صفحات الرأي

“العامّيّة” السوريّة: انتفاضةُ مجتمع العمل!


لتطاوُلِ أمدِ الانتفاضة السوريّة تأثيرٌ متناقضٌ على المجتمع السوريّ. فهو، من جهة، فرصةٌ لا نظيرَ لها للتعلّم السياسيّ، ولحيازة معرفةٍ أوسع بشؤون البلد العامّة. لكنه، من جهةٍ أخرى، يرفع الكلفة الإنسانيّة لما تصبو إليه نسبةٌ متزايدةٌ من السوريين من تغيير سياسيّ في البلد، ويُحتمل أن ينفتح على آفاق صراع داخليّ معمَّم وعلى تهديداتٍ كبرى للكيان الوطنيّ.

 1

تتيح هذه الأزمنةُ الاستثنائيّة لمئات ألوف السوريين متابعةً سياسيّةً كثيفة، وتمثِّل تجربةً مكوِّنةً لتفكير عشرات ألوف الشبّان ولشخصيّتهم، الأمرُ الذي يشكّل رصيدًا عظيمًا لمستقبل سورية. والواقع أنه يمكن تعريفُ الانتفاضة بأنها جهدٌ هائلٌ من قِبل جمهورٍ كبيرٍ من السوريين لتملّك حياتهم والاستحواذِ على السياسة، أي التنظيم المستقلّ والكلام المستقلّ والمبادرة المستقلّة، وقد صادرتْها لنفسها نخبةٌ سياسيّةٌ ضيّقة، تحوّلتْ إلى عصبةٍ مغلقةٍ منذ أربعة عقود.

ثمة بعدٌ بروميثيوسيٌّ في مسعى المنتفضين السوريين إلى انتزاع السياسة المحرّمة من هذه العصبة المتألّهة، وإلى محاولة إشراك السوريين جميعًا بها. ماركس، وكان في شبابه يحبّ العباراتِ المفخَّمة، وصف بروميثيوس بأنه “أنبلُ شهداء الرزنامة الفلسفيّة،” لكونه سرق النارَ من آلهة الأولمب وأعطاها للبشر، فكان أنْ جازته الآلهة بتسليط نسور جبال القفقاس تنهش كبده نهشًا أبديّاً. ومثلَ بروميثيوس، تمثّل الانتفاضةُ أنبلَ تمرّدٍ تحرّريّ عرفتْه سورية منذ استقلالها قبل 65 عامًا. ومثلَ بروميثيوس أيضًا، ينصبّ على المنتفِضِ الجمْعيّ السوريّ غضبُ العصبة المتألّهة: يُقتل، ويُفترى عليه، ويُشتم، ويهان، من قِبل أخسِّ ما في سورية من قوًى ودوافع.

لكنّ مَن شاركوا في هذا الفعل التحرّريّ النبيل وجرّبوا نشوةَ التمرد لن يعيدَهم شيءٌ إلى التعفّن السياسيّ والأخلاقيّ والفكريّ الذي لا يَعِدُهم بغيره النظامُ. وإذا كان هذا النظامُ مدمنًا على السلطة وعبدًا لها، فقد طوّر مئات ألوف السوريين اليوم إدمانا أقوى على الحريّة والتمرّد الجماعيّ. وفي حين عمل النظامُ طوال نصف قرن على تجريد السوريين من الاهتمام السياسيّ ونشرِ اللامبالاة بينهم، فإنّ الانتفاضة تشكّل اليوم تمرينًا جماعيّاً عظيمًا على السياسة والاهتمام بالشأن المشترك. ولعلّها من هذا الباب تدرّبٌ على الحريّة، يتمنّى المرءُ أن يطول، رغم خطورته وكلفته. وما يَسِمُ المشاركة في الانتفاضة من تفانٍ وتكرُّسٍ وغيريّةٍ من جهة، ومن مناخاتٍ أخويّةٍ مُحِبّةٍ وبانيةٍ للثقة بين الناس من جهة ثانية، ومن اختلاطٍ وتعارفٍ واسعيْن من جهةٍ ثالثة، ومن انفعالاتٍ قصوى وشراكةٍ في الألم من جهةٍ رابعة، يجعلها تجلّيًا رفيعًا للحياة، لا يتاح مثلُه إلا نادرًا.

 2

تَجمع الانتفاضةُ السوريّة الشرائحَ الدنيا من الطبقة الوسطى، وتجتذب شركاء من الطبقة الوسطى المتعلّمة والمهنيّة، وتخاطب أطيافًا جهويّة وثقافيّة ودينيّة ومذهبيّة متنوّعة من المجتمع السوريّ. وهي، بذلك، أقربُ شيء إلى “عامّيّةٍ” سوريّة، تَجْمع من السوريين ما لم يجتمعْ يومًا، عددًا ونسبةً ووعيًا بالوحدة. وهي عبْر شعارها المركزيّ اليوم، “الشعب يريد إسقاط النظام،” تمثّل التجربة المكوِّنة للشعب السوريّ، وتاليًا لشرعيّةٍ جديدةٍ قائمةٍ على الشعب والسيادة الشعبيّة.

تُعارك الانتفاضة، في ظلّ ظروفٍ بالغةِ القسوة، طبقةَ أصحاب الامتيازات، وأتباعَهم من الطبقات الأخرى. هؤلاء يدافعون عن سلطةٍ مطلقة، وعن امتيازاتٍ متطرّفة، ولا يمكنهم أن يقدّموا شيئًا لعموم السوريين. إنهم بالفعل قوّة رجعيّة، تدافع عن الماضي ومكاسبه ومواقعه. أما الانتفاضة فتُشْرك جمهورًا متنوّعًا، أقلَّ أناقةً ولمعانًا من نواة جمهور الأتباع الذي يحشده النظامُ للقول إنّ له “شعبًا” يؤازره. جمهورُ الانتفاضة شعبيّ، شعبويّ بصورةٍ ما، مستوى تعليمه متنوّع، لكنه بالغُ الحيويّة، وقويُّ الإحساس بالعدالة والظلم. والشيء المميّز أنّ الانتفاضة جَمعتْ، لأوّل مرّة في تاريخ سورية المعاصر، بين جمهور شعبيّ، محتقَرٍ ومعزولٍ عن الحياة العامّة، وبين القطاعات الأكثر حيويّةً وإخلاصًا من المثقفين وشباب الطبقة الوسطى المتعلّمة. أمّا أصحابُ المرسيدس وسيّارات الدفع الرباعيّ، فمع النظام في أكثريّتهم الساحقة.

وللانتفاضة السوريّة طابعٌ طبقيّ قد يكون أقوى ممّا ظهر في الانتفاضات العربيّة الأخرى. فهي تفجّرتْ بينما تجري في البلاد أوسعُ عمليّةٍ لتحويل الثورة العموميّة لمصلحة خواصّ فاسدين مقرّبين من الطغمة الحاكمة. وهي، بوعي تامّ، استهدفتْ باحتجاجاتها هؤلاء الفاسدين، مرموزًا إليهم برامي مخلوف. وهي انتشرتْ في البلدات والضواحي التي عانت التهميشَ والبطالةَ والفقرَ أكثرَ من غيرها. إنها ثورةُ مجتمع العمل في وجه مجتمع الامتيازات والسلطة الامتيازيّة. والطابع الأخلاقيّ للانتفاضة السوريّة، والتنديدُ المتواتر في شعاراتها بـ “الحراميّة،” مؤشّرٌ على سخط اجتماعيّ يتملّك مجتمعَ العمل حيال أولئك الطفيليين الذين يمتصّون دمَه، ويضطهدونه، وفوق ذلك يترفّعون عليه ولا يكفّون عن اتهامه بالتخلّف وتصوير أنفسهم بأنهم أرقى منه.

هذه أشياءُ قلّما يدركها يسارٌ عربيّ، ومحلّيّ، لطالما كان غارقًا في نزعةٍ اسميّةٍ تطابق بين اليسار وبين بلاغةٍ وطنيّةٍ واجتماعيّةٍ غثّة نالت، في بعدها الوطنيّ في السنوات الأخيرة، اسمًا غامضًا: الممانعة. وليست هذه في الواقع إلا عنوانًا برّاقًا لنزعة الانغلاق المحلّيّ، وقد حُقنتْ بعقيدة مكافحة الإمبرياليّة، بينما هي تَحْجب أوضاعًا سياسيّةً واجتماعيّةً قائمةً على العنف والامتياز. أما في بعدها الاجتماعيّ فآلت إلى إيديولوجيا فقرائيّة، فقيرة هي ذاتها، ممتزجة بتفكير سياسيّ متمركز حول الدولة.

لكنّ هذا ليس مهمّاً. المهمّ هو الفاعليّة التحرّريّة للانتفاضة، التي لن تقوم ليسارٍ يستحقّ اسمَه قائمةٌ إلا بقدر ما ينحاز إليها ويعمل على الربط بينها وبين قيم المساواة والحريّة.

وخلافًا لما قد يبدو للوهلة الأولى، فإنّ الانتفاضة السوريّة ليست ثورة سياسيّة فقط، ولا هي تقتصر على “نشطاء” شبّان ومناضلين سياسيين تقليديّين يتطلّعون إلى التغيير السياسيّ وحده. إنها ثورةُ العامّة، تسعى إلى قلب النظام الاجتماعيّ القائم، وفي المركز منه النظام السياسيّ لكونه بؤرةَ العنف والنهب العامّ، والحارسَ الأمينَ لأوضاعٍ تستفيد منها شرائحُ أوسعُ من المنتفعين الذين يوحِّد بينهم أنهم لا يعملون، أو هم يجْنون مكاسبَ كبيرةً من مشاريع وأعمال ينالونها عبر الامتياز والولاء.

الانتفاضة تمرّدٌ لمجتمع العمل على مجتمع السلطة والامتياز، كما قلنا. هذا هو الشيء الجوهريّ. ويكون إنجازُها مطابقًا لمحرِّكاتها الاجتماعيّة العميقة إنْ هي أعادت بناءَ النظام الاجتماعيّ والسياسيّ وسُلّمِ القيم حول العمل، بما في ذلك المعرفةُ والكفاءةُ، ضدّاً على الثروة والسلطة. لقد قام النظامُ البعثيّ منذ وقتٍ مبكّر، وبصورةٍ أوضح منذ سبعينيّات القرن العشرين، على مكافأة الولاء والسلطة، وعلى مكافأة القرابة والامتياز في وقتٍ لاحق، على حساب العمل. وفي العقدين الأخيرين من القرن العشرين انهارت قيمةُ العمل تمامًا، وانهارت تاليًا قيمةُ مجتمع العمل أو وزنه السياسيّ والثقافيّ؛ بينما رُفعتْ قيمةُ السلطة إلى السماء، وصار الرئيسُ ربّاً يُعبد، والولاءُ له هو القيمة العليا المطلوبة، وتمتّعت المخابرات ـ اليدُ الضاربة لحكم العصبة الممتازة ـ بحصانةٍ مطلقة. وفي الوقت نفسه أنتجت السلطة أثرياءَها الجدد، مهرِّبي الآثار والمخدِّرات، أو ببساطة سارقي المال العامّ. وهؤلاء يستطيعون في سورية فعلَ كلّ شيء على الإطلاق، بدرجةٍ لا يحلم بها مليونيرٌ في أيّ بلد غربيّ. وفي السنوات الأخيرة، بعد 2005 بالخصوص، شكّل هؤلاء البلدَ على صورتهم، وانتقلوا من “النضال” الاقتصاديّ السرّيّ، أي الاختلاسِ والسرقةِ والتهريبِ والتشبيح، إلى النضال العلنيّ، عبر احتلال الدولة، وظهورِهم نموذجًا مرغوبًا ومتفوِّقًا. ولقد كرّس التلفزيونُ السوريّ، بأقنيته الثلاث، يومين لتغطية أخبار التحوّل المزعوم لمن يُفترض أنه مواطنٌ عاديّ، رامي مخلوف، إلى “العمل الخيريّ.”

ليس “التطويرُ والتحديثُ” إلا الإيديولوجيا التي تضفي الشرعيّةَ على ثروة هؤلاء، وعلى موقعهم الممتاز من الموارد الوطنيّة، بذريعة “مقتضيات التنمية وتحفيز الاستثمار.” أما العقيدة البعثيّة، في تصريفها الممانع بخاصّة، فهي لغةُ رموزٍ تساعد إيديولوجيين متكسّبين على أن يخدعوا أنفسَهم، بينما هم يتمرّغون في أحضان المخابرات، ويَظْهرون على الشاشات السوريّة يَعِظون عمومَ السوريين بالوطنيّة، ويقضون أوقاتًا ممتعةً على حساب الشعب السوريّ في فنادق النجوم الخمسة فما فوق. وقد يقتضي الأمرُ تناولاً موسّعًا، آملُ أن أقوم به يومًا. لكنْ يبدو مرجَّحًا جدّاً في نظري أنّ الانتفاضة ردٌّ على سياسة “التطوير والتحديث” ككلّ، هذه التي تَجْمع بين تسلطيّةٍ سياسيّةٍ فظّة، ونمطِ تنميةٍ محابٍ للأغنياء ومراكز المدن، وإيديولوجيّةٍ حداثيّةٍ ترمز إلى نمط حياةٍ يَجْمع بين اليسر والاستهلاك و”الانفتاح.” وهذا المزيج هو ما يميّز عهدَ الرئيس بشّار الأسد منذ بداياته.

 3

وإذ لا تستهدف الانتفاضةُ التسلّطَ السياسيَّ وحده، وإنّما تتجاوزه إلى ارتباطاتٍ اجتماعيّةٍ وإيديولوجيّةٍ له، فإنّ هذا ما يُسبغ عليها طابعًا أكثر جذريّةً ممّا تبدو للوهلة الأولى. وهو ما يقتضي أن يكون موضعَ تبيّنٍ من قِبل طيفٍ أوسع من المثقفين والناشطين السياسيين، بهدف دفع الانتفاضة إلى الأمام، وتحصينِ التحوّل السياسيّ المحتمل.

والواقع أنّ ما يَنْصب حواجزَ قويّةً ضدّ الطائفيّة هو تكوينُ الانتفاضة هذا بالذات. فالشأن الطائفيّ يقع خارج محور اهتمامها لأنّها موجَّهة ضدّ مجتمع الامتياز والسلطة، لا ضدّ أيّة جماعة دينيّة أو مذهبيّة. والمسـألة ليست مسألة وعي، بل مسألةُ تكوين اجتماعيّ… أو لنقل إنّ تكوين الانتفاضة الاجتماعيّ، المضادَّ لمجتمع الامتيازات والسلطة المطلقة، هو ما يحدِّد وعيَها الوطنيّ المترفّع على الطائفيّة. وهو السرّ في انجذاب شبّانٍ ومثقّفين من مختلف المنابت الدينيّة والمذهبيّة المتاحة في سورية إلى المشاركة في أنشطتها… بل هو السرّ أيضًا في حصول تقاربٍ غير مسبوق على مستوى أنشطتها الميدانيّة والإعلاميّة بين أناسٍ ذوي تكوين إسلاميّ تقليديّ، وبين شبابٍ علمانيّ، بمن فيهم نساءٌ عصريّاتُ التفكير والسلوك، كما في تطوير مفهوم أكثر استيعابيّةً ومرونةً للعَلمانيّة.

أما من جهة تحالف السلطة والثروة، فالطائفيّة تبدو أداةً مجرّبةً للدفاع عن الامتيازات، ووسيلةَ حكمٍ رخيصةَ الثمن. إنها القوة التي تتيح تسخيرَ محرومين للدفاع عن أوضاع يَشْغلون فيها موقعَ غير المستفيدين بالمعنى المادّيّ المباشر. وعلى العموم، فإنّه يبدو أنّ ما يحرِّك الطائفيّة في سياق الانتفاضة السوريّة ليس الخوفَ غير العقلانيّ من مصيرٍ قاتمٍ إنْ تغيّرت الأوضاعُ السياسيّة القائمة، بل الخشية من ضياع امتيازاتٍ غير شرعيّة. فهنا أيضًا تنبع الطائفيّة من التكوين الاجتماعيّ للنظام، أو بالتحديد من الطابع الامتيازيّ للمصالح التي يرعاها، أكثر ممّا هي وعيٌ قديمٌ أو “ضالّ.” ليس هناك أفضل من تصوير الصراعات الاجتماعيّة بأنها صراعٌ بين ماهيّات أو أصناف اجتماعيّة، بعضُها متفوّقٌ جوهريا على بعض، لحماية امتيازات غير مرتبطة بالعمل. وسيبدو أنّ مشكلة قطاعات واسعة من السوريين مع رامي مخلوف مثلاً ذاتُ علاقة بمنابته وأصوله، لا بامتيازاته غير الشرعيّة؛ غير أنّ السوريين تكلّموا عليه كحرامي، لأكثرهم خبرةٌ شخصيّةٌ بسرقته لمقدّراتهم، وربطوا بينه وبين السلطة العموميّة التي يُفترض أن تحميهم منه بدلاً من أن تحميه منهم، ولم يشر أحدٌ إلى أصوله وفصوله.

من المهمّ القول في هذا السياق إنّ ما يَلْزم لإبراز العمق الاجتماعيّ للانتفاضة هو ذاتُه ما يناسب لعزل الطائفيّة وتحييدِ مفاعليها الاجتماعيّة والسياسيّة المخرِّبة؛ وأعني: إظهار المحرِّكات الطبقيّة للانتفاضة، والكشف عن تجذّرها في التحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة في سورية في العقود والسنوات الأخيرة. ومن شأن ذلك أيضًا أن يضفي مزيدًا من الجذريّة على الانتفاضة السوريّة، لتتحوّل من تغيير الواجهة السياسيّة إلى تغيير النظام، بل لتتحوّل من تغيير النظام إلى تغيير اجتماعيّ أكثر جذريّةً يستجيب لتطلّعات الشرائح الأكثر حرمانًا إلى المشاركة في الحياة الوطنيّة الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة. فإنْ لم يحصلْ ذلك، ومن المحتمل ألاّ يحصل اليوم لضعف القوى التي قد تدفع الانتفاضةَ نحو مزيدٍ من الجذريّة، فإنّ الثورة السياسيّة قد تُتبع بثورةٍ اجتماعيّةٍ خلال وقتٍ قد لا يطول. وربّما يكون لالتقاء المطالب الاجتماعيّة التي لا يلبّيها نمطُ تنميةٍ متمحورٌ كليّاً حول الاقتصاد، وظهورِ جيلٍ جديدٍ أنضجتْه ديناميكيّاتُ الانتفاضة والتغيّر السياسيّ التالي لها، أن يَدفع نحو ثورة أكثر جذريّة وأكثر ديمقرطيّة.

يصعب التكهّنُ بالمستقبل في طبيعة الحال. ولا نقول شيئًا عن هذه الآفاق المحتملة إلاّ من باب شحذ الوعي بأوضاعنا الحاضرة، المتحرّكة.

 4

إنّ مشاركة مئات الألوف من الشباب الذين تتّسع مداركُهم كلَّ يوم، ويتعلّمون أشياءَ جديدةً عن بلدهم ومجتمعهم ومواطنيهم، وعن أنفسهم، وعن العالم، هي استثمارٌ عظيمٌ في مستقبل البلد. ويَحْمل التنشيطُ السياسيُّ الواسع الذي أتت به الانتفاضةُ ما يتجاوز وعدًا بنهاية النظام الكابوسيّ القائم إلى حياةٍ سياسيّةٍ صاخبة، سبق أن عَرفتْ سوريةُ أمثلةً عنها بين استقلالها والحكم البعثيّ. ومن المحتمل جدّاً أن يعود المجتمعُ السوريُّ ذلك المجتمعَ الذي تحدّث عنه رئيسُه المنتخب شكري القوتلي ذات يومٍ من عام 1958: كلّه من السياسيين، ونصفُه من الزعماء، وربعُه من الأنبياء!

وإنما لذلك سيتعيّن على الكتلة التاريخيّة للانتفاضة السوريّة أن تبلور توازناتٍ جديدةً، تصون الحريّةَ المكتسبةَ بعد كفاحٍ شاقّ، وتَضْمن استقرارًا مواتيًا للتراكم الوطنيّ، وتؤسِّس لنشوء تقاليدَ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ جديدة. وهذا يعيدنا إلى الجانب المأساويّ من الأزمة الوطنيّة السوريّة، وما تثيره هذه من أسئلة سياسيّة وأخلاقيّة وقانونيّة.

من المحتمل جدّاً أنّ عدد شهداء الانتفاضة السوريّة أكبرُ بكثير من آخر الأرقام الموثّقة بالاسم: 1650 [كُتب المقال في 10/7/2011 ـ الآداب]. وهناك أضعافُ هذا الرقم من الجرحى، وأضعافٌ أكبر من المعتقلين المعرَّضين لتعذيبٍ متطرّفٍ في وحشيته. هذا ليس فقط تحطيمًا لحيواتٍ بشريّةٍ عزيزة ، ولا هو مجرّد سلسلة من فواجع أُسَريّة لا تُنسى، وإنّما هو أيضًا تحطيمٌ لمعنى سورية أو للكلام عليها كأرضٍ وشعبٍ ودولة.

إلى ذلك، يَطْرح التعاملُ الإجراميُّ المتطرّفُ مع الانتفاضة السوريّة، والذي يزيده إجراميّةً طابعُه التمييزيُّ المكشوف، مسألةَ العدالة والمحاسبة والمسؤوليّة. كيف تمْكن محاسبة من قَتلوا أو أمروا بقتل مئات السوريين، أو ربّما ألوفهم؟ ومَن عَذّبوا وأمروا بالتعذيب؟ قبل أن يكون هذا حقّاً لأهالي الضحايا، هو حقٌّ للبلد. بكثير من العنف والدم والقتل تحت السقف السوريّ لا يمْكن هذا البلدَ أن يتعافى.

لكنْ هل يتعارض الإصرارُ على تحقيق العدالة مع مقتضيات التفاهم الوطنيّ؟ هل من سبيل إلى مصالحةٍ وطنيّة من دون عقاب القتلة؟ هل هناك عدالة عليا، تتصل بسلامة كيان البلد والمجتمع، يتعيّن تحكيمُها في العدالة القانونيّة؟ قد يكون هذا الأخير واحدًا من الأسئلة المهمّة في السياسة السوريّة في وقت غير بعيد. لكنّ الشيء الوحيد الذي قد يبرِّر التضحية بالعدالة القانونيّة من أجل المصالحة والمصلحة الوطنيّة هو تغييرُ النظام، وبناءُ سورية جديدة أصلح.

5

إنه تاريخٌ جديدٌ، هذا الذي يبدو أنّ سورية تُقْبل عليه. وهو يَطْرح أسئلة صعبة لا إجابات مضمونة لها. وهذا الشرط هو أحد معاني الحريّة: كثير من الأسئلة والمشكلات، وقليل من الإجابات والأوضاع المستقرة. وكثير من الخيارات والحيرة، وقليل من اليقين. الأرجح أنّ وقتًا سيمضي قبل الاهتداء إلى توازناتٍ فكريّةٍ واجتماعيّةٍ ومؤسّسيّةٍ مناسبة.

المقالة منشورة في مجلة الآداب, عدد ٧-٩ /٢٠١١

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى