تهامة الجنديصفحات الناس

“الفايسبوك” صورنا الماكرة وعبورنا الخفيف/ تهامة الجندي

 

 

كنت واحدة من الصحافيين السوريين الأوائل، الذين اشتركوا بخدمة الإنترنت، بعد فترة وجيزة من إتاحتها للعموم بداية عام 2000، وصرت أقضي ساعة الصباح الأولى بتصفّح مواقع الدوريات العربية، ثم أفتح بريدي، وأجده مليئا بالدعوات والرسائل من كل البلدان، بعد أن وزعته على كل المنابر الثقافية التي أرتادها، والصحف التي أراسلها، والناس الذين أعرفهم، وربما كنت الأولى من بين أقراني التي أجرت حوارات مع كتّاب عرب وأجانب عبر الإيميل، بدأتها مع الباحث البريطاني كيت وايتلام، بمساعدة ترجمة الصديق زياد منى، لكني على الرغم من هذه الريادة المتواضعة، لم أسمع بالفايسبوك حتى أوائل عام 2009.

كان بريدي الإلكتروني على موقع «الجمعية السورية للمعلوماتية» وكانت المحادثات ممنوعة، ومواقع التواصل الاجتماعي محجوبة، ومعها كل الدوريات العالمية والعربية التي تنتقد النظام، وقد استعضت عن الأخبار المحجوبة بقناتي «الجزيرة» وال «بي بي سي»، أما أمر التعارف والدردشة على الشبكة العنكبوتية، فلم أكترث به على الإطلاق، طالما أنني مشغولة طوال الوقت، ومهنتي تتيح لي باستمرار فرص اللقاء الحي واليومي مع كل من أرغب، ومن لا أرغب بهم، غير أنه مع مرور الزمن، وأثناء جلساتي مع أصدقائي المثقفين، بدأت تتناهى إلى سمعي معلومات مبّهمة عن تجمّعات وأنشطة، لا أدري متى، وأين تحدث؟.

في البدء اعتقدت أن الأمر يتعلق بالدوريات المحجوبة، وبدأت أستفسر عن طرائق كسر الحجب. لم يكن الأمر بالسهولة والعلنية التي تبادرت إلى ذهني، كان فك الحصار يتم بسرّية تامة، ويعاقب عليه الجاني عند اكتشافه، ولا أحد ممن يبحرون في المحجوب على استعداد للإدلاء بمعلوماته. بعد عامين من المتابعة والتدقيق والتمحيص علمت بوجود منافذ وبرامج مجانية لهذا الغرض، واستخدمت «الأولترا سيرف» وموقع «بريكين إفري سينغ»، ونجحت لفترة قصيرة في الدخول إلى «النهار» و»المستقبل»، و»القدس» لكني لم أعثر على ضالتي، وامتلأ كومبيوتري بالفيروسات والديدان والبرامج الضارة، وكانت الحكومة السورية قادرة دوما على إفشال مخططاتي، وتعطيل منافذ وبرامج الكسر، فاستغنيت عن هذه اللوثة، وعدت إلى إبحاري الآمن ومواقعي المسموحة.

عاودتني اللوثة بعد قراءتي عن الفايسبوك في نشرة «كلنا شركاء» التي صارت تصلني عبر بريدي الإلكتروني، وبعد سماعي باعتقال المدوّنة طلّ الملوحي. أيقنت ان ثمة قنوات وأساليب للاتصال وتبادل الأخبار والآراء، أجهلها تماما، وعدت إلى الكواسر، حاولت كثيرا، وفشلت في الدخول إلى أكثر مواقع التواصل الاجتماعي شهرة، مع أني اكتشفت أن كل من أعرفهم، كانوا قادرين على الدخول بطرقهم الخاصة، التي لم يفشوها أبدا أمامي.

صار الدخول إلى موقع التواصل المحجوب هاجسي وحلمي، سيما بعد اندلاع الثورة في تونس، ولا أنسى فرحتي في تلك الليلة العصماء من أوائل عام 2011، حين تُوجت محاولاتي بالنصر، ودخلت «الفايسبوك» كمن يدخل أبواب الجنة، كانت الصفحة الرئيسية ترحب بي، وتدعوني للتسجيل، قرأت الإرشادات وطبقتها، وانفتحت صفحتي الشخصية، لكنها صدمتني بأنها خالية تماما، وتقع على عاتقي مسؤولية ملأها بمعلوماتي وأصدقائي وأخباري. كانت الشمس قد أشرقت في غرفتي، وقررت أن آخذ قسطا من الراحة، ومن ثمة أفكر كيف سأتدبر الأمر. وحين استيقظت من غفوتي، أدركت أن الحكومة السورية، هي من ألغت الحجب، وليست شطارتي.

فتشت في ألبومي عن صورة جديدة لي، ولم أعثر، فأنا ألتقط وجوه الآخرين، ولا أصوّر نفسي، وتحايلت على المربع الفارغ بوضع صورتي التي تصغرني بسبع سنين، وطلبت صداقة زميلي الشاب يامن، وانهالت عليّ طلبات الصداقة من الشباب والشابات، وكانت المصادفات قد جمعتني بأغلبهم على أرض الواقع، ومع انطلاق الثورة السورية انفتحت صفحتي على مجايليّ من الكتاب والفنانين والنشطاء، وبت لا أرضى بغير صداقة الأحرار، وأسعدني أن معظم معارفي السابقين، ومن كتبت عنهم من المعارضين، تصدروا لوائح الشرف التي خطها الثوار على باب الحرية، حينها شعرت بالنشوة والفخر لأول مرة في تاريخي المهني.

كنت أجهل كل شيء عن قوانين وأخلاقيات هذا العالم الافتراضي، لا أجيد إدارة صفحتي، ولا التواصل بمن عليها، لا أدرك أهمية تسجيل الإعجاب، ولا التعليق على البوستات أو الرد على التعليقات، جربّتُ كتابة البوستات مثل اغلب أصدقائي، وفشلت، استعضت عنها بمشاركتهم منشوراتهم، وكتابة مقتطفات من قراءاتي تعكس موقفي من الثورة، كقول المسيح «من قال سلاما للظالم، فقد اشترك معه بالظلم»، أو جملة شيلر «كن مخلصا لأحلام الشباب».

كنت أرتبك حين أدخل صفحتي، وكأن الجميع يحدقون بي، وكنت أشعر بالضيق، حين تقفز نافذة المحادثة أمامي، ماذا يريد، وماذا أقول؟ وكنت أختصر دوما بالدعوة إلى التعارف الحي، حيث العين مغرفة الكلام، وبإمكاني قراءة دواخل الآخرين، ولا أدري بماذا كان يفكر أولئك الأصدقاء، الذين بادرت ودعوتهم إلى لقائي.

كل تلك الإرباكات والإخفاقات، لم تمنعني من الافتتان بإمكانات هذا الفضاء الوهمي، وصرت أقضي ساعتين وأكثر في قراءة ما ينشره أصدقائي. لم يعد مهما البحث عن كواسر لفتح المواقع المغلقة، كل المقالات الهامة والأحداث والأخبار والشرائط المصوّرة والأغاني، أجدها بلا جهد على صفحتي الرئيسة، وحدث أني مع بداية الثورة المصرية، استطلعت رأي بعض المثقفين السوريين الشباب بـ»الربيع العربي»، وأرسلت تحقيقي إلى «الكفاح العربي» حيث كنت أعمل، ولم يُنشر، فنشرته على الفايسبوك، مرفقا باعتذاري ممن حاورتهم، وفُوجئت أن التحقيق المرفوض، انتقل إلى موقع «كلنا شركاء»، وشاركني به عدد من أصدقائي، وأحدث أكبر صدى عرفته كتاباتي حتى تلك اللحظة، حينها شعرت أن «الفايسبوك» هو الإعجاز البشري بعينه، الذي حرمتنا منه سياسة الحجب والممانعة لسنين طويلة.

بدأت أطيل الجلوس أمام شاشتي، مع بدء الثورة السورية، أتقصى أخبارها بحبور لم أعرفه في حياتي، ثم جاءني «بيان الحليب» ووقعته، وبعد حين وصلتني أول رسالة تهديد، قرأتها مليا، وأنا أتصبب عرقا، من الخوف الذي حسبتني كسرّته مرة وإلى الأبد، حذفت الرسالة، ولذت بصمتي، وعلى صفحتي بكيت اعتقال أصدقائي واحدا تلو الآخر، زاهر، ضحى، مي، إحسان، عروة، جيفارا…. بعضهم لم تطل إقامته، وبعضهم قضى تحت التعذيب، وآخرون لا يزالون في السجن مثل مازن درويش.

ولم تمضِ أربعة شهور على الثورة، حتى تقاسم الشهداء صفحتي، وصارت أشبه بنعوة دائمة، وجنازة لا تنتهي، وبدأ الفتح العظيم بجسد حمزة الخطيب وحنجرة القاشوش، ثم بكيت مقتل صديقيّ الشابين تامر العوام وباسل الخطيب، وحسب الارشادات الاحترازية، كان عليّ أن ألغي صداقة كل من استشهد، أو وقع في القبضة الأمنية، ولم يمضِ العام حتى كنت مضطرة إلى إلغاء قرابة المئة من أصدقائي، وكان معظم من بقي على الصفحة، قد فر بجلده، وغادر الحدود السورية.

صرت أتجنب دخول صفحتي، أخشى أخبارها، ونوبات الذعر والبكاء التي تعتريني، أخاف الإحساس بالذنب الذي يعذبني، وباعد من زياراتي لها بطء شبكة الاتصالات وأعطالها، وانقطاع التيار الكهربائي لمدد طويلة، بت أدخلها مرة كل شهر أو شهرين، وبعد عامين أغلقتها، قبيل نزوحي إلى لبنان بزمن قصير.

بعد أن هدأ روعي في بيروت، فتحت صفحتي الثانية على الفايسبوك، ومرت شهور ولم أدخلها، ثم وضعت علم الثورة على الغلاف، وصورتي الجديدة مع سيجارتي في الإطار، ولم ينقضِ وقت طويل، حتى امتلأت الصفحة بصداقات من طلبتهم وطلبوني، ومن جديد عدت أشعر بالإحراج، مازلت أجهل أدبيات هذا العالم، وكيفية التحرك فيه، وبالتدريج بدأت أتعلم فن البوست، وأستسيغ الدردشة مع معارفي السوريين، القريبين من قلبي، البعدين عن عيني.

وأنا أقرأ أصدقائي، وأتابع أخبار الثورة باهتمام، لاحظت ان ليس كل ما يُنشر بريئاً، ويعكس الحقيقة، كما كنت أعتقد. ثم بدأت أنتبه أن بعض الوجوه تغمرني بالغبطة، وتجعلني أبتسم، ما إن تطلّ عليّ، وأن تسجيل الإعجاب، بعد كتابة البوست مباشرة، قد يكون بمثابة التحية، وفي بعض الأحيان يكتسي مذاق القبلة على الخد أو فوق الجبين، ثم ضبطّتُ نفسي متلبّسة بميلها الزائد إلى أحد الأصدقاء، وأمسكتها مرارا تفتح صفحته، وتتلصص عليه، وأحيانا تشعر بالغيرة من صديقاته المقرّبات، زجرّتها وأعدّتها إلى الطريق القويم، أيُعقل بعد هذا العمر المديد، أن تقعي في هوى صورة؟ ولم أكن وحدي، كل الفسابكة يولعون بالصور، ولا أدري، هل هي عزلة الروح، أم شروخها التي تحتاج كل هذا الوهم؟.بكل الأحوال لم أولع بصفحتي الثانية، ولم أُكثر من زياراتي لها، مرة لغلاء الاتصالات في لبنان، ومرة بسبب انقطاع الكهرباء، وثالثة لأن إخفاق الثورة السورية في تحقيق نصرها بعد أربع سنوات، حرمني كل متع الحياة. لكني اكتشفت هذه المرة أن ثمة نجوماً ولاعبين وكومبارس من كل الأصناف على الفايسبوك، يصنعهم فن البوست والتعليق عليه. ماذا ننشر في يومياتنا، وكيف ننشره؟ هو صورتنا الافتراضية أمام الآخرين، أو ربما تكون الصورة الأكثر واقعية عنا.

اللغة بكل احتمالاتها وكناياتها واستعاراتها، بكل رفّعتها وسقطاتها، هي التي تصوغنا وترسم ملامحنا. ثمة من يجيد التعبير بالمحكية، ويطلق نكاته الذكية في الفضاء، وآخر يحسن استخدام الفصحى الأنيقة، ويتأمل في أحداث الحياة، وهناك من يتلعثم ويتعثر ويفشل بكل اللغات. البعض ثرثار وصدامي، والبعض حذر وقليل الكلام. هناك من يبتكر جمله الخاصة، وهناك من يسرق جمل الآخرين وأفكارهم، وثمة عبارات تكشف عن رجاحة العقل وسعة الإطلاع، وأخرى عن ضيق الأفق والتعصّب المقيت.

ثمة ادعاء مفّرط، وتواضع يثير الفضول، بذاءات تستدرج القرف، ودماثة تفتح القلوب، تخفّي يوقظ الريبة، وإشهار يوطّن الثقة، أحرار وشبيحة وتكفيريون في كل مكان، ومن كل الانتماءات والأديان والطوائف. «الفايسبوك» معرض فسيح لطبائع البشر، هو نحن بمشاربنا المتعددة وأخلاقنا، مشاعرنا وقناعاتنا، تشابهنا واختلافنا، ولهنا بالظهور، والاستئثار باهتمام من حولنا، صورنا الماكرة، وعبورنا الخفيف على الأرض.

المستقبل

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى