل واحد منا يمكن أن يكون إسلامياً متطرفاً أو قومياً متعصباً أو طائفياً متشدداً أوعضواً في حزب فاشي، أو شخصاً ناقماً متندّبَ النفس عديم الحسّ بغيره مثل بشار الأسد. وكل واحد منا هو يحمل ندوبه النفسية الخاصة، وخروجه من نفسه مقيدٌ قليلاً أو كثيراً، ويحتاج أحياناً على الأقل إلى مرشد أو ضمير خارجي كي يتوجه في العالم. الشر لا ينبع من أعماق النفس أو من خبايا مظلمة فيها، وليس التوحش فعل متوحشين حتى نكون مبرئين من توحش محتمل لأننا لسنا (لا نرى أنفسنا) وحوشاً. بُنى النفس ذاتها متشكلة اجتماعياً عبر التمييز والإذلال، والمظلوميات التي تحجب حسّنا بما نوقعه من ظلم على غيرنا وبالظلم الواقع على الغير مُنتَجَةٌ اجتماعياً بدورها على ما سبق القول. تدفع تركيبات تمييزية للاجتماع والسياسة إلى تشكل النفوس في صور مصمتة، مرشحة لممارسة التمييز وإعادة إنتاجه وتعميمه، مثلما تدفع إلى تشكل هويات ملتهبة تصهر الأفراد وترصهم في جسدها. اللااجتماعي نتاجٌ اجتماعيٌ كما سبق القول، وليس كائناً غريباً، مزوداً بتكوين عدواني خاص. يلّح على هذا النقطة، بصورة مقنعة جداً، زغمونت باومان في كتابه المشار إليه فوق، واضعاً الصفة الاجتماعية لإنتاج الشر في تقابل مع تفسير الشر بتركيبة خاصة للشخصية، مثلما في كتاب الشخصية التسلطية لتيودور أدورنو وآخرين. وهو يبني على تصور حنه آرندت التي تنفي أن الهولوكوست وقع على يد أشخاص أشرار، منحرفيين أو ساديين، أو كارهين على نحو خاص لليهود.

 

وما يمكن أن نستخلصه مما تقدم هو بناء تصور للعدالة لا يردها إلى تصور ساكن عن انعدام الظلم أو غياب التظالم بين الناس، بل إلى مقاومة الظلم، وبخاصة التمييز والعنف التمييزي الإذلالي، مما سيجري الكلام عليه أدناه.

 

 

نظام النفس العديدة

 

مقابل النفس المصمتة الوحدانية، يمكن أن نتكلم على نفس منفسحة، متعددة واجتماعية. النفس التي طورت ضميراً داخلياً، وتشكلت حول أفعال الخروج منها والعودة إليها. فرصنا أكبر في أن تكون نفوسنا فسيحة بقدر ما يُتاح لنا أن نقاوم أسر أنفسنا في سرديات مظلومية، أو بخاصة بقدر ما ندرج مقاومة المظلوميات في مقاومة نشطة للظلم والتمييز. «الظلم يعمي القلب»، ومقاومة الظلم وحدها هي ما تفتح القلوب وتوسع عوالمنا الداخلية. السكوت على الظلم خطير، كلما طال خصوصاً، لأنه يفتح أبواباً قد لا تغلق للمظلوميات وعسكرة الهويات، وربما للمجازر والإبادات.

 

وليست النفس الفسيحة هي النفس «السوية» أو «الطبيعية». النفس الفسيحة تشكّلٌ ممكنٌ للإنسان، مثلما هي النفس المصمتة، وإن تكن أعدل وأكرم، وأمنع على الشر. التعدد الداخلي صورة تاريخية محققة ومحتملة في آن للإنسان، ليست تشكله التاريخ السوي، ولا هي فطرته التي لا تتبدل، ولا تكفل تحققها أي حتمية. هذه النفس الفسيحة نتاج اجتماعي بدورها مثلما هي النفس المصمتة، وإن كانت أوثقَ ارتباطاً بمقاومة التمييز مما هو ممارس في كل المجتمعات البشرية اليوم. ما قد يفرق بين أشكال الاجتماع البشري المعروفة ليس حتماً حضور التمييز من غيابه، بل إمكانية مقاومة التمييز من انعدامها، وما تتيحه مقاومة التمييز من منع تصلّب الانقسامات الاجتماعية، ومن تلاقي وتشارك أناس متنوعين من أجل أوضاع أكثر عدالة. تتيح المجتمعات الديموقراطية الحديثة، على عِلّاتها، مقاومة أشكال متنوعة من التمييز والاعتراض عليها، فيما لا تتيح ذلك، بل تقمعه بعنف، تنظيمات اجتماعية سياسية مثل «سورية الأسد» ومثل ألمانيا النازية وروسيا السوفييتية وكوريا الشمالية وغيرها. لكن مقاومة التمييز اتجهت إلى أن تقتصر، في المجتمعات الديموقراطية ذاتها، على هذه المجتمعات، ولا تكاد حتى تطال الغريب واللاجئ والمهاجر فيها. فضلاً عن أنها لا تطال الأفعال الخارجية لهذه الدول ذاتها. لا يخرج الناس في البلدان الأكثر تمتعاً بالحرية من نفوسهم إلا لينظروا إليها بعيون مواطنيهم وأشباههم، وليس بحالٍ بعيون الضحايا المحتملين لحكومات بلدانهم.

 

***

 

والسؤال العملي الذي تطرحه هذه المناقشة هو: ما العمل من أجل الحد من ظهور النفس المغلقة أو النفس السجن، وبالمقابل من أجل ظهور وانتشار النفس المنفسحة، المتعددة؟

 

قبل كل شيء الحد من التمييز في الحياة الاجتماعية، وتقييد العنف المحتمل في نطاق عقابي، منضبط ومُقعّد وغير تمييزي، والحيلولة دون ظهور العنف الإذلالي الجمعي. في المقام الثاني، يلزم إدخال الآخرين إلى نفوسنا كي يكونوا هم أيضا نفوساً لنا، وهذا يتطلب الثقة بهم. من هذا الباب فإن اختلاطاً أوسع بين الناس، واجتماعاً أكثر تنوعاً و«كوسموبوليتية»، هو إطارٌ أفضل لانفساح النفوس. كلما كان من يمكن أن نضع أنفسنا محلهم أكثر عدداً وتنوعاً، ساعدنا ذلك في أن نكون نحن أكثر تعدداً وضميرنا أكثر إحساساً بمتنوعين. لا شيء أكثر إلحاحاً في سورية، بعد التخلص من التوحش والعنف العنيف والإذلالي، من توفر فُسَحٍ أكثر لتلاقٍ وتعارفٍ أوسعَ بين منحدرين من الأوساط السورية المختلفة. يتشكل المجتمع المتضامن من الثقة بين السكان، والثقة تتكون من التعارف والتشارك، وما تولده تجارب التعارف من استضافة «غرباء»في نفوسنا، والتعرف فيهم على نحن.

 

لكن الثقة بين الجماعات لا تبنى على التعارف والتواصل وحدهما، أساسها الأمتن هو المساواة وانعدام التمييز. التمييز هو جذر مشاعر النقمة والركون إلى سرديات المظلومية وتشكل الهويات المتفاصلة. المجتمع المُعافى هو الذي يتجه نحو مساواة أكبر وتمييز أقل، بوصف ذلك الشرط الأنسب لظهور النفس المنفسحة المتعددة والمجتمع المنفسح المتعدد. الخير هو المساواة بين الناس، المساواة في الحقوق، و«العدالة الاجتماعية» بحيث تتجه فوارق الدخل والقدرة إلى التضاؤل، والمساواة السياسية، أي في صنع القوانين، والمساواة السيادية، أي في صنع السياسات. الشر في كل حال هو التمييز.

 

ومثلما أن ما يضبط السلطة في بلد هو تعدد السلطات، حسبما استقر في الفكر السياسي الحديث منذ مونتسكيو، فإن ما يمكن أن يضبط النفس هو التعدد فيها. نتعدد داخلياً بأن نخرج من أنفسنا ونعود إليها كما سبق القول، فيتمايز في أنفسنا ما يضبطها ويُقيّدها. تنمو لدينا عبر هذه الأفعال النفسُ المُحاسِبة أو اللائمة. النفس الوحدانية طاغية لأنه لا ضابط لها من نفسها. إنها نفس مطلقة.

 

ولا يتجه أي من مجتمعات الكوكب اليوم نحو مساواة أكبر وتمييز أقل. يبدو الميل العام بالأحرى نازعاً نحو تفاوتات أكبر ومساواة أقل، على المستوى المادي، وعلى المستوى السياسي، وعلى مستوى الكرامة والاعتبار. فرص ظهور اللااجتماعيين، ضامري الضمير أو ذوي الضمير الخارجي، تتجه إلى الزيادة فقط. داعش التي ولدت من حاضر العالم مرشحة أن تكون مستقبل العالم. (أعني باللااجتماعي ليس المتمرد عل صورة مثلى لما يجب أن يكون السوري أو الألماني أو المسلم… بل بالعكس، من يعمل على فرض صورة مثلى، ويثير سخطه الاختلاط والتمازج والكثرة في اجتماع الناس).

 

فإذا كان الضمير عين الصديق في داخلنا، العين اللائمة لكن المُحبّة، عين الأبوين، عين الحبيبة أو الحبيب، عين الصديقة والصديق، فالمسألة هي كيفية بناء مجتمع الصداقة والرفقة، مجتمع الأنداد الذي يقاوم أعضاؤه التمييز. وظاهرٌ أن هذا ليس هو المجتمع الذي يرتاح إليه مظلوميون يُفضِّلون مجتمع شركاء العقيدة والضمير الخارجي الواحد، ولا يثقون بالضمائر الفردية الكثيرة، ولا يُعوِّلون على أخلاقية مقاومة التمييز. الاستثمار هنا ليس في كل فرد، بل في شيء جمعي، يجب أن تقوم عليه هيئة ما: شريعة، كنيسة، حزب، قائد رمز…

 

ومن المهم أن يتشكل التعليم في صورةٍ مشجعة للمساواة بين المختلفين، ترعى في الأطفال قدرات الخروج من النفس إلى بعضهم، وإلى المحيط الطبيعي والاجتماعي، ومقاومة التمييز. ومقاومة «المظلوميات الوراثية» أيضاً، مثل تلك التي تحرص الحكومات الإسرائيلية على تغذيتها في اليهود بغرض إبقائهم في استنفار حربي دائم. وكذلك أن تتحول التربية عن التربية على الهوية، هوية الفرد المماثل لنفسه وهوية الأمة القائمة على المبدأ نفسه، وهوية المجموعة، نحو توسيع النفوس واستضافة الغير في داخلنا، واستعدادنا للتغير بفعل هذه التجربة. الكريم يتغير، مضياف، يرحب بالغير في نفسه ويتغير بفعل ضيافته. مقاومة التغير هي بخلٌ وشحٌّ في النفس بالمقابل. المحافظون شحيحو نفوس، مقيمون على ما يعرفون وما ألفوا، معادون للغريب والمختلف والوافد. بوصفهم محافظين لا يتغيرون، الإسلاميون بخلاء، نفوسهم ضيقة أو مغلقة، وشحيحة، لا تتسع لقادم جديد ولا تستضيف غريباً. وقد يكون أبرز مأخذ على سياسات الاندماج الأوروبية أن أقصى ما تتيحه للمتميزين من اللاجئين والمهاجرين هو أن ينالوا حقوقاً مثل غيرهم، لكن ليس بحال استعداداً للتغير المشترك (وهو ما يقتضي تغير الوافدين أيضاً بطبيعة الحال). مفهوم الاندماج غير ودود وغير كريم. الاندماج سياسة محافظة من حيث أن المضيف ليس مستعداً لأن يتعلم شيئاً من ضيفه/ ضيوفه، فيتغير بأثر الضيافة. هذه ليست ضيافة كريمة.

 

وفي أغلب الحالات يتجاوز الأمر عدم الاستعداد للتغير بفعل تجارب الهجرة واللجوء إلى أشكال نشطة من التمييز ضد المهاجر واللاجئ. هذا يؤدي، على ما صار واضحاً، إلى المظلومية، إلى الأشكال المريضة والملتهبة من الهوية، وإلى جنون السجن المؤبد في النفس.

 

ثم إن الحاجة تزداد إلحاحاً إلى تصور مركب للضمير، يتجاوز كثيراً ما يبنى فقط على محبة الجار وتقمص الآخر الذي أراه. ففي زمننا تولدت الحاجة إلى ضمير بيئي مثلاً، نعلم أنه لا يكفي لتطويره أن نخرج من أنفسنا، وننظر إلى أنفسنا بنظرة إنسان آخر. يلزم أن ننظر إلى أنفسنا بعيني السمكة والطير الموشك على الانقراض والنبتة التي تُباد بوصفها ضارة، والموارد التي تُستنزَف. هذا لأنه في زمننا الحديث فقط، القرن العشرين والحادي العشرين، تنقرض الكائنات الحية بتسارع وتنضب الموارد لأسباب إنسانية. التمركز حول الإنسان لم يعد فعلاً أخلاقياً مُحرِّراً، مثلما وقت كان في تقابل حصري مع التمركز حول الله، بل هو يتجه لأن يكون فعلاً تدميرياً ولا أخلاقياً جذرياً.

 

هذا يقتضي الخروجَ من فهم الخروجَ من النفس كفعلٍ بسيطٍ مماثل لذاته دوماً، ننظر وفقاً له إلى أنفسنا من المسافة نفسها ومن خارج متماثل. فمن شأن ذلك أن يكون انحباساً في محيط ثابت، كأنه سجن، وإن لم يكن الإكراه على البقاء فيها خارجياً. لا يكون الخروج من النفس فعلاً مُحرِّراً ومُحيياً للضمير إن لم يكون خروجاً ديناميكياً، بحيث نخرج على خروجنا المألوف ولا ننحبس في النسق نفسه للخروج من النفس (مقالتي: الحرية: البيت، السجن، المنفى… العالم). الضمير يكون حياً أكثر كلما تنوعت العيون الصديقة التي ننظر منها إلى أنفسنا، لتكون منها عين النملة وعين السمكة وبيئة النبتة التي نواجهها بالإبادة. هذا يقتضي أن نخرج من أنفسنا على نحو يخرج على سوابق خروجنا، أو بعبارة أخرى ألا يكون خروجنا من أنفسنا هو الخروج نفسه كل مرة. هذا الخروج المغاير هو فقط ما يصنع تاريخاً.

 

وبالارتباط مع ذلك لم يعد يكفي أن أضع نفسي محل جار السكن أو زميل العمل، أو حتى المنحدر من طائفة أخرى أو إثنية أخرى في بلدي، بل تشتد الحاجة (وتتطور الإمكانية) لأن نضع أنفسنا محل غرباء، ونطور ضمير عالمياً، يتحمل المسؤولية عن العالم ويدافع عن مبدأ المسؤولية العالمية. وبعد حين، وبخاصة إن صحت المعلومات عن وجود كائنات حية في كواكب حول المشتري وزحل، أو أي مكان من العالم، ستنشأ الحاجة إلى النظر إلى أنفسنا بعين هذه الكائنات، وصون فرصنا المشتركة في الحياة وإعمار العالم.

 

المسألة تاريخية بقدر كبير كما هو ظاهر. هناك أفعال جديدة، ومعها تظهر الحاجة إلى أصول للأفعال الصحيحة، إلى نفوسٍ مُحاسِبة أو ضمائر. لم يعد هناك من هم أو ما هم بعيدون كفاية كي لا يكونوا جيراناً، بمن فيهم وبما فيهم كائنات محتملة في كواكب بعيدة قد تصبح قريبة بين عشية وضحاها.

 

الجزء الثاني

 

عين العدو

 

إذا كان الضمير هو عيون الأصدقاء، عيونٌ أخذنا نستَدخلُها ونحن صغار، ألا يُحتمَل أن نخطئ فنستَدخِلَ في طفولتنا أو مراهقتنا عيناً أو عيوناً عدوة؟ يبدو هذا شائعاً في العلاقات بين الأفراد، ولعله كذلك بين الجماعات و«الحضارات». ننظر إلى أنفسنا بعين غير ودودة أو معادية (ربما لأننا نظنها متفوقة)، تلوم دون أن تحب، فنطور علاقة سيئة بأنفسنا. عين العدو مثل جاسوس، مُعادٍ لمن يعيش بينهم ويُضمِر لهم الشر، بينما يظهر أنه منهم ومحب لهم. وهو في العلاقة بين الثقافات مصدرٌ لمشاعر النقص واحتقار الذات، مما لا نشكو من قلِّته في ثقافتنا، ومما هو مصدر مرضٍ وعقم في رأيي. عين العدو هي بمثابة ضمير مضاد، عميل لغير ودود، وليست مبدأ للغيرية الخَيِّرة في أنفسنا.

 

ويمكن للشقاق الذي تثيره عين العدو أن يثير في النهاية رد فعل مرير، من صنف الانكفاء وإغلاق النفس، فيكون أثره مماثلاً لأثر المظلومية. نعمل على استعادة وحدة أنفسنا بطرد كل تعدد منها.

 

والسؤال الذي تطرحه الإصابة بعين العدو هو: كيف لنا ألا نخطئ ونحن نخرج من أنفسنا وننظر إليها بعين من الخارج، فنظن عيناً معادية عيناً صديقة؟ ثم هل من سبيل لكشف عين العدو وإغلاقها بعد ما أثارته من شقاق، على نحو لا يسلمنا إلى النفس المغلقة والجماعة المغلقة والمجتمع المغلق؟

 

لا يبدو أن هناك ضمانات شافية بتجنب عين العدو إن كنا نثابر على الخروج من أنفسنا واستضافة غيرنا فيها. لكن كما الضمير وليد أفعال النفس، فإن عين التمييز، العين التي تميز الصديق من العدو، وعين الصديق من عين العدو، تنشأ من تنويع أشكال الخروج من النفس، أو من الخروج على الخروج المعتاد. إذا كنا نخرج من أنفسنا دوماً بالطريقة نفسها، ينتهي هذا الخروج المتماثل إلى ذبول الضمير، على نحو يميز الجماعات المنعزلة والأدنى اختلاطاً بغيرها، حيث تنحصر الالتزامات الأخلاقية في إطار أمثالنا، بني بلدنا أو قومنا أو عشيرتنا أو طائفتنا…، هذا بينما نبيح لأنفسنا حيال الغريب أفعالاً ننكرها حيال القريب. هذه شكوى متكررة من لاجئين سوريين في أوروبا: لا يعرضون مسؤولية حيال أهل البلد في ملاجئهم الجديدة، ويبيحون لأنفسهم مسالك مخجلة في مخادعتها واحتيالها على من آووهم، وقد يسوِّغون ذلك بمظلوميات تاريخية أو حديثة.

 

يتكون الضمير المتجدد، مثلما تقدم القول (قرب نهاية القسم الأول)، عبر الخروج من أنفسنا والخروج على الخروج، والتمرس بالنظر إلى أنفسنا بعيون صديقة مختلفة. تاريخ الضمير هو تاريخ العيون المختلفة التي ننظر منها إلى أنفسنا، وتاريخ اختلاف أشكال الخروج من النفس والعودة إليها، وتاريخ الضيوف المختلفين الذين استضفناهم في دواخلنا. قد يمكن أن نؤرخ لحياتنا الأخلاقية، أفراداً أو مجموعات، على هذا النحو.

 

يتوافق التوسع في الاشتباه بعين العدو مع إغلاق النفس والمجتمع وطرد التعدد منهما، ومع سرديات المظلومية، مما نعرفه جيداً في تاريخ بلدنا. لكن عين العدو أوثق صلة بفشل العودة إلى النفس منها بفشل الخروج منها. ننظر إلى أنفسنا كغرباء من خارج قد لا يكون معادياً، لكن لا نعتني بحياة أنفسنا وتعافيها. تخلو النفس من التعدد إن رفضنا الخروج من أنفسنا أو فشلنا فيه، أو إن خرجنا ولم نعد. مرة لأنها مغلقة ومصمتة، ومرة لأنها مفرغة.

 

وعلى سبيل المثال نميل، نحن العرب المعاصرون، إلى الخروج من أنفسنا (باتجاه الغرب غالباً، إن لم يكن حصراً)، وننظر إلى أنفسنا بعيون خارجية، فنرى أنفسنا غرباء ونطور ضربين رئيسيين من العلاقة بأنفسنا: علاقة ازدراء للنفس الفارغة تمتنع عن العودة إليها وإعمارها، فتحول دون تطورنا الفكري والأخلاقي والسياسي، أو نتجنب هذه التجربة المحبطة بأن نغلق أنفسنا ونكف عن الخروج منها والعودة إليها، فننغلق على أنفسنا ونشكو الظلم. نطور مرة علاقة سيئة بأنفسنا، ومرة علاقة سيئة بالعالم، فلا نتعافى. تعاقَبَ هذان الشكلان تاريخياً، وهما احتمالان ممكنان على مستوى الفرد أو المجموعة في أي وقت. ونفترض أن التعافي الأخلاقي يقتضي أن لا نكفّ عن الخروج، نستكشف تعدد عيون الغرب، لكن نخرج إلى غير الغرب أيضاً، ونعود إلى أنفسنا في كل وقت. تتعدد أنفسنا وتتركب عبر أفعال الخروج والعودة، وتفتقر بالخروج منها دون عودة، أو بالانحصار فيها دون خروج.

 

قد نعود ونصفق باب النفس خلفنا إثر خروج مذل: تنقلب عين التمييز إلى عين أمنية، مثل جهاز أمن يراقب أنفسنا الأخرى، وقد تصطنع اشتباهاً بأعداء متنوعين منها كي تستمر هي، فتميل إلى إلغاء التعدد منها. فإذا كانت الحرية هي الخروج على أشكال خروجنا السابقة (مع العودة دوماً بطبيعة الحال)، فإن النفس الأمنية تتولد عن مقاومة هذا الخروج المركب، أي مقاومة الحرية. إنها نتاج فشل نمو الضمير، وليست نتاج الضمير ذاته.

 

والخطر الكبير يتمثل في أن ننظر إلى الضمير ذاته، العين الصديقة، كعين عدوة، تجري محاربتها. إسلاميُ الولاء والبراء الذي قد يتعوذ بالله من مودة صديق غير مسلم، وربما يشتبه بأن ذلك وسوسةٌ من الشيطان، فيطيع ضميراً خارجياً يفتي له أن الولاء للمسلمين فقط، ويرى ضميره الداخلي عيناً عدوة، هو من هذا الصنف. الولد الذي عومل معاملة قاسية في طفولته يفقد الثقة بجميع الناس، فلا تبقى ثمة عين صديقة يمكن أن تصير ضميراً له. والمظلوميون قد يحاربون تعاطفهم مع الغير أو ما بقي في نفوسهم من مودة حيال الغير، بوصف ذلك خيانةً للقضية (مقاومة الحب أو الزواج من غير جماعة المرء مثلاً)، أو خروجاً على الجماعة، فيعتبرون بقايا الضمير (عين الصديق) في دواخلهم عملاء للعدو. وهم يقاومون بالقوة نفسها تعاطف الغير معهم لأنه يهدد بمحو الحدود بين النفس والغير، ويقوض الصفة النسقية للمظلومية. المظلومي يناسبه المتطرفون من الخصوم المفترضين، وليس مقاومي التمييز.

 

هناك خطران، بالتالي، وليس واحداً: خطر عين العدو التي قد نظنها عيناً صديقة، والخطر المعاكس المُتمثِّل في الاشتباه بأن عينَ الصديق عينٌ عدوة. التمييز يبقى مرهوناً بالحرية، بأن لا نكفّ عن الخروج من أنفسنا واللقاء بغيرنا، والتدرب على تنويع أشكال خروجنا، على نحو يحمي التعدد في داخلنا. المجتمع الأكثر تنوعاً يوفر أصدقاء أكثر، وتنوعاً في الصداقة، وتالياً ضمانات أكثر بأن نميز، فلا نترك للجاسوس أن يتوطن داخلنا وينتحل دور الضمير، بينما يعمل لمصلحة الغير حصراً، ولا نترك لضميرنا أن ينقلب إلى ما يمكن تسميته ضميراً مضاداً، جهاز مخابرات يقتل التعدد والغيرية في نفوسنا. وفُرَصُ البشرية في البقاء تتوافق مع الاختلاط الأوسع والنظر إلى أنفسنا بعيون متغيرة، ثم أيضاً النظر بعيون الكائنات الأخرى وحماية الطبيعة. تحتاج البشرية إلى أحيائية جديدة، ترى حياةً في كل ما حولنا، بما في ذلك «الجمادات».

 

*******

 

كان المجتمع السوري مثالاً لمجتمع يقوم على الخوف والغفلة، والارتياب والعجز، مجتمعاً بلا صداقة أو ثقة. يأخذ الضمير شكل الجاسوس، أو الضمير المخابرات (نشتبه بالجميع)، وهو ما أسهم في تشكل الجماعات السورية على هذه الصورة المضادة للصداقة، ولعين الصديق. المخابرات هي عين العدو الذي له أكبر الأثر في صنع هذا الوضع. وهي، في الزمن الأسدي بخاصة، لم تكن جهازاً يكشف الأعداء، بل هو جهاز ينتج العداوة ويحطم الصداقة. إنها في آن الجاسوس والضمير المضاد. الخراب السوري متولد جوهرياً عن هذا: الوظيفة الأمنية التي يفترض أن تشيع الأمن في المجتمع، هي الجاسوس الذي يتعامل مع المجتمع كمصدر للمخاطر الأمنية، أي كجواسيس.

 

المظلومية والتفوق

 

بمنعها مُساءَلَة الذات، الفردية أو الجمعية، والتركيز الحصري على ما يصيبها من ظلم، تُضمر المظلومية تقريراً لعدالة النفس: أنا مظلوم، إذن أنا عادل! هذه عدالة من نوع خاص، الفضل فيها للظالمين لا للمظلومين. ليس المظلومون عادلين لأن معايير مشتركة تُقرُّ لهم بذلك، بل لأن الظلم الواقع عليهم خصيصة جوهرية لظالمهم حصراً. عدلهم من نصاب الهوية (المتكونة هي ذاتها، والمتصلبة، بفضل المظلومية)، وليس من نصاب الفعل المقاوم للظلم، فبما أن العدو ظالم، وبما أننا نعرّفُ أنفسنا بالتقابل معه، فإننا عادلون. على هذا النحو، تحول المظلومية، وبدرجة تتناسب طرداً مع تعريف النفس (الفردية أو الجمعية) بها، دون تطوير أفكار وممارسات حول العدالة أكثر عمومية واستقلالاً عن الهويات. عدالة المظلوميين ليست مقاومة الظلم، والعادلون عند المظلوميين ليسوا مقاومي الظلم، والمجتمع العادل ليس مجتمع مقاومي الظلم المتنوعين. المظلومية تدفع بالأحرى إلى تصور المجتمع العادل بوصفه مكوناً من المظلوميين، أي مروجي سرديات المظلومية (نحن مقابل هم)، وليس من مقاومي الظلم من المظلومين وغير المظلومين.

 

ويلقى الترابط بين العدالة والهوية تعزيزاً مضافاً من الاقتران الدائم بين سرديات المظلومية وسرديات التفوق. سؤال المظلومية المانع من مساءلة الذات هو: أين كنتم حين كنا…؟ وهو سؤال بلاغي بطبيعية الحال، يؤول إلى استنتاج وحيد: لا حق لكم في لومنا! أما سؤال التفوق فيحتمل أن يكون: من هؤلاء لنهتم بشأنهم (بكرامتهم، بحقوقهم، بحياتهم…) كما نهتم بشأننا (بكرامتنا، بحقوقنا، بحياتنا…)؟ ليسوا إلا حثالات، إلا متخلفين، إلا أقلية صغيرة، إلا كفرة، إلا هراطقة ومارقين. وليس علينا، من ثم، أن نهتم كثيراً بما يقع لهم. بل لعلنا نتقرب إلى الله، أو نسهم في تقدم الحضارة، أو في الأمن والاستقرار في العالم، بالقضاء عليهم. إبادة اليهود في الهولوكوست مهّدَت لها نظريةٌ في الأعراق البشرية تضع اليهود في موقع متدن في السلم العرقي، وقتل بين ربع ونصف مليون غجري على الأرضية النظرية نفسها. ويبدو أنه يجري اليوم إخراج المهاجرين إلى أوروبا وما يجري لهم من دائرة الحكم الأخلاقي، على ما يقول زيغمونت باومن في Strangers at our Door، وهو ما يقلل الحساسية تجاه ما يصيبهم، وما يسوغ «أمننة» سياسات الهجرة والمعاملة القاسية للمهاجرين. وسردية «الحرب ضد الإرهاب» تقوم بدور مماثل في سورية اليوم، من حيث أنها تنسب لكل محاربي الإرهاب المفترضين، وأيدي أكثرهم ملطخة بالدم أكثر من الإرهابيين المُحارَبين، قيمة حقوقية وسياسية أرفع، وتبيح حياة «الحاضنة الاجتماعية» (بشار الأسد) دون عقاب.

 

ومثل المظلوم، المتفوق هو كل واحد منا وكل جماعة من جماعاتنا (باستثناء من يقاومون بالقول والفعل هذه الخطابات والممارسات المقترنة بها)، وليس قلة موهومة أو مغرورة. لسنا متفوقين على السلّم نفسه من المزايا، لكن ليس هناك مزايا ممكنة لا يتفوق أحد منا في سلّمها (الدين، الأخلاق، الوطنية، الأممية، الحداثة، العراقة…)، وليس هناك مزايا لا تعثر على أفراد أو مجموعات تعتبرها هي الأعظم والأجدر بأن تُحاز، فترفع نفسها فوق غيرها درجة أو درجات عبر تلك الحيازة (نحن أهل الدين الحق، نحن المتحررون من الدين، نحن الوطنيون، نحن الأمميون، نحن الأحدث، نحن الأقدم والأعرق…).

 

وبقدر ما تعمل سرديات المظلومية والتفوق في سياق بناء الجماعات، فإن هذه الأخيرة تتنافس عليهما معاً. في مجالنا، لا تتنافس الجماعات على من هي المتفوقة أكثر من غيرها وعلى الاعتراف الدولي (=الغربي) بتفوقها فقط، وإنما كذلك على من هي المظلومة أكثر، ومن تستطيع جعل الاعتراف بمظلوميتها عاماً، وحجب هذا الاعتراف عن غيرها.

 

وعلى سبيل المثال حظيت المظلومية الكردية في سورية باعتراف أوسع في السنوات الأخيرة، 2013 ما بعد، وسردية التفوق كذلك. وهي من جهتها حاولت شرح نفسها بلغة عامة، لغة الحقوق التي تُشرّع نفسها بالمساواة، مستفيدة في ذلك من تجربة حزب العمال الكردستاني في تركية. بالمقابل، لا تنال مظلومية الإسلاميين ولا سردية تفوقهم (ديننا هو الوحيد الصحيح) قبولاً عاماً، وهي من جهتها لا تحاول شرح نفسها بلغة عامة، وتطالب بالامتياز لا بالمساواة. مفارقة سردية المظلومية السنيّة أنها، وهي شكوى من الظلم بطبيعة الحال، لا تعترف بقواعد عامة للعدالة ورفع الظلم تحيل إلى المساواة مع الغير. نقد الإسلاموفوبيا لا يتمفصل إلا ذرائعياً مع سردية المظلومية الإسلامية، وهو ليس من إنتاج إسلاميين أصلاً، وما يبطن هذا النقد من اعتراض مساواتي على التمييز ضد المسلمين هش الأرضية عند الإسلاميين قبل غيرهم. وهذا يقودنا من جديد إلى ما سبق ذكره عن مسألة القيادة وأزمة القيادة. فبقدر ما إن وظيفة القيادة هو أن تقود في هذا العالم على نحو يقلل المخاطر ويعود بنفع عام على الجماعة، فإن الإسلاميين في حاجة إلى من يقودهم هم (والنص الذي تذرّعوا به) في عالم معقد وعر. النص لا يقود، من يقود هم أناس شجعان حكماء. وعالم المسلمين يبدو خلواً اليوم منهم تماماً. بالعكس، الإسلاميون يمثلون في عالم المسلمين ما يمكن تسميتها قيادات مضادة، تقود «الأمة» على نحو متكرر في مسالك انتحارية.

 

في كل حال، يمكن أن نتكلم على صراع المظلوميات، صراع على المظلومية وصراع بين المظلوميات المختلفة، من أجل الغلبة والاعتراف، يؤول عملياً إلى طلب رخصة في الظلم لأنفسنا، نحن المظلومون أكثر من غيرنا: نريد حقنا في ممارسة الظلم، فقد سبق أن ظُلمنا كثيراً.

 

*****

 

ولسرديات التفوق أثر أخلاقي مماثل ومُكمِّل لأثر سرديات المظلومية. فعبر السؤال: من هؤلاء لنهتم بأمرهم؟ تسهم سرديات التفوق في الحيلولة دون تقمص الضعفاء أو الفاشلين أو المتخلفين المفترضين، وتقلل من شأن ما يلحق بهم من أذى.

 

فإذا كانت سردية المظلومية تتسبب في تندّب النفس وانسداد باب الخروج منها، وربما في انعدام ما يقتضيه الخروج من النفس من طاقة، فإن سردية التفوق تغني عن رؤية الغير وسماع الغير، إن لم تنكر وجود الغير أصلاً. وهذا لأنها توفر الامتلاء الضروري الذي يلغي لزوم الغير أو ينظر إليهم كفراغ وسلب. المظلوميّ لا يستطيع الخروج من نفسه (أو اضطر للتوقف عن الخروج حين يكون مظلوماً فعلاً)، والتفوقي (ليس متفوقاً بالضرورة، لكن لديه سردية تفوق) لا يريد الخروج (لِمَ يخرج؟ لا شيء يستحق). ولعله بهذه الطريقة تخسر جماعات متفوقة تفوقها حتى حين يكون حقيقياً: تكفّ عن تعلّم أي شيء من غيرها، فتنغلق وتجمد على مدى أطول.

 

وبما أن الجماعات المظلومة هي نفسها الجماعات المتفوقة، فإن التفوق يتحالف مع المظلومية للحيلولة دون الخروج من النفس. لا نخرج لأنه (1) لا نقدر: نفوسنا متندِّبة، و(2) لا نستطيع: ليس لدينا طاقة، و(3) لا نريد: لا شيء يستحق الخروج. هنا نكون حيال المركب الأكثر خطورة الذي قد يؤسس للإبادة، مركب الأحقية. مركب كهذا هو الأساس النفسي الفكري الجمعي لإسرائيل التي جمعت بين مظلومية صارت معياراً لكل مظلومية في تاريخ البشر وبين تفوق يستند إلى مزيج من سجل حقيقي ومن ما تعهد بتزكيته والترويج له وتسخيره لمصلحة إسرائيل غربٌ كان يشعر بالذنب حيال اليهود، هذا بينما أُغرِقَ الفلسطينيون في مركب من الفشل (معبر عنه بإيديولوجيات زمان إقامة إسرائيل، ومنها الشيوعية: إقطاع عربي، والليبرالية: لا يحترم الفرد، غير عقلاني…، «التخلف» بكل أشكاله) ومن الظالمية والعدوان غير المبرر على اليهود المسالمين، ومن صنع صور نمطية عدائية (مثلاً: الفلسطينيون والعرب لا يفوتون فرصة لتفويت فرصة! وهو قول عنصري يحجب أنه لم تتح للعرب والفلسطينيين فرصة للمساواة أو لما يقترب منها في أي وقت). سهّلَ هذا المركب المعاكس الإبادة السياسية للفلسطينيين، التي تكلم عليها باروخ كمرلنغ في الكتاب المشار إليه فوق (في القسم الأول من المقالة). كمرلنغ يُضيِّق بصورة مؤسفة من تصور الإبادة السياسية، وينصب آرييل شارون بطلاً وحيداً لها (من هنا العنوان الفرعي لكتابه Ariel Sahron’s War against the Palestinians)، ورغم ما يوفره كتابه من معطيات كافية لنفي أن يكون شارون قطيعة في السياسة والتفكير السياسي الإسرائيلي، إلا أن الأكاديمي الإسرائيلي يثابر على عدم رؤية أن إسرائيل خلال ثلاثة أجيال قامت على الإبادة السياسية للفلسطينيين، وعلى الإبادة الفيزيائية للقيادات التي تتجسد فيها استقلاليتهم.

 

في واقع الأمر، تعمل إسرائيل المظلومة المتفوقة على تحويل الفلسطينيين إلى muselmanner (حرفياً: مسلمون)، والكلمة كانت تطلق على أولئك الأشباح من اليهود وغير اليهود في معسكرات الاعتقال النازية، ممن فقدوا إرادة الحياة وانطفأت جذوتها في عيونهم، على ما يصفهم بريمو ليفي، وهو أحد الناجين من الهولوكوست، في If This Is a Man. يتعلق الأمر بمعتقلين «تخلوا عن أنفسهم وتخلى رفاقهم عنهم»، «جثث تجرجر أقدامها، صُرَرٌ من وظائف فيزيولوجية في اختلاجاتها الأخيرة»، بعبارات جان أمري، وهو ناجٍ آخر من الهولوكوست (كتابه:At the Mind’s Limits: Contemplations by a Survivor on Auschwitz an its Realities)، وهم يموتون خلال شهور قليلة من تحولهم إلى… مسلمين. يرصد جيوريو أغامبن المفارقة الساخرة في أن اليهوي لا يموت يهودياً، يصير «مسلماً» قبل أن يموت (كتاب أغامبن  Remnants of Auschwitz: The Witness and the Archive). يبدو «المسلم» في صورة الشخص الذي فقد ذاته وانفصل عن العالم في معسكرات الاعتقال النازية هو الثالث الغائب في جدلية الإبادة التي جمعت الألماني السيد، الذي يقول أنا، واليهودي المهيأ للإبادة، لكن المعترف به كمخاطب، أنت، عبر فعل الإبادة بالذات. هذا الثالث الغائب لا فرصة لديه في النجاة.

 

وبينما كان «المسلم» يقف بين اليهودي وموته في معسكرات الاعتقال النازية، فإن إبادة الفلسطينيين سياسياً، تحويلهم إلى «مسلمين» سياسياً («مستسلمون» للإبادة السياسية، «انطفأت الجذوة» السياسية في عيونهم، «جثث» سياسية «تجرجر أقدامها»…)، تقف بين اليهودي الإسرائيلي وبين إبادة الملايين منهم مثلما فعل النازيون. مستندةً إلى الهولوكوست الذي حضر فيه «المسلمون» رغم غيابهم، تكفّلت إسرائيل بتغييب الفلسطينيين رغم حضورهم. مقاومين تحويلهم إلى غائبين عن أنفسهم وعن العالم، «مسلمين»، يتحول فلسطينيون إلى صورة مغايرة للمسلم، تجمع بين أقصى الحضور وأقصى الغياب: «الاستشهادي».

 

كان يمكن لكتاب كمرلنغ أن يربط بين جينوسايد اليهود وبوليتيسايد الفلسطينيين، لو أنه امتلك ما يكفي من الشجاعة الأخلاقية لعدم حصر المشكلة بمجرم حرب وسلم مثل آرييل شارون. لم يفعل. ولم يتبين أن أسلمة الفلسطيني عبر حماس والجهاد الإسلامي هي نتاج إبادته سياسياً على نحو جسّده مصير ياسر عرفات. الأرجح أن «السيد فلسطين» اغتيل مسموماً، لم يُترَك ليموت من التقدم في العمر (كان في الخامسة والسبعين وقت رحيله)، ولم يُقتَل مثل رفاق سابقين له، كثيرين. أريد له أن يكون «مسلمان» آخر: يموت ببطء دون أن يظهر أنه اغتيل.

 

اليوم إسرائيل القوية التي طورت تكوينا إبادياً عبر التملك الخاص للهولوكوست (يستنكره بشجاعة باومان في الحداثة والهولوكوست) تعرضُ وجهي جانوس: وجهٌ تفوقي، ينظر نحو الشرق الأوسط: «واحة الديموقراطية»، الرفاه الاقتصادي، التفوق التكنولوجي، والسلاح المتفوق أولاً؛ ووجه مظلومي ينظر إلى الغرب المتفوق، مستعيداً دون كلل سيرة الهولوكوست، ومثبِّتاً التملك الخاص له.

 

الأحقّيّة

 

من مزيج المظلومية والتفوق تتكون سردية الأحقية. الأحقية بالحكم، الأحقية بالقيادة، الأحقية بالثروة، الأحقية بالكرامة. نحن مظلومون منهم رغم أننا أفضل منهم. نحن الجديرون، إذن، بالسلطة. هم سيئون وظالمون معاً، ليسوا جديرين إذن. وهم فوق ذلك يكرهوننا كلنا.  الإسلاميون يجدون سنداً في آية قرآنية: «ولن ترضى عنك اليهود والنصارى…»، والناشطون الكرد يجدونه في تكوين العرب، والشيعة في عداء النواصب لآل بيت الرسول… وفي كل حال هم يكرهوننا لأننا أفضل منهم.

 

في بيئات الأحقية تكون الشرعية مضاعفة، مستمدة من العدل المتحقق أخيراً للمظلومين ومن التفوق الذي فرض نفسه أخيراً. وهي شرعية جوهرية، ملتصقة بمن يكون الأفراد وما تكون الجماعات، أي بالأصول والمنابت، وليس بأي قواعد عامة. شرعية حكم حافظ الأسد وسلالته بنيت على العبقرية والفرادة والبطولة، وليس على قواعد مطردة للحكم تقبل التعميم ويمكن أن تسري على الغير. الشرعية هذه ضد فكرة القانون والقاعدة، بقدر ما إنها مبنية على تفوق شخصي أو فئوي، تُصفّحه مظلومية وراثية.

 

ولأنه المظلوم المتفوق، الأحق، فليس لأحد أن يقف في وجه حافظ الأسد أو يتصرف حياله بندية. من يفعل يُقتل أو يُحبس طويلاً في السجن. وإذ يتكرس هذا الواقع بتحطيم ما قد تنهض في وجهه من مقاومات، نصل بالتدريج إلى تطبيعٍ لللامساواة في أشد أشكالها فحشاً، بحيث يمكن قتل 1000 إذا تعرض حافظ لمحاولة اغتيال (قد تكون مسرحية)، و20 أو 30 ألفاً إذا حصل تمردٌ في مدينة. وفي النهاية إلى «الأسد أو لا أحد»، وقتل الجميع لأن المتفوق هو نفسه المظلوم الذي يُرَاد استعباده من جديد.

 

لا يؤول مركّب المظلومية/ التفوق، أي الأحقية، إلى مآل أسدي حتماً، حيث لا موجود سياسياً ولا جدير بالحرية غير حافظ الأسد، ثم سلالته، لكن هذا المركب لا ينصب حواجز من أي نوع في وجه هذه الواحدية.

 

في هذا الشأن، ليس هناك فارق جوهري بين حافظ وداعش. هنا أيضاً تتحالف مظلومية تجد لنفسها عمقاً تاريخياً بالإحالة إلى إلغاء الخلافة وما قبل، وفضاء واسعاً بالإحالة إلى تاريخ عالم الإسلام الواسع، مع سردية تفوق امبراطورية مبنية في الفقه أو «الشريعة»، فنحصل على مثل تلك المطحنة البشرية التي رأيناها نشطة خلال السنوات الأربعة الماضية (وتقديري أنه لو انهار النظام في عامي الثورة الأولين لانقلبت أجهزة الأمن الأسدية إلى دواعش علويين، على نحو ما تولدت داعش السلفية الجهادية عن سقوط نظام صدّام وتفكيك جيشه وأجهزة مخابراته. ما حصل هو العكس: بمبادرة من الراعي الإيراني تحوّلَ الشبيحة، وهم دواعش علويون، إلى قوات الدفاع الوطني قرب نهاية عام 2012، أي إلى جهاز دولة. إلا أنهم ظلوا حتى بعد امتصاصهم في الدولة أشدَّ انفلاتاً حتى من المخابرات الأسدية، وعلى عداء شديد للمجتمع والحياة العادية).

 

*****

 

إذا صحت التقديرات السابقة، فإنه ينتشر في بيئات الأحقية المظلومون المتفوقون الذين من «شقفة واحدة»، الذي لا يسمعون ويستحيل النقاش معهم، المحبوسون داخل أنفسهم، والمكتفون بما لديهم. النفس الخارجية تكون أشيع أيضاً، وفرص حكم الشريعة أو القائد الرمز أو الحزب العظيم تكون أكبر بكثير.

 

لكن لا الثقافة ولا السياسة ترتد بخصوص الجماعات المتناولة هنا إلى مركب المظلومية/ التفوق، ولا تُشتق منه. وجماعات المظلومية التي تقدَّمَ ذكرها، من اليهود الإسرائيليين والإسلاميين السنيين والطائفيين العلويين والقوميين الكرد، فضلاً عن النخب الشيعية، كلها مندرجة في مركبات اجتماعية وسياسية معاصرة، تسهم في تغيير أشكال سلوكها على نحو يعدل كثيراً أو قليلاً السلوك المتوقع تحت وطأة مزيج المظلومية والتفوق. مركب الأحقية المكون من هذين العنصرين هو بمثابة «النموذج الوراثي» (مقابل «النموذج الظاهر» في علم الوراثة؛ انظر من أجل النموذجين كتاب ألبير جاكار: مديح الاختلاف، الأعراق البشرية ونظم الوراثة، دار الحصاد، دمشق، 2000)، ولا يكاد حتى يكون محجوباً.

 

التكوين الإبادي

 

ما يمكن بناؤه على مجمل هذه المناقشة هو أن المظلومية (مُعزَّزَةً بالتفوق) تغير تكوين الجماعات في اتجاهات تتجاوز تقليل إحساسها بغيرها نحو تطوير استعدادات إبادية. وهذا بالضبط بفعل صفتي المظلومية النسقية والخيالية، المنتجة للهويات الملتهبة، والتي تزجُّ كل واحد منا وكلنا ضد كلهم وكل واحد منهم. في عالم المظلوميات نحن بعيدون عن التشكي الحزين، المحق قليلاً أو كثيراً، لمستضعفين مهضومي الحقوق من ظلم فادح أحاق بهم، وقريبون جداً من عالم الهويات المتراصة، المستنفرة، المعسكرة، ومن الإذلال الجماعي والإبادة كشكلين لتوكيد الذات أو حتى إحقاق العدل. المظلومية هي «النموذج الوراثي» المؤهل لإعادة إنتاج المظالم ذاتها التي وقعت علينا ونشكو منها، بما في ذلك المذابح، وبما في ذلك الإبادة.

 

المثال الإسرائيلي واضحٌ في هذا الشأن. عبر التملك الخاص للهولوكوست وبناء «مظلومية وراثية»، أظهرت إسرائيل استعداداً ثابتاً لتحطيم مجتمع الفلسطينيين وحياتهم، وإبادتهم سياسياً، والتوسع في قتلهم حين يقاومون أو يتمردون. خيارات الفلسطينيين تراوحت على الدوام بين أن يقاوموا فيُقتَلوا وتُدمَّرَ بيئات حياتهم، أو ألا يقاوموا فيُبادوا سياسياً. هذا تكوين إبادي يمد جذوره في حسٍّ عميقٍ بالمظلومية والهشاشة، شكّل الهولوكوست كإبادة منظمة رضة عميقة الغور وسنداً لاستمراريته. والنظام الدولي الذي تشكل على يد المنتصرين على النازية في الحرب العالمية الثانية، وتولت القوى القائدة فيه رعاية دولة إسرائيل الناشئة، يحيل حياة الفلسطينيين إلى مجال ما لا يُرى وما لا يحميه قانون، وما لا يحاسب على قتلهم أحد. إنهم نموذج للهومو ساسر  Homo Sacerحسب جيورجيو أغامبن. المفهوم، وهو أيضاً عنوان كتاب ومشروع متعدد الأجزاء للفيلسوف الإيطالي (منه «بقايا أوشفيتز…» الذي تقدَّمَ ذكره)، يسترجع من التاريخ القانوني الروماني وضع الإنسان المباح الذي لا يحميه قانون، ولا يُعتبر قتله جريمة، ولا يحوز حتى قيمة قربانية، فيكون فداء لغيره. أغامبن يمثل على شرط الإنسان المباح بنزلاء معسكرات الاعتقال النازية، وبالمهاجرين واللاجئين. لكن حال اللاجئين الفلسطينيين مثال أقرب، قلما يستطيع فيلسوف غربي استجماع العزم والعدة لتناوله (ولعل الإنسان المباح يتجسد اليوم في اللاجئين السوريين، بخاصة في معسكرات اللجوء، وبالأخص في لبنان).

 

يلزم أن نلاحظ أن مشكلة الإسرائيليين (وأعني «النموذج الوراثي» القائم على المظلومية، ويستثمر فيه اليمين واليمين المتطرف، وليس «النموذج الظاهر» الذي يستثمر فيه اليسار والليبراليون والمنخرط في عالم اليوم ومنظماته والمرتبط بالغرب)، أقول إن مشكلة إسرائيل مع الفلسطينيين تتمثل في وجودهم، وليس في ما يفعلون أو لا يفعلون، وإنها بدأت منذ اللحظة الأولى عام 1948 في «حرب الاستقلال»، ولم تكن متولدة عما فعل الفلسطينيون أو لم يفعلوا. لذلك تتساوى سياسات الفلسطينيين في انعدام فاعليتها، عباس مثل حماس، و«أطفال الحجارة» في الانتفاضة الأولى مثل «الاستشهاديين» في الانتفاضة الثانية، والضفة الغربية المخترقة بالمستوطنات والجدار العنصري مثل غزة، أكبر سجن في الهواء الطلق في العالم. وحتى لو استسلم الفلسطينيون تماماً فسيبقون منذورين للإبادة، ما داموا على أرضهم ومتمسكين بفلسطينيتهم. من هذا الباب يبدو خطأ كمرلنغ مضاعفاً. بطل الإبادة السياسية للفلسطينيين ليس شارون، ولا حتى المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية، بطل الإبادة هو المشروع الصهيوني ذاته القائم جوهرياً على طرد الفلسطينيين من ديارهم أو اعتبارهم جالية غريبة في «أرض إسرائيل»، ورفض المساواة مع الفلسطينيين والعرب، مُعزَّزَاً بالمظلومية الوراثية والتملك الخاص للهولوكوست، وبنزعة استعلاء استعماري سبقت نشوء إسرائيل والحرب العالمية الثانية. والسؤال الذي كان يؤمل من كمرلنغ أن يطرحه على نفسه ويجيب عليه: هل هناك تصور لإسرائيل لا يقتضي إبادة الشعب الفلسطيني سياسياً؟ إن كان لهذا أن يكون ممكناً في أي يوم، فلا بد من إقرار المساواة الحقوقية والسياسية والسيادية، وعودة اللاجئين.

 

وإنما عبر المظلومية الوراثية والتملك الخاص للهولوكوست أمكن لشعب وقع ضحية «قسوة لا توصف»، بعبارة آفي شلايم في صدر هذه المقالة، أن يوقع قسوة لا توصَف بشعبٍ آخر لا ذنب له. والمستقبل لا يبدو واعداً بغير مزيد مما «لا يوصف» ذاته.

 

وتعرض الدولة الأسدية تكويناً إبادياً مماثلاً. منذ وقت مبكر عرض حافظ الأسد سياسة تأكيد عدوانية للنفس، تجلت أصواتها العنيفة بداية في لبنان وعلى حساب الفلسطينيين قبل غيرهم، قبل أن تعمّ السوريين بعد سنوات قليلة. مذابح مثل تدمر، ثم بخاصة حماة، تؤشر على هذا التكوين الإبادي الذي يمد جذوره بدوره في حسٍّ بالمظلومية، عريق وعميق. وتماماً مثلما في فلسطين، تعرض السوريون لإبادة سياسية، لم يكن بطلها شارون سوري ما، رفعت الأسد مثلاً الذي كان ذو دور بارز في مذبحتي تدمر 1980 وحماة 1982، ولا حتى حافظ الأسد نفسه، بل بنية الحكم الأسدي، أو بالتحديد الدولة الأسدية الباطنة ذات التكوين الطائفي، القائم على المظلومية الوراثية. المساواة القانونية والسياسية (في صنع القوانين) والسيادية (في صنع السياسات) بين السوريين ممتنعة مفهومياً في «سورية الأسد».

 

لم تكن لدى عموم السوريين خيارات جيدة أيضاً: إما يقاومون فيُبادون جسدياً، أو لا يقاومون فيُبادون سياسياً. ولم يوجد في أي وقت مخرج سياسي من الإبادة السياسية. لا قبل الأزمة الوطنية الاجتماعية الأولى في أواخر العقد الأول من حكم حافظ، ولا بعد خروجه منتصراً من مواجهة معارضي الداخل المتنوعين، ولا في سنوات حكم وريثه العشرة السابقة للثورة، ولا طوال ما يقترب من ست سنوات ونصف بعد الثورة. وما يجري من إباحة لبيئات الثورة عبر القصف والحصار والتجويع وضرب البنى الصحية، وفي السجون والمقرات الأمنية، يصمد للمقارنة مع وقائع الجينوسايد المعروفة عالمياً، إن من حيث عدد الضحايا، أو من حيث التدمير واسع النطاق، أو من حيث إباحة معارضي الدولة الأسدية للقتل عبر تعريفهم كإرهابيين، أو بخاصة من حيث الطابع المنهجي لهذه الممارسات. مفهوم «الحاضنة الاجتماعية» الذي طلع به بشار الأسد، وقَدَّرَه بالملايين، مناسبٌ جداً لتأسيس الإبادة (المفهوم يفتح الباب لكلام على بيئة حاضنة للمجازر الكيماوية وللبراميل والتعذيب، مما هو ليس بعيداً بالفعل عن تفكير طائفيين سنيين). وإذا صحت التقارير عن محارق في سجن صيدنايا الذي نعرف من قبل أنه يدار فيه نظام قتل ممنهج مستمر منذ سنوات، نكون حيال جينوسايد بالغ الخصوصية، سنحتاج إلى سنوات من العمل لبناء «شخصيته».

 

وهنا أيضاً يجد التكوين الإبادي عمقاً استراتيجياً، وأكثر منه فكرياً ونفسياً، في النظام الدولي. مركب الإسلاموفوبيا و«حماية الأقليات» و«الحرب ضد الإرهاب» هو «المستمر» الذي يجمع دولة الأسديين مع قوى قائدة في النظام الدولي. وفوق ذلك «الحرب ضد الإرهاب» هي المعمعة المناسبة لتغطية جرائم كبرى، على نحو ما كانت الحرب العالمية الثانية المعمعة التي غطت الهولوكوست.

 

مزيج المظلومية والتكوين الإبادي واسمٌ أيضاً للمجموعات السلفية الجهادية التي تُعرِّفُ أعداءها بأنهم كفار أو ملاحدة أو عملاء للناتو أو للتحالف اليهودي الصليبي، على نحو يؤسس للإبادات ويسوغها. ليست مشكلة السلفيين الجهاديين مع غيرهم هي ما يفعله أو قد يفعله الغير، بل هي في وجود الغير المجاهر بغيريته، فإما يباد سياسياً عبر فرض وضع ذمي جديد عليه (هذا على غير المعترف بغيريتهم إسلامياً)، أو يبادون فيزيائياً إن لم يكن لهم وضع معترف به في التراث الإسلامي، وبخاصة إن كان الإسلاميون في وضع «التمكين» (عكسه: الاستضعاف، ويمكن تقبل أوضاع غير نقية في وضع كهذا، مثل حال الرقة عام 2013، قبل التمكن الكلي لداعش في نهاية العام نفسه).

 

كانت مذبحة مدرسة المدفعية في سورية عام 1979، مؤشراً على استعداد إبادي باكر في الإسلام السياسي، يقول عملياً إن العلوي لأنه علوي، مباحُ الدم. سُوِّغَت المجزرة نفسها بمظالم سنية لن تكفّ عن التطور منذ ذلك الوقت، وصولاً إلى تكوين إبادي مكتمل تجسد في السلفية الجهادية.

 

والصفة الأممية للتيار السلفي الجهادي، المنفصلة عن ثقافةٍ بعينها وأرضٍ بعينها، والقابلة للانتقال بين المجتمعات والثقافات والدول حسب تحليل أوليفيه روا (يبدو أن العقيدة الإنجيلية الأميركية تظهر خاصية التنقل هذه ذاتها)، تردّ تعاليم هذا التيار إلى ما يقارب وصفات أو «برشامات» سهلة التمثل والهضم («الجهل المقدس»، بعبارة روا نفسه في كتاب له بهذا العنوان)، وتضعها في متناول أناس متنوعين، تَطوَّرَ لديهم حسٌّ بالمظلومية. وأهم من ذلك أن هذه القابلية للهجرة، أو اللاارتباط بأرض وثقافة ومجتمع حي، وضع السلفية الجهادية العابرة للبلدان في موقع مناسب للولاية على المظلومية الإسلامية في كل مكان، من أفغانستان إلى الجزائر، ومن الشيشان إلى نيجيريا، وفي مهود الإسلام الباكرة في بلداننا كما في بلدان الغرب. كما سهَّلَ لها أن تقيم في أي مكان تُتَاحُ لها الفرصة، مُتوحِّشَاتها الخاصة مثل متوحِّشة داعش في مناطق من سورية والعراق. الارتباط وثيق هنا بين المظلومية والاستعداد الإبادي، وقد تكثف في رمي مئات الجثث في الهوتة شمالي الرقة، أو جثث أخرى في نهر الفرات بعد تثقيلها بالأحجار، وحوادث القتل والصلب والسحل العلنية. نحن في كل حال حيال قتل مضاعف: ينكر على المقتولين الدفن في مواقع معلومة تتيح لذويهم زيارتها على نحو يضمن استمرارية المجموعة.

 

على أن المظلومية السنيّة على نحو ما تتولى أمرها وتؤولها السلفية الجهادية، والإسلاميون عموماً، لا تنفتح على خطابٍ للمساواة ولا يحيل تصورها للعدالة إلى حقٍ مساوٍ للغير. وهم ما أسهم في أن لا يحوز قتل «الحاضنة الاجتماعية»، السنيّة كلياً، حتى قيمة قربانية، على نحوٍ يقرّبهم من الإنسان المباح لأغامبن، وما يجعل حاملي الراية هذه المظلومية عبئاً باهظاً على المظلومين المفترضين من السنيين في سورية.

 

وعلى ضوء تجربة الثورة السورية، تبدو السلفية الجهادية بمثابة «نموذج وراثي»، يعمل مستقلاً بنفسه عن أي عضوية حية، لكنه مُباطن لكل إسلام سياسي حديث. هذا الأخير «نموذج ظاهر»، مندرج في تركيبات اجتماعية وسياسية متغيرة بحسب البلدان. ومجزرة مدرسة المدفعية، التي تكثف الرغبة في إبادة العلويين، هي نموذج مبكر على فعل النموذج الوراثي في شروط أواخر العقد الأول من حكم حافظ الأسد.

 

المظلومية تنفتح على تكوين إبادي لدى قوات تنظيم الاتحاد الديموقراطي الكردي في سورية. نحن هنا أيضاً حيال تنظيم غير مرتبط بمجتمع وأرض يقاتل عليهما، ولا يدافع عن مجتمع وأرض تتعرضان لهجوم، سواء لأنه يقاتل في حرب هجومية اختيارية، ليس هو من وضع استراتيجيتها وأهدافها وتعريفها وحدد نهايتها المحتملة، أو بخاصة لأن قياداته العليا ليست سورية. هنا أيضاً نرى تساهلاً واسعاً في تعريف الخصم، ويُرى استخدام مفهوم «البيئة الحاضنة» على نحو يوسع الاشتباه بالسكان ومراقبتهم، ويميز أوضاع الإبادة. معسكر عين عيسى الذي يحجز ألوفاً من سكان الرقة ومناطقها بالغ الرمزية والدلالة في هذا الشأن، من حيث أن على السكان المحليين إثبات أنهم ليسوا دواعش أمام غرباء. نحن هنا من جديد أمام وضع الإنسان المباح، المحجوز في معسكر مغلق، ولا حقوق معروفة له، ويمكن إذلاله أو قتله بحصانة تامة للقاتل، ودون أن يحمي قتله حياة أشباهه.

 

ومثلما في كل مكان، تقوم الإبادة على التصنيف، تعريف العدو بعنصر ثابت لا ذنب له فيه (ولا فضل): دين، موقع، إثنية… وليس بما يقوم به أفراد محددون من أفعال إجرامية موصوفة. وتسهّلُ المظلومية الكردية نشر خطاب عدائي ضد العرب، يسهم بقوة في إباحة المعنيين وفي تغذية الصمم الأخلاقي، وجعل كل مداولة عامة أو نقاش عقلاني مستحيلاً. ويثبت المفعول التمييزي للمظلومية خطاب تفوق يُسنِد إلى القوات العاملة في نطاق «الحرب على الإرهاب» دوراً مُحرِّراً، يُستخدَم أيضاً لإخراس أي تحفظات أو أصوات متشككة.

 

هنا أيضاً يقوم النظام العالمي بدورِ عمق فكري وأخلاقي، واستراتيجي، لإباحة السكان المحليين في الجزيرة السورية. وهنا أيضاً تمثل «الحرب ضد الإرهاب» إطاراً مناسباً لممارسات إرهابية متنوعة بحق السكان الأقل حماية.

 

وعرضت المنظمات الشيعية في العراق ولبنان الاستعداد الإبادي ذاته، المتولد دون ريب عن مظلومية تستند إلى تمييز حديث وتستعيد مرويات قديمة. عدوانية حزب الله اللبناني التي كانت صادمة لسوريين كثيرين، ولم يجدوا لها مبرراً «عقلانياً» في أي وقت، تصدر عن تكوين إبادي أخذهم على حين غرة كأحفاد ليزيد!

 

في كل حال، يحيل مفهوم التكوين الإبادي إلى فعل «النموذج الوراثي» ضد العدو النوعي: الفلسطينيون بخصوص اليهود الإسرائيليين، «الحاضنة الاجتماعية» السنيّة بخصوص الدولة الأسدية الباطنة، عرب منطقة الجزيرة والشمال السوري بخصوص التنظيم الأوجلاني، العالم كله تقريباً بخصوص السلفيين الجهاديين، و«أحفاد يزيد» عند منظمات ولاية الفقيه الشيعية.

 

*****

 

وبقدر ما إن الجماعات كلها متكونة حول المظلوميات، فليس هناك جماعة دون تكوين إبادي. ما تتمايز بها الجماعات المختلفة ليس أن الإبادة جزء لا يتجزأ من تكوينها، بل مدى نشاط وتفعيل هذا الجزء الأصيل. هذا مخيف بطبيعة الحال، ولا يبدو أن هناك ما يمكن أن يحدّ منه غير مقاومة التمييز ومنعه من الترسخ.

 

هل لمفهوم التكوين الإبادي قيمة تنبؤية؟ جزئياً: المفهوم يحمل في نموذجه الوراثي إبادة، لا يتحتم أن تتحقق، لكنها محتملة في شروط مناسبة. الاستعداد للإبادة «مكتوب» في بنى سياسية وفكرية ونفسية، تشغل سرديات المظلومية والتفوق موقعاً أساسياً فيها. ومنها بخاصة النفس المصمتة والمنظمات مصمتة، المنفصلة عن غيرها نفسياً وسياسياً وفكرياً، والقادرة على التمييز والاضطهاد والقتل على أوسع نطاق. المؤشرات المحتملة على الإبادة يمكن أن تتمثل في عبارات وممارسات جمعية تمييزية، مثل مفهوم «الحاضنة الاجتماعية» أو «البيئة الحاضنة» أو «الروافض» أو «النواصب» و«أحفاد يزيد» أو «أحفاد ابن العلقمي» أو «أبناء المتعة» أو «النصيريين الكفرة» أو «ملاحدة الكرد» إلخ؛ ومثل حصار بلدات ومدن، وبناء معسكرات حجز للسكان المحليين، وطبعاً «مسالخ بشرية» مثل سجن صيدنايا. في كل حال لا يجب انتظار قتل مئات الألوف أو أكثر حتى نتكلم على تكوين إبادي. الإبادة تبدأ من التمييز، وتمر بأشكال متنوعة من التغاضي عن التمييز والاضطهاد، وتصل إلى قتل مئات الألوف أو الملايين.

 

وقد يلقي مفهوم التكوين الإبادي ضوءً على الواقع المستحيل في سورية اليوم. البلد الذي صار مسرحاً لتفاعل وتكامل، وصراع، عمل خمس مظلوميات (المظلومية الشيعية هي الخامسة)، وتالياً خمس توحشات. صراع المظلوميات هو صراع هويات ملتهبة ومعسكرة، مفتوح على الإبادة، وليس بحال صراعاً ضد الظلم أو من أجل العدالة.

 

*****

 

ويغلب للمساهمة الثقافية في الإبادة أن تكون كبيرة، عبر الانخراط في صراع المظلوميات على الاعتراف: نعمل من أجل أن تنال مظلوميتنا اعترافاً عاماً، مبطناً دوماً بتقرير ظالميتهم على نحوٍ يسهّل إباحتهم، وربما إبادتهم. صراع المظلوميات على الاعتراف هو صراع هويات وليس صراعاً من أجل حقوق عادلة، ومساهمة مثقفين فيه لا تغير طابعه، بل تعزز صفته النسقية والخيالية (ودور المثقفين هنا حاسم) التي تُحوِّله إلى صراع إبادة. كان هناك دور مهم لمثقفي الهوتو في رواندا في الجينوسايد ضد التوتسي عام 1994، ومثل ذلك بخصوص مثقفين صرب ضد الكوسوفيين قبل نهاية القرن الماضي، ودورُ المثقفين الإسرائيلييين واليهود الصهاينة في رعاية وحماية المظلومية اليهودية التي تستبطن الهولوكوست معلوم. الواقع أنه ليس هناك مثال إبادة واحد لم يكن هناك دور مهم لكتاب وفنانين وصحفيين ومفكرين، وطبعاً رجال دين، في التحريض عليه وتسويغه. وسيكون مثيراً دون ريب تقصي دور مثقفين سوريين يوماً من زاوية الإبادة.

 

وأخيراً، لعل مفاهيم المظلومية والإباحة والإبادة والتكوين الإبادي تساهم في إخراج تفكيرنا السياسي من جمود مديد. عالم الممارسات المرصود هنا لا تحيط بها مدركات مثل الاستبداد والدكتاتورية ونظام الحزب الواحد، ولا يبدو أن مدركات الديموقراطية والليبرالية ودولة القانون تؤشر على ترياق محتمل. هذا عالم ينهار، وربما تظهر فيه عناصر تكون جديد. وما نحتاجه هو أدوات للإحاطة بوجهي هذه العملية.

 

حول الكرامة

 

في صغره يكون الطفل… صغيراً. ينال الرعاية من كل من حوله، يتوقع تلبية كل حاجاته، ويريد كل شيء لنفسه، لا يحاسب نفسه ولا يقيم حواراً مع نفسه. ينشأ الضمير لديه بعد حين عبر النظر إلى نفسه بعين أمه وأبيه. يبدأ تكون الأنا الأعلى حسب فرويد في السادسة.

 

قبل ذلك الأطفال كائنات طبيعية، لا تاريخ لهم (ولا مستقبل: أفعالهم يمكن التنبؤ بها). التاريخ هو تاريخ البالغين الذين يقومون بأفعال غير مبرمجة سلفاً يتعذر التنبؤ بها، و«الأحرار» الذين لا تبرمج أفعالهم ثقافياً سلفاً. أكثر الرجال ليسوا كذلك لأنهم مقيدون إلى ضرورات المعيشة، وخاضعون لإكراهات السلطات السياسية والاجتماعية، أو لبرمجات ثقافية. في مجتمعاتنا لا تاريخ للنساء تقريباً، وفي العالم ككل لا يكاد يكون لمعظمهن تاريخٌ إلا حديثاً. هذا متولدٌ عن التقييد الاجتماعي الأشد، وبمركزية الإنجاب في مؤسسة الزواج، وبتبعية المرأة لهذه المؤسسة.

 

ومثلما سبقت الإشارة، يتكون الضمير عبر أفعال النفس (الخروج منها والعودة إليها وضبطها، وهي أفعال مكتسبة، نتعلمها من غيرنا حين نثق بهم). فإن توقفت هذه الأفعال بفعل تندّب النفس أو «تجمُّعها» على بعضها، ربما بأثر إذلال متكرر أو تمييز مديد، يعود المرء صغيراً مثل بشار الأسد، يريد كل شيء لنفسه، أو مثل أدولف إيخمان، الولد المطيع، الذي لا يجيد غير اللغة الرسمية الفصحى، وكان يأمل أن يرتقي المراتب أكثر مما تتحق له فعلاً. ليس للطفل كرامة، يتطور حسّه بالكرامة مع ظهور الضمير عبر التدرب على النظر إلى نفسه من خارجه، بعيني أبويه أولاً، وبدء ظهور مشاعر الخجل والعار.

 

أريد القول إن المظلومية نازعةٌ للكرامة، إن المظلوميين، جماعات المظلومية، يعرضون أنانية الأطفال وصَغَارَهُم، وتدهوراً في الكرامة يتناسب مع شدة ركونهم إلى المظلومية. وهذا على نحو خاص حال الإسلاميين الذين يفاقم من مظلوميتهم سردية تفوق ومخيلة إمبراطورية. وهذه الفقرة ستقتصر عليهم.

 

وقت وقع في أورلاندو بأميركا هجوم إرهابي قام به إسلامي موتور على حفلٍ لمثليين، وقُتِلَ أكثر من خمسين منهم يوم 12 حزيران 2016، كان هذا تعليقٌ فوريٌ من إسلامي سوري: «سلام الله على الانغماسيين، 50 فطيس و53 جريح في إطلاق نار على كاباريه في فلوريدا، اللهم لا تعاطف» (من صفحته الشخصية على فيسبوك). وعلى الفور أخذ يبرر قتل غير مذنبين بالمظلومية السورية. لدينا هنا تمرين مباشر على دور المظلومية في الصَغَارَة وموت الضمير. مثال أيضاً على أن المشكلة مع الضحايا تتمثل فيما يكونون وليس فيما فعلوا. هم خطأ وليس فعلهم هو الخطأ. هذا هو مبدأ الإبادة.

 

ترسو قلة الصداقة إسلامياً على العقيدة السلفية، بفضل مبدأ الولاء والبراء فيها (أي محبة المسلمين المؤمنين وموالاتهم، وبغض «الكافرين» ومعاداتهم والتبرؤ منهم). وبصرف النظر عن اقتران هذه العقيدة عموماً بتضييق تعريف المؤمنين والتوسع في تعريف الكافرين، وأن من تأويلاتها ما ينهى عن الاعتداء على «الكافرين» المسالمين (لكن يوجب كرههم القلبي دوماً)، فإننا هنا حيال إيجاب ديني للكره دون أذى أو عدوان، يتجاوز ميل الجماعات كلها إلى توجيه عواطف «الولاء» نحو الداخل و«البراء» نحو الخارج.

 

يمكن أن يكون الطلب على مثل هذه العقيدة مرتبطاً بالحاجة إلى دروع هويّاتيّة في شروط من المظلومية، ولعل مركب الأحقية (المظلومية والتفوق) استصلَحَ من مستودع العقائد الإسلامية الممتلئ عن آخره بمبادئ متناقضة (شأن كل العقائد التاريخية الكبيرة) هذه العقيدة الكافلة لتراص «الأمة» ونبذ الغرباء و«الكافرين» منها. لكن ينبغي القول إن هذه العقيدة في الكراهية، بطابعها النسقي القوي المؤسس دينياً، هي الركيزة الأصلب لإنتاج الظلم دون غيره، يطال غير المسلمين وغير المؤمنين بداية، لكنه لا بد أن يطال «عوام المسلمين» على ما رأينا من حالهم فعلاً في ظل داعش وجيش الإسلام وجبهة النصرة.

 

متدرعين بالمظلومية، وبعقيدة تثبتها، الإسلاميون في عمومهم و«علماء» المسلمين المعاصرين لا يعرضون شعوراً بالمسؤولية تجاه أحد، لا تجاه غير المسلمين، ولا تجاه المسلمين من غير الخواص، ولا تجاه العلمانيين، ولا تجاه العالم المعاصر، ولا تجاه كوكب الأرض.

 

الناس يحبون ويكرهون، يصادقون ويعادون، لكن التيارات الدينية المتشددة (والمنظمات الفاشية) هي التي توجب الكراهية وتستثمر فيها. السلفية الجهادية من هذا الصنف الذي جعل من الكراهية عقيدة مقدسة. ولذلك فهي المرسى الآمن للإيمان بانعدام الأصدقاء، واعتبار العالم شريراً وعدائياً، وتالياً للاستغناء عن الضمير. فإن لم يكن ثمة أصدقاء في العالم، وإن لم يكن فيه غير أشرار وكفار، فلماذا نخرج من أنفسنا؟ وما حاجتنا إلى ضمير؟

 

قد يكون الإسلاميون مرضوضين جداً بإذلال استعماري وحضاري، ثم إذلال الدولة الحديثة، وكذلك باستدخال عين العدو بين كثيرين من غير الإسلاميين في «المجتمعات الإسلامية»، مع ما تفضي إليه هذه العين بدورها من النقص والصَغارة. لكنهم التيار الذي لا يواجه عين العدو المحتملة إلا بالعين الأمنية التي تشتغل مثل جهاز مخابرات أو ضمير مضاد، يغلق النفس والمجتمع ارتياباً بالعالم.

 

عبر الهرب من الضمير، يبدو التيار الإسلامي مكوناً من صغار حصراً، رافضين للنضج والشراكة وتحمل مسؤوليات مشتركة. قد يبدو ذلك غريباً، فالجماعة يعطون انطباعاً بالشيخوخة، بالأحرى، لا بالطفالة. لكن تطورَ لدى الإسلامي النمطي خلال الجيلين الماضيين توقعٌ بأن ينال كل شيء مثل الأطفال، ومطالبة بكل شيء لنفسه دون شيء لغيره. لدى الإسلاميين سردية مظلومية قوية حالت دون الخروج من النفس والنظر إليها بعين أخرى، ودون تقمص الغير والإحساس بالغير. ولديهم سردية تفوّق تغني عن الخروج وتعلم شيء من الغير.

 

يخلط الإسلاميون بين الكبرياء والكرامة على نحو يفاقم الصمم الأخلاقي في مجتمعاتنا. يصرون على أنظمتنا الموروثة، ومنها ما ليس هناك مفهوم للعدالة مُتّسق يمكن أن يتكون حول تسويغه، مثل وضع النساء، ومثل أحكام الرق والسبي التي ذكرتنا داعش بأنها لم تُرمَ خلف ظهورنا ولم تُطوَ صفحتها، ولم نسمع من يقول بوضوح أنها تقادمت وسقطت من الشريعة والدين (ربما خوفاً من أن يفتح ذلك الباب لإسقاط أشياء أخرى، تتصل بوضع النساء بخاصة، ركيزة السلطة البطريركية). وراء هذا الإصرار كبرياء أجوف، وليس كرامة المسلمين أو كرامة الإسلام ذاته. الكبرياء التصاق بالنفس يتوافق مع نموذج النفس المصمتة، فيما الكرامة تقتضي الكرم كما هو واضح في الاشتقاق العربي، أي الضيافة والترحاب والصداقة، وعدم الإيذاء. الكبرياء نَفَسٌ موجهٌ نحو الخارج وعدائيٌ حيال الغير، فيما الكرامة علاقة بالنفس تفترض تعددها، تفترض وجود الضمير.

 

ثم أن الكبرياء يمكن أن يكون قيمة جمعية امبراطورية تنتمي إلى أسرة «العزة» و«العلو» و«السيادة» و«الفتح» (ومثلها في ذلك الفخر)، فيما الكرامة قيمة فردية وجمعية تحررية، تنتمي إلى أسرة الحرية والمساواة والثقة والشراكة والصداقة. وليست سردية التفوق الإسلامية على كل حال غير هذه الكبرياء التي تسند النفس المصمتة، فيما الكرامة هي ما يميز النفس المنفسحة، القائمة على استضافة الغير في النفس.

 

أسرى للكبرياء، يتوقع الإسلامي المعاصر نيل الاحترام دون أن يحترم أحداً. ولا يلتزم بالود حيال الغير، فيسهم في تدمير الاجتماع البشري الذي لا قاعدة له أمتن من الود والصداقة. ويضع نفسه في موقع من لا ينال تضامناً من أحد حتى حين يتعرض للأذى، لأنه أوجب على نفسه بُغْض من ليسوا مثله (ولو لم يلحقوا به أذى قط).

 

اليوم لا نجد تفكيراً إسلامياً معاصراً في قضايا الخير والشر. أقرب ما يمكن أن يكون إجابة عند عموم الإسلاميين على السؤال الأخلاقي هو: الخير هو الإسلام، الشريعة… والشر هو الكفر؛ الخير هو نحن، والشر هو غيرنا. لكن الضمير مستحيل الظهور على أرضية مصادرات طفلية كهذه. وعدا أنه ليس هناك أدنى أصالة في هذا التقرير الأناني (ليس هناك طفل ليس أنانياً)، فإن تقرير خيريِّتنا الدائمة يصلح بالأحرى تعريفاً للشر. الشر هو الأنانية، هو المطابقة بيني وبين الخير. الخير، بالعكس، هو الغيرية، هو مساعدة الغير وإنصاف الغير، وخاصة من أنفسنا، وهو مقاومة الظلم عموماً، ظلمنا أولاً، أي هو بالضبط الخروج من النفس والقدرة على تقمص الآخرين ووضع أنفسنا مكانهم.

 

وبفعل غياب التأمل الأخلاقي، وافتقار أكثر الإسلاميين ومفكريهم إلى الشجاعة الفكرية والأخلاقية، صار الإسلام الذي جرى تحجيره ليقوم بدور ضمير خارجي أو سلطة خارجية مُطاعة في كل حال، مصدراً لبعض أبشع ممارسات الشر في عالم اليوم. إذا كانت أفعال داعش وجبهة النصرة وجيش الإسلام وسجونهم المريعة هي ما يرضي الله (وبالتالي يغضب الشيطان)، وإن كان تعذيب الناس واغتيالهم وخطفهم وتغييبهم طاعة لله (ومعصية للشيطان)، فما هو الجيد في الله والسيء في الشيطان؟ ومم تشكو عبادة الشيطان إن كان الله هو من يغضب حين لا يكون ثمة قتل وخطف وسلب وصلب على يد عباده، والشيطان هو من يبتئس ويحزن؟ للغيورين على الإسلام أن يجيبوا بما يرون، لكنه لعلهم يحسنون إلى أنفسهم ودينهم بالتأمل في هذا الانقلاب. مردُّ الأمر في تقديري هو ضرب من الجنون الديني، متولد عن الانحباس في النفس بفعل مظلومية المتكبر. هذا لا يستطيع أن يشكو لغيره أو يطلب عوناً من غيره. لا يستطيع حتى أن يصارح نفسه ببؤس حاله.

 

وفي المحصلة، لدى الإسلاميين كثير من الدين وقليل من الأخلاق، كثير من المفتين والمشايخ والهيئات الشرعية وقليل من المساواة ومقاومة التمييز والظلم. يفاقمُ أثرَ المظلومية في هذا الشأن هربٌ مستمرٌ من التفكير في الموروث الإسلامي وعلاقته بالعالم المعاصر بفعل ما يثيره التفكير من شعور بالعار وخشية من انكشاف قلة عتادنا الأخلاقي. المظلومية تساعد على عدم التفكير، ويمدُّ لها يدَ العون في ذلك افتراضُ تفوقٍ قديم، إلهي المصدر، يقضي بأنه سبق لسلافنا الكاملين أن فكروا في كل شيء مهم. الإنكار والكبرياء وخداع النفس هو الحل الذي اعتمده قادة الإسلام الحديث والمعاصر، وهو ما أثمر ظواهر متوحشة مثل داعش والقاعدة ومشتقاتهما. لكن الهرب من التفكير ليس حلاً لأي مشكلة، بل هو ما يجعل المسلمين الذين لا يفهمون أنفسهم والعالم من حولهم غير مفهومين من أحد. يرتد الإسلام بقيادة الإسلاميين إلى طائفة في العالم، قد تكون كبيرة، لكن دون مشروع عالمي من أي نوع. ثورة الإسلاميين في العالم اليوم هي ثورة على العالم وليست من أجل العالم. ثورة عدمية.

 

لا يحرك هذه السطور الغاضبة عداءٌ انفعاليٌ غير كريم للإسلام، شائعٌ وله ممثلوه. وهو بمثابة استدخال عين العدو محل الضمير، أي اللوم دون مودة، والنقد دون تضامن (كان إدوارد سعيد يقول: لا تضامن بلا نقد، وأعتقد أن ما يمكن تسميته «العقد النقدي» يتضمن أيضاً المبدأ المعاكس: لا نقد بلا تضامن، أي ليس من حقك انتقادي إن لم تكن مخلصاً في التطلع إلى انصلاح أمري). هناك قلة كرامة في استعراض بعض بني قومنا عيوبَ قومنا بتشفٍّ وتجريح أمام عيون غير ودودة ولا متعاطفة، لا تشي بغير أن شكلاً آخر من أشكال ضمور الضمير أصابهم، الشكل الذي تكون فيه العين الداخلية عيناً عدوة، والنظر إلى أنفسنا من خارج كغرباء، ودون عودة إليها. الأمثلة كثيرة، ومنها أدبٌ يلبي توقعات الغرب الغني عن مجتمعاتنا. وكان حميد دبشي قد انتقد هذا الأدب وممثليه من المخبرين الأهليين مثل آذر نفيسي وإيان هيرسي علي وتسلمية نسيرين وابن الوراق (كتاب دبشي: بشرة سوداء، أقنعة بيضاء). وليس بعيداً عن هذا الجو في سنوات الثورة السورية الشاعر أدونيس. الواحد منا يكون بلا كرامة (وإن ربما بكبرياء كاذب) إن سكت على جرائمنا، ووضع التضامن (والولاء) فوق النقد وضده. لكن الواحد منا يكون بلا كرامة أيضاً أن أوطنَ عين العدو محل الضمير، فوضع النقد ضد التضامن وفوقه.

 

يحرك هذه السطور، بالأحرى، نداء الضمير: اعتبار سياسي وأخلاقي ينطلق من أن الثورة السورية والحرب السورية واحدة من كبريات وقائع التاريخ الحديث، وأن دور الإسلاميين فيها كان شراكة في التحطيم والجريمة، وليس بحال دفاعاً عن الضحايا ونصرة للضعفاء. أمام مآسي السوريين وآلامهم ومحنهم التي لا تحصى، الإسلاميون مطالبون بتبرير أنفسهم: تبرير تفكيرهم السياسي الديني، وتبرير دينهم ذاته، وليست محن السوريين الرهيبة (ولعل أكثر الضحايا مسلمون مؤمنون) هي ما يجب أن تبرر نفسها أمامهم وأمام معتقدهم. ليس في تاريخ الإسلام كله وقائع كثيرة بحجم المأساة السورية، وهي مؤهلة لأن تكون أساساً لإعادة نظر جذرية في حال الإسلام المعاصرة ونظامه، حتى لو لم يكن الإسلاميون في هذا الحدث المهول قوى إيذاء وكراهية وإكراه. أما وقد كانوا، فإن مطالبتهم بتبرير أنفسهم والتكفير عن جرائمهم والتفكير في جذورها، تنتقل من كونها حقاً مبدئياً للضحايا إلى كونها شرطاً تحررياً وضمانة لمستقبلنا كبشر في هذا البلد المحطم.

 

أُفْردتُ سردية المظلومية (والتفوق) الإسلامية عن غيرها لسبب جوهري، يتمثل في أن المورِّدَ التقليدي للقيم الأخلاقية، الدين، فقد دوره الأخلاقي العام، بل وانقلب قوة أنانية بفعل المظلومية والطموح السياسي، ولأن من شأن الاشتباك مع هذا الواقع أن يكون منطلقنا لتطوير أنظمة أخلاقية بديلة أو منافسة، تسعف في الحياة والتوجه في العالم. لا يمكن تجديد المنابع الدينية للأخلاق من داخلها في تصوري. داخلها (بمورثاته الامبراطورية) قاد المظلوميين الإسلاميين إلى إنكار المساواة حتى وهم يعترضون على الظلم. الإسلام السياسي المعاصر، والعسكري بخاصة، هو إمبريالية مقهورة، تضطهدها إمبرياليات قاهرة، لكنها تفتقر من جانبها إلى محتوى تحرري، ولا تسعى وراء حلفاء وشركاء من ضحايا الإمبريالية القاهرة. يحفز مظلومية الإسلاميين تطلعٌ إلى استعادة نظام التمييز المديد الذي دانت السيادة فيه للمسلمين في إطار امبراطوري تمييزي جوهرياً. هذا التمييز المديد هو شكل من الظلم مولد للمظلومية، وبالتالي للهويات الملتهبة والإبادات المحتملة. تاريخ الامبراطورية في الإسلام هو تاريخ تولد جماعات من هذا الصنف، تشكل المظلومية نموذجها الوراثي.

 

لكن تجدد المنابع الدينية للأخلاق ممكن من خارجها، أعني بقدر ما تتطور منظومات أخلاقية متسقة وتوجه فعلياً سلوك قطاعات متسعة بيننا. هذه المنظومات لا تتولد من رؤوس الأفراد، لكن رؤوس الأفراد مطالبة بأن تنظر في أوضاعنا الأخلاقية، والمساعدة في خلق الحاجة إلى قيم وقواعد جديدة. ومن شأن شغل في هذا الاتجاه أن يدفع عقلاء الإسلاميين والمسلمين إلى إعادة توجيه المجمل الإسلامي في اتجاهات تبرز عناصره الأخلاقية، أو تعمل على تطوير نظم أخلاقية إسلامية حديثة.

 

ووراء هذا النقاش بمجمله، أخيراً، شعور يزداد حدة عند كاتب هذه السطور بوجوب تحويل محور النقاش حول الشأن الإسلامي من قضايا العقل والعلم والمعرفة إلى قضايا الضمير والقيم والأخلاقيات، قضايا العدالة والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية والاحترام بين الناس. ما يمكن أن يكون ميدان صراع فكري وأخلاقي وسياسي تحرري مع الإسلاميين هو الدائرة الأخلاقية، ما يتصل بقضايا الحرية والعدالة والمساواة والاحترام والكرامة الإنسانية وحرمة الحياة. والتحدي المرفوع في وجه الإسلاميين هو إما إعادة تأسيس دينهم على الأخلاق، أي تبريره أمام القيم المذكورة، أو اختراع طرق للعيش منعزلين في عالم يستحق فيه الإكراه الديني وغير الديني كل مقاومة.

 

اتجاهات تحوّل

 

فضلاً عمّا تقدَّمَ الكلام عليه من الخروج من النفس والجماعة ومن التعارف، وبخاصة من مقاومة التمييز، تقتضي مقاومة الشر السياسي، ومنه الشر الديني، العمل من أجل تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية، قد يمكن إجمالها في ما يلي:

 

أولا، التحول من الكبرياء إلى الكرامة، أي من التفاخر بما نحن عليه حتى لو كان عظيماً (فما بالك لو كان ما نحن عليه تمييزياً وغير عادل؟)، إلى الكرامة الإنسانية، أي ارتباط حقنا بحق غيرنا، وإفساحنا المجال في أنفسنا وفي مجتمعنا وفي ثقافتنا لغيرنا، ومشاركتنا مع غيرنا في مقاومة التمييز والظلم. الكبرياء تكبُّرٌ يضمر صَغَارَةً وتنافساً من صنف ما هو مألوف بين الصغار في بيئاتنا الاجتماعية. الكرامة عكسها، وهي تتضمن الكرم، والضيافة، والمروءة. الكريم لا يتوقع لنفسه شيئاً لا يناله غيره.

 

ثانياً، من الامبراطورية إلى الجمهورية. أي من مخيلة الفتح والسيطرة وامتلاك الأرض التي تسكن مخيلتنا، ولم يتقادم العهد بها في الغرب المعاصر، إلى امتلاك عام للسياسة (لا معنى للمساواة في الحقوق دون ذلك)، والشراكة بين متساوين لا تمييز بينهم، ويعملون على امتلاك العالم وإعماره وتنظيم شؤونه معاً. ومن إمبرياليتنا المقهورة التي تحلم بفتح روما إلى مقاومة القهر الإمبريالي مع المقهورين الآخرين. فيما يخصنا، المجال الإسلامي والعربي، كان مزيج المخيلة الامبراطورية والمظلومية مولداً لواحدة من أسوأ ظواهر تاريخنا وتاريخ العالم، داعش وتنظيمات السلفية الجهادية عموماً. وهي تقوم على ضمير خارجي اعتباطي، وتتمرد على العالمي في الغرب أكثر مما على الغرب في العالم، فتضع- هذه القيادات المضادة، الانتحارية- نفسها في علاقة نفي عدمية للعالم، فوق كونها قوة توحش وهلاك في مجتمعاتنا.

 

ثالثاً، من مجتمع الضمير الخارجي إلى مجتمع الأصدقاء الأنداد المتساوين. الناس في مجتمع الضمير الخارجي نسخ من بعضهم، فلا نفع من كثرتهم في غير الإخضاع والفتح. لعلهم على «قلب رجل واحد»، لكن هذا مطلب حربي وليس مطلب عدالة ولا حرية ولا مساواة. مجتمع الضمير الداخلي مكون من أفراد اجتماعيين، يمكن لكل منهم أن يكون مركز مبادرة أخلاقية، وكل منهم مجتمع بأكمله يستضيف غيره فيه. والمثال الأعلى لمجتمع الأصدقاء أن يستضيف كل إنسان الناس كلهم في نفسه، أن يكون كل واحد منا بيتاً للناس جميعاً، وكل منا في بيته مع الآخرين.

 

رابعاً، فيما يخصنا، من نقد الإسلاموفوبيا إلى نقد الإسلامية. لا يكون الاعتراض على الإسلاموفوبيا اعتراضاً تحررياً إن لم يُشفع في بيئاتنا الإسلامية بنقد الإسلامية المعاصرة، بنزعاتها التمييزية وأنانيتها. في الغرب، بالعكس، من المهم نقد الإسلاموفوبيا كشرط أخلاقي لنقد الإسلامية. وفي شرط عالمي متداخل لا وجه منصفاً للاكتفاء بهذا التوزيع للمهام، بحيث ننتقد نحن الإسلامية أولاً من أجل أن نستطيع نقد الإسلاموفوبيا، وينتقد الغربيون الإسلاموفوبيا من أجل نقد الإسلامية، يقضي مبدأ المسؤولية العالمية تطوير موقع يتيح لنا نقدهما معاً. وليس هذا الموقع إلا العالم ذاته كإطار للمسؤولية الأخلاقية، للبشر إزاء بعضهم وإزاء الحياة على الكوكب.

 

خامساً، تقويض نظريات التفوق وعقائده لا يقل أهمية عن نقد المظلوميات والاعتراض عليها. نظريات الأفضلية ومذاهبها، سواء كانت أفضلية العرق عند النازيين (لا تبعد عنها كثيراً عقيدة أفضلية البيض الخاصة باليمين الغربي: وايت سُبْرَماسي)، أو أفضلية الطبقة عند الشيوعيين، أو أفضلية الدين عند الإسلاميين، تؤسس للإبادة، ولا تؤسس لغيرها. وفوق أن التفوق يسوّغ العنصرية، فإن أكبر المذابح والإبادات الحديثة وقعت على يد التفوقيين، المتفوقين في عين أنفسهم.

 

وسادساً وفي الجوهر، من المظلومية المتمركزة حول الجماعة/ الجماعات إلى العمل معاً من أجل المساواة بين الأفراد والجماعات، حقوقياً وسياسياً واجتماعياً. ومن مجتمع المظلوميين إلى مجتمع مقاومي الظلم: أن تكون مظلوماً لا يضمن أن تكون عادلاً. الظلم هو التمييز، والعدالة هي مقاومة التمييز، وبخاصة ما نوقعه نحن من ظلم على غيرنا. مقاومة الظلم أولاً بأول هي ما تحول دون تحوله إلى مظلومية جامعة، تتطور بدورها إلى مظلومية وراثية، تحمل الإبادة في جيناتها.

موقع الجمهورية

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى