صفحات العالم

العرب والمهمة المستحيلة

 

 

رأي القدس

عرّى انطلاق الثورات العربية النسيج المتآكل للمنطقة العربية، ودفع بكل إشكالياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية المختبئة الى الواجهة. تهافتت الأنظمة وتكسّرت بناها الشكلية من جيوش وأجهزة أمنية ووزارات، كما تدمّرت، في بعضها، البنى التحتية من أسواق ومعامل ومدارس ومستشفيات، فاتحة المجال لانتهاك سيادات الدول وأجوائها وتلاعب قوى إقليمية وخارجية بقراراتها.

تكشّف المشهد العربيّ عن ثلاثة سيناريوهات كبرى، فتموضعت بلدان مثل المغرب والأردن في قائمة الناجين، حتى الآن، من العاصفة الكبرى التي تدور قريباً منهما.

لا يتمتع البلدان، كما بلدان الخليج العربي، بثروات نفطية أو طبيعية كبرى، وبالتالي فهما لا يمتلكان رفاهية رشوة القطاعات الاجتماعية المهمّشة، كما فعلت بعض بلدان الخليج العربي، مثل السعودية؛ وقدرة هذين البلدين على صدّ مفاعيل الزلزال العربي الكبير تكمن ربما في الآليات المرنة التي يستخدمها البلدان، والتي قامت باستيعاب مدّ الإسلام السياسي في المنطقة الذي رافق صعود الثورات، لأسباب معروفة ومفهومة كثيرة.

وقامت تونس بخطّ طريق مشابه بعد ثورتها، وتمكنت نخبتها السياسية والعسكرية بضبط المشهد المدني والديمقراطي مما جعلها قادرة على هضم الموجة الإسلامية للثورة، وكذلك ردّ فعل الثورة المضادة، وهو ما مكّن البلد من عبور خطر كبير.

دول الخليج العربي، ورغم الثراء الذي يعمّ أغلب بلدانها، لم تنج من آثار الاستحقاق التاريخي الكبير، فاضطرت إحداها (البحرين) لاستدعاء قوة خليجية موحدة لوقف التظاهرات المناهضة للنظام، وقام بعضها الآخر بإجراءات قمعية صارمة وأصدرت قوانين «مكافحة إرهاب» وسحب للجنسيات، ونقل بعضها الصراع إلى خارج بلدانها حيث قامت بتمويل حركات سياسية وعسكرية ووسائل إعلامية، بل وقامت إحداها (الإمارات) بالمشاركة في قصف حركات عسكرية سياسية في بلدان بعيدة عنها.

غير أن أكثر البلدان التي تعرّضت للتهشم التاريخي العنيف كانت سوريا والعراق واليمن، فيما اختبأت المعضلة المصرية خلف الجيش الذي أمسك بزمام الأمور، وتمكّن بجرعات مالية خليجية ضخمة من تأجيل الموعد التاريخي مع التغيير مرة جديدة.

وإضافة الى العامل العربي المضاد للثورات، داخل البلدان الثائرة نفسها، وفي محيطها القريب (الجزائر في المغرب العربي، ودول الخليج في المشرق)، ساهم العامل الإيراني كثيراً في تكسير الثورات وتحويلها عن سكّتها المدنية والديمقراطية الحديثة باتجاه سكّة دينية وطائفية، مما استنزف الكثير من طاقاتها، وجعلها تدور في دائرة عنف عبثية مهلكة لكل أطرافها.

يطرح المشهد العربيّ الحالي على الشعوب والنخب والحركات السياسية والأنظمة إشكاليّات تبدو مستحيلة الحلّ، فحركات الإسلام السياسيّ المعتدلة وجدت نفسها مطاردة مثلها مثل الحركات المتطرّفة التي تحارب وتقتل الجميع، بمن فيها «الإخوان المسلمون» والأحزاب القريبة من أفكارهم، والأنظمة العربية استردّت أنفاسها بعد استعادة الجيش المصري للسلطات، لكنّها تعلم أنها غير قادرة على مواجهة الاستحقاقات التاريخية، أو مواجهة الحيوية والدهاء الإيرانيين، أو استقراء التجربة التاريخية المستقرة للإسلام السياسي في تركيا، أو حلّ القضية الفلسطينية.

النخب السياسية غرقت في أمواج الاستقطابات السياسية بين محاور إيران، السعودية وتركيا – قطر، أما الشعوب فلا تجد غير طريقين مهلكين: أن تكون وقوداً للعنف المجانّي للأنظمة وأدواتها والحركات الممولة والمسلحة منها، أو تيّارات السلفية الجهاديّة التي تحاول منافسة الأنظمة في تركيب الوزارات وإنفاذ القوانين وجبي الضرائب ووضع الحواجز واعتقال أو قتل كل من يقف في وجهها.

الكلّ خائف من المشهد والكلّ يستثمر فيه، بما فيهم إسرائيل التي تغوص أصابعها الخفية في المنطقة وخصوصا في فلسطين وسوريا ولبنان ومصر. «الدولة اليهودية» العتيدة الآن تواجه دولاً مستجدة وقديمة تنسج على منوالها في تحويل الدولة المدنية الى دولة لاهوتية، من «الجمهورية الإسلامية» في إيران، إلى «أنصار الله» و»القاعدة» و»أنصار الشريعة» في المشرق والمغرب و… «الدولة الإسلامية» العتيدة في العراق والشام!

القدس العربي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى