صفحات العالم

العالم اختار الشعب السوري

 

محمد خلفان الصوافي

الإمارات كانت واضحة كعادتها في مواقفها الحاسمة عندما حمل الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، المجتمع الدولي المسؤولية السياسية والإنسانية تجاه المحنة التي يعيشها الشعب السوري وأثر تلك الأحداث على دول المنطقة، وذلك عندما استقبل وزير الخارجية الأميركي الأسبوع الماضي.

وفي الواقع لا أحد يعرف متى يقتنع العالم بأن نظام بشار الأسد لا يصلح معه العلاج السياسي، وأن ما يرتكبه الآن من عمليات القتل يسيء إلى كل دول العالم، وخاصة الدول الكبرى منها، قبل أن يسيء لنفسه باعتباره أحد أقدم الأنظمة الشمولية في المنطقة.

ومن الغريب أنه في الوقت الذي يناقش فيه سياسيو العالم الأسلوب الأمثل للخروج من المأزق السوري المحرج، والطريقة المثالية لإيقاف عمليات القتل اليومي، فإن نظام بشار الأسد يتفنن في قتل الأطفال وتشريد مواطنيه باستخدام أسلحة ممنوعة عالمياً تارة، وصواريخ عابرة للحدود تارة أخرى، بل يبذل جهداً في استفزاز دول الجوار وكأنه يحاول خلق امتداد للأزمة في المنطقة العربية.

ومن الواضح أن نظام بشار الأسد اختار بإرادته التعامل بالسلاح والعنف، ليس فقط مع الجيش السوري الحر الذي يصفه بأنه «جيش إرهابيين»، ولكن حتى مع العالم الذي يحاول إخراجه من المأزق الذي وضع نفسه فيه. ومن الواضح أيضاً أنه لا يريد الخروج من هذه الأزمة بأقل التكاليف والخسائر، وهي لغة السياسة كما نعرف. وواضح كذلك من خلال تحركات دبلوماسييه أنه انحاز إلى دول لا تحمل تقديراً لشعوبها أصلاً، وليس لديها أي قبول دولي أو إقليمي، وكأنه يُبلغ العالم بأنه لا يريد علاج الأزمة إلا بـ«المعادلة الصفرية». لقد حصر النظام نفسه في هذا الإطار، إلى أن بات معزولاً حتى من جيرانه، وبات الجميع اليوم يطالبون بإسقاطه. ولم تعد المطالبة بـ«الحل السياسي» عالية الصوت كما كان الأمر قبل فترة وجيزة.

الاختيار السوري بشكله الواسع ارتقى ليشمل توسعة دائرة القلق الإقليمي باستخدامه أسلحة عابرة للحدود، في صورة توضح مدى فظاعة وبشاعة النظام في التعامل مع شعبه. ويزيد «الطين بلة» أنه أعاد توجيه تلك الصواريخ والأسلحة، فبدلاً من أن تكون موجهةً لتحرير الجولان حيث الاحتلال الإسرائيلي، صارت موجهةً لقتل الأطفال والشعب السوري، كما أن هذا الاختيار إقليمياً جعل اللبنانيين والأردنيين وحتى العراقيين والأتراك يعيشون قلقاً كبيراً من تداعياته.

ما يفعله النظام يرتقي إلى إهدار كل القيم الإنسانية، وكأننا في زمن آخر. ونظامه من طراز مختلف يكاد لا يوجد في عالم اليوم مثله.

هذه الصورة تدعونا إلى القول بأن نظام الأسد أجبر سياسيي العالم على توحيد مواقفهم، وربما بدأت دائرة الاختلافات تضيق ليكون الرأي في صالح المعارضة السورية، التي بدأ نشاطها السياسي يلقى قبولا دولياً. وربما لم يصل الأمر إلى صورة التدخل العسكري المباشر، ولكن الحديث قد بدأ عن إمكانية إدانة النظام السوري من جانب مجلس الأمن بسبب قتل المواطنين باستخدام صواريخ سكود. وبدأ الحديث عن إمكانية تزويد المقاتلين بأسلحة ثقيلة ونوعية تساعدهم على الدفاع عن أنفسهم، وكذلك عن تدريب نوعي لقوات الجيش السوري الحر من قبل القوات الأميركية.

هناك تحركات سياسية من الإدارة الأميركية، حيث شهدنا في الآونة الأخيرة جولةً إقليمية لوزير الخارجية الأميركي الجديد، جون كيري، والذي يعرف تماماً طريقة تفكير القيادة السورية وكيفية التعامل معها. وهناك زيارة للرئيس الأميركي أوباما للمنطقة ربما تغير الكثير من المواقف.

هذه كلها مؤشرات تؤكد أن العالم لم يعد قادراً على تحمُّل تجاوزات نظام الأسد، وربما يكون تركه أقرب إلى إطلاق العنان لشخص كي يخرب المنطقة على اعتبار أنه ليس لديه ما يخسره، وبالتالي فإن إيقافه ضروري.

وفي حالة سوريا، وهي واحدة من دول «الربيع العربي»، كان الأمر يجري دولياً بشكل مختلف عن الحالات الأخرى في تونس ومصر وليبيا واليمن. كثيرون كانوا يراهنون على الحل السياسي أو على قبول النظام السوري مبادرة سياسية للأزمة، بما يُجنِّب العالم استخدام آلة القتل الفظيعة ويُرضي كل الأطراف بمن فيها المنشقون عن الحكومة والجيش السورييْن. وبالتالي يمكن القول، مقارنة بالحالات الأخرى، إنه كان يتم غض النظر عما يجري في سوريا، خاصة من قبل السياسة الدولية التي لم تكن مقتنعة بإسقاط النظام نظراً لخصوصية الحالة السورية محلياً وإقليمياً، لكن النظام كان يراهن على الاستفادة من ذلك الخلاف في زيادة حالات التشريد والقتل بطريقة أحرجت العالم، وأجبرته على الوقوف ضده.

لم يترك النظام السوري أي مساحة للدفاع عنه، أو إمكانيةَ التفكير في أن يكون جزءاً من الحل القادم، فقد وقع في أخطاء لا تسمح لأي دولة بأن تبرر موقفه. اليوم هناك أطراف عديدة تميل إلى إنهاء النظام السوري ورحيله واختفائه من الوجود، وإذا لم يمكن تحقيق ذلك فإنه ينبغي ألا يشارك في المرحلة المقبلة من حياة سوريا الجديدة، على اعتبار أنه يصعب التعامل مع أفراد هذا النظام الذي أثبت أنه الأقسى إنسانياً في العالم.

ارتكب النظام السوري أخطاء لا تُغتفر على كل الصُّعُد، فمن الناحية السياسية رفض كل محاولات إيجاد مخرج له، وأنهى كل مبرر للعالم في الإبقاء عليه. ومن الناحية الإنسانية، فإن استخدامه للأسلحة الثقيلة ولصواريخ سكود أمر لم يفعله نظام من قبل، في سلوك يصعب تفسير مغزاه السياسي، حيث لا يضع أمام العالم خياراً سوى إسقاطه. وكان مؤتمر روما بمثابة إعلان بأن نظام الأسد لم يعد مقبولاً، وأن العالم اقتنع بأنه لم يعد هناك مجال لمحاولة إقناعه أو تعديل سلوكه.

الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى