صفحات الثقافةهيفاء بيطار

القسوة/ هيفاء بيطار

 

لطالما شغلتني حالة القسوة التي هيمنت على أرواح الناس. ولأنني في قلب الجحيم السوري وأشهد على نزف أحبتي، ودمار بيوتهم وآمالهم، فقد وجدتني أمام حالة خطيرة من تصحّر المشاعر الإنسانية، ومن أشكال مُروعة للقسوة التي لم أصدق يوماً أنها ممكنة.

وكم أشعر بالألم والخجل حين أتصفّح ما يكتبه الأصدقاء على “فيسبوك” فأجد مثلاً كتابة رقيقة تنضح ألماً وشاعرية وأملاً لصديق، وتحتها مباشرة كتابة لا تقل عن الأولى رقّة وشاعرية وتنضح بالمحبة والتعاطف مع المعذّبين السوريين لصديق آخر.

لكن ما لا يعرفه بقية الأصدقاء “فيسبوكيين” أن هذين الصديقين المتنافسين في الكتابة الوجدانية الرقيقة والمُشبعة بالإنسانية، هما “عدوان” لدودان، حذف كل منهما الآخر من صفحته وطرده من روحه، فلا يتمكن أي منهما من قراءة ما يكتبه الآخر.

وربما من سخرية القدر أن كتابتيهما متجاورتان دوماً. لكن الأكثر سخرية أنهما أخوان من أم واحدة. أمّ لم تتخيّل يوماً أن رحمها سينجب أخوين يقطعان بكل قسوة حبال المحبة والأخوة والتسامح.

كنت أعتقد أن الألم يوحّد بين الناس ويجعلهم أكثر رقة وتعاطفاً في علاقاتهم بين بعضهم بعضاً.

لكن للأسف ما نلاحظه هو العكس. يبدو أن الألم حين يصبح هائلاً ويفوق قدرة الإنسان على التحمّل يجعل الروح تجف وتتيبّس كغصن شجرة مقطوع من جذع أمّه، وقد رمي بإهمال على الأرض حتى جفّ، ومات كما يموت آلاف السوريين من دون أن يرف جفن للعالم بأسره.

لكل إنسان طاقة معيّنة على التحمّل، وفي الحالة السورية، نفد الاحتياطي من الصبر لدى الناس. القلب صلبه الألم. ألم صاعق ووحشي مستمر على مدى سنوات يحول القلب الدافئ بالمحبة والحنان إلى عصيدة صلبة متخشبة من القهر، وعاجزة عن الحب.

يبدو أن ليس القلب أو الدماغ وحدهما يصابان بسكتة تقتل صاحبهما، بل إن الصداقات والعلاقات الإنسانية بين الإخوة والأصدقاء تُصاب بسكتة أيضا تجعلها تموت، وتجعل سنوات طويلة من المحبة والمشاركة والذكريات والعيش المشترك والأحلام تداس بوحشية.

لماذا تلك القسوة الوحشية التي صبغت حياتنا؟ لماذا صرنا غير مبالين بخسارة صداقات أو بذلك الجفاء المُخزي والقطيعة بين الإخوة؟ هل العلّة فينا أم في ذلك السرطان الذي أصاب أرواحنا وحوّل حريرها إلى فولاذ؟

لسنا نحن من يجب أن يُدان، بل وحشيّة الألم الذي ينهش أرواحنا وقلوبنا منذ سنوات. الألم حين يزيد عن طاقة الإنسان على التحمّل يشوّه الروح. ما القسوة إلا أعلى درجات الألم الإنساني، حيث تذوب وتحترق كل المشاعر والمحبة والتعاطف والرقة في أتون الجحيم السوري. حينها لا نعود إخوة في الإنسانية بل إخوة في اللاإنسانية والجحيم. وعندها فقط، تحتل نفوسنا وقلوبنا القسوة ولا نعود سوى ضحايا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى