برهان غليونصفحات سورية

المحنة السورية: حروب متعدّدة لشعب واحد/ برهان غليون

 

 

لم يعد الصراع السوري، منذ سنوات طويلة، صراعا داخليا، يجري من حول رهانات سياسية تتجسد في تغيير النظام الاستبدادي، والانتقال إلى نظام سياسي تعددي وديمقراطي، يخرج البلاد والشعب من المحنة التي عاشها خلال العقود السابقة، وأدت إلى الانفجار. فقد تحول بسرعة إلى صراع متعدّد الأبعاد، داخلي وإقليمي ودولي، واتخذ ويتخذ، بشكل متزايد، طابعا شموليا، تلتقي فيه عدة رهانات ثقافية واجتماعية وجيوستراتيجية. ولذلك، بدل أن ينحو إلى الهمود والتراجع، يزداد، مع مرور الوقت، تهيكلا وتعقيدا. ويصبح التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف، وأولها الطرف السوري، المعني الأول بهذا الحل، صعب المنال في المدى المنظور، على الرغم من الاستعراضات الكثيرة، وعقد المؤتمرات، وتكرار جلسات الحوار والتصريحات الحماسية لهؤلاء وأولئك.

في خفايا الأزمة المديدة

وفي اعتقادي أن الحرب، المستمرة في سورية منذ سبع سنوات، تعكس تفجر أزمات ثلاث كبرى، ما زالت تعمل منذ عقود طويلة في المنطقة والعالم، وجاءت ثورات الربيع العربي لتفجرها، نظرا لما تمثله المنطقة من موقع في توازنات علاقة القوة والنفوذ الإقليمية والدولية. وهي مستمرة من خلال الحرب السورية التي تحولت إلى حاضنة لها جميعا، ومسرح نشر واستعراض القوى المتنازعة فيها، نظرا لما تمثله سورية أيضاً من موقع متميز على تقاطع هذه الأزمات الثلاث، وباتصال مباشر بقواها الرئيسية الإقليمية والدولية.

الأولى هي أزمة نظام الاستبداد الذي عم المنطقة، وحكم شعوبها بأساليب القرون الوسطى

“في سياق القطيعة والطلاق بين الطبقات الحاكمة والشعب، تعطلت شروط التنمية والاستجابة لمطالب الشعوب”

ووسائلها، من وراء شعارات التقدم والاشتراكية والقومية والحداثة لدى بعضهم، والحفاظ على الهوية الدينية والإرث الثقافي لدى البعض الآخر، والصحوة الإسلامية والعداء لإسرائيل والصهيونية والغرب لدى البعض الثالث. وقاد، في جميع البلاد، بدرجات متفاوتة ولكنها متماثلة، إلى حكم القلة واحتكار السلطة. وأدّى، مع مرور الوقت، إلى قطيعة كاملة بين الطبقة الحاكمة والمجتمع بأغلبيته، لا يضمن تجاوزها سوى الاستخدام الموسع والشامل والمتعدّد الأشكال للعنف المادي والمعنوي، وقهر المختلفين في الرأي وسحق المعارضين والمحتجين وقتلهم إذا احتاج الأمر، أحياناً بالسر وبأعداد محدودة، أما الآن فعلنا وفي عمليات إبادة جماعية.

وفي سياق هذه القطيعة والطلاق بين الطبقات الحاكمة والشعب، تعطلت شروط التنمية والاستجابة حتى المحدودة لمطالب المجتمعات وتطلعاتها، وغزا البؤس والفاقة والجهل قطاعاتٍ متزايدة من السكان، وزاد التوتر واللجوء إلى العنف. وأصبح الفساد المستشري في دوائر السلطة والإدراة والمؤسسات المرتبطة بها الركن الثاني للنظم القائمة بعد استخدام العنف. وتحول من فساد شخصي وعرضي، يعكس أنانية الأفراد وغياب شعورهم بالواجب والمسؤولية وانعدام النزاهة، إلى منهج في القيادة، بمقدار ما أصبح شراء الضمائر وإرضاء فئات معينة من السكان الوسيلة الوحيدة لبناء قاعدةٍ اجتماعيةٍ، لنظام يعتمد أكثر فأكثر على الطبقة الزبائنية، بعد أن فقد مقدرته على التواصل مع المجتمع، والرد على مطالب طبقاته وفئاته المختلفة، وقطع الأمل بإمكانية توفير وسائل كسب تأييدها وثقتها.

والأزمة الثانية هي أزمة النظام الإقليمي الذي بقي كسيحاً، بسبب فشل الدول العربية في تفعيل جامعة الدول العربية، وإيجاد حل للصراعات القومية والدينية، والذي انهار أيضا على إثر الصراعات التي أطلقها انفجار الثورات، ضد النظم الاستبدادية والفاسدة والعاجزة معا، والتي فتحت معركة الصراع على الهيمنة الإقليمية والسيطرة على المشرق بين القوى الكبرى المتنافسة في الإقليم، فقد دفع القلق الذي استبد ببعض النظم جرّاء انتشار هذه الثورات إلى الخروج من حدودها، من أجل خوض معاركها على أراضي البلاد الأخرى، بدل أن تضطر إلى خوضها على أراضيها، وقطع الطريق على تفجر ثوراتها الشعبية، كما أطلق انهيار بعض الدول أمام ثوراتها العنان، لدى بعض النظم التي لا تزال تتمتع بحد من التماسك، لأحلامها الإمبراطورية واستغلال الأوضاع القلقة لتحقيق أهدافها التوسعية، أو بسط سيطرتها على مواقع مختارة، أو اقتطاع مناطق نفوذ لها في محيطها والمنطقة. وفتحت هذه الصراعات المتقاطعة الحرب من أجل إعادة ترتيب المواقع والمراكز الاستراتيجية. وكانت أيضا امتحانا لقوة التحالفات القائمة بين دول الإقليم، في ما بينها، وبينها وبين القوى الدولية. وهي حرب طاحنة للسيطرة على الشرق الأوسط، تكسرت فيها جميع المواثيق والالتزامات الدولية، وتجاوز عنفها كل حدود الانتهاكات التي عرفتها الدول المتحضرة في العصر الحديث.

والأزمة الثالثة هي أزمة نظام العلاقات الدولية التي لا تزال تتفاقم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وفشل الولايات المتحدة الأميركية في فرض قيادتها العالمية، بعد خسارتها الحروب العديدة، وإخفاقها الذريع في إدارة النزاعات الدولية في أفغانستان والعراق وليبيا وكوريا الشمالية وإيران وغيرها، وإضاعة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي يمثل القوة العسكرية الدولية الأكثر تأثيرا في العالم هويته، وعجز أعضائه عن التفاهم على أهداف وأجندة واحدة، بالإضافة إلى تعطيل مؤسسات الأمم المتحدة وشللها. ولا شك أن حدة النزاعات الدولية التي جرت ولا تزال في المشرق، والتي استدعت وضع موسكو 11 فيتو ضد قرارات دولية إجماعية، في ما يتعلق بالمسألة السورية وحدها، أجهزت على آخر ما تبقى من دور للامم المتحدة ومجلس الأمن. وهذا ما أكده فشله في تطبيق قراراته والنجاح في أي مبادرة أو جهد لتقديم حماية للمدنيين المعرّضين لحرب إبادة جماعية، وتنفيذ قرار كسر الحظر والحصار المفروض على المدن والقرى والأحياء المحرومة من الغذاء والدواء سنوات عديدة متواصلة. وكان ذلك كله من الأسباب العديدة التي أفقدت المنظمة الدولية الراعية للسلام والأمن الدوليين صدقيتها، وحرمتها من المكانة والرمزية التي كانت تحظى بها، حتى أصبح نشطاء حقوق الإنسان يتردّدون في الكتابة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، لحثه على القيام بأي جهد أو مساعدة.

والواقع أن انهيار القيادة الأميركية للسياسة الدولية بدل أن تفتح الطريق أمام ظهور قيادة جديدة

“القلق الذي استبد ببعض النظم من الثورات دفعها إلى الخروج من حدودها لخوض معاركها على أراضي البلاد الأخرى”

دولية أكثر اتزانا وحيادية وتعددية، وقبولا من المجتمع الدولي، أي أكثر صدقية وفعالية، أثارت شهية دول عديدة، صغيرة وكبيرة، لملء الفراغ الذي تركه الانسحاب الأميركي النسبي، والسعي إلى فرض أجندتها الخاصة، وإبراز تحرّرها من الالتزامات القانونية وتحديها ما كان يسمى الشرعية الدولية. وأدى فشل محاولات إصلاح نظام الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتوسيع دائرة عضويته، وإدخال دول جديدة إليه، إلى ما يشبه العودة بحقل العلاقات الدولية إلى ما قبل اتفاقية ويستفاليا في القرن السابع عشر التي كرست، مبدئيا، قاعدة احترام سيادة الدول، وحقها في الحفاظ على حدودها الجغرافية، وأعادت إلى الحياة في القرن الواحد والعشرين الحق القديم في الفتح والغزو، وضم أراضي الغير، ومكافأة القوة، والاعتراف بما تحققه من مكاسب، بصرف النظر عن الخاسرين والخسائر الجانبية.

سورية مسرح لكل الحروب

تلتقي هذه الصراعات والحروب الطويلة الثلاث الجارية اليوم، وتتقاطع على الأرض السورية، ومن حول القضية السورية. تدافع نظم الاستبداد المنقطعة عن شعوبها والخائفة من انتفاضاتها، والمستعصية، في الوقت نفسه، على أي إصلاح، عن نفسها بشراسةٍ لا حدود لها، وتجعل من الصراع الداخلي السوري ملتقى حروبٍ أهلية وإقليمية، متقاطعة، تشارك فيها قوى كبرى، وتصرف عليها موارد غير معهودة في أي صراعات سياسية، أو ثورات شعبية ضد نظم استبدادية. في سورية، لا يقتصر الأمر على دفاع نظام الأسد الهزيل عن نفسه بقواه الكبيرة التي راكمها خلال نصف قرن، وأعدها لهذا الحدث الجلل، وإنما يشارك في هذه الحرب، لكسر ظهر الثورة السورية، وتلقين السوريين، ومن خلالهم شعوب المنطقة بأكملها، درسا لا يمكن نسيانه، في ثمن الحرية وتكاليفها المادية والبشرية، النظام التيوقراطي الإيراني والنظام الروسي الذي يختزل بنفسه تاريخ القيصرية والإرث السوفييتي الشمولي في الوقت نفسه، ومعهما نظم المنطقة المختلفة الأخرى، بعضها لسحق إرادة الثورة الشعبية، وبعض آخر لاحتوائها واحتواء مضاعفاتها الإقليمية، كدول الخليج أو أغلبها.

ومن وراء هذه الحرب الهادفة إلى تقويض إرادة الثورة الشعبية التي أصبحت هاجس نظم المنطقة، تدور رحى حرب السيطرة الإقليمية التي تهدف هي نفسها أيضا إلى تعزيز مواقع الدول الكبيرة، واحدتها تجاه الأخرى، وضمان سيطرتها على مصادر الخطر، أو تعزيز قوتها بتحالفات موسعة، أو بالسيطرة على دول وعواصم أخرى، ومقايضتها مقابل تنازلات أو مواقع نفوذ أو أدوار أفضل على رقعة السياسة الدولية. ومن هنا، تبدو الحرب الإقليمية كأنها امتداد للحرب السورية الداخلية، بمقدار ما يرتبط الصراع على السيطرة الإقليمية بالسيطرة على سورية، ويتفق سحق الثورة الشعبية فيها، مع تعزيز قوة النظم الاستبدادية المهدّدة من التطورات المقبلة، وتعزيز نفوذها واستقرارها.

لكن الحرب الأعمق والأقل ظهورا (أو شفافية بالأحرى) هي الحرب الدولية لإعادة توزيع

“فشل محاولات إصلاح نظام الأمم المتحدة ومجلس الأمن أدى إلى ما يشبه العودة بحقل العلاقات الدولية إلى ما قبل اتفاقية ويستفاليا”

دوائر القوة والنفوذ بين الدول الكبرى المتنافسة على السيطرة العالمية. وتتحول الحرب السورية إلى امتحانٍ لمقدرات الدول الكبرى على القيادة والمبادرة والسيطرة. لا يعني هذا أن من يسيطر على سورية يضمن الوصول إلى القيادة العالمية، أو تثبيت ادعائه لها، لكنه يعني تأكيد دوره وحقه في المشاركة في صناعة السياسة الدولية، والشرق الأوسط هو إحدى الساحات النادرة المتبقية لإثبات الجدارة في الصراعات الخارجية، نظرا لما يمثله من ساحة مفتوحة لا تضبط العلاقات والنزاعات فيها أي اتفاقيات، ولا تتمتع بأي شكل من التنظيم الإقليمي، وكذلك لما تتميز به من موقع جيوسياسي وجيوستراتيجي وموارد استراتيجية حساسة، وما ينطوي التحكم بمساره ومصيره من رهاناتٍ تتجاوز الشؤون الاقتصادية والطاقة، وتمتد إلى مشكلات الأمن العالمي والخيارات (أو التوجهات) الفكرية والثقافية الدولية.

باختصار، أصبحت المعركة الدائرة في سورية منذ سنوات سبع معركة جامعة لثلاثة أنواع من الصراع:

الصراع على مستقبل النظام السياسي السائد في المنطقة، وهو نظام متهافت، ومنخور، ومهدد بالسقوط. ومن وراء ذلك، ولهذا السبب أيضا، معركة السيطرة الإقليمية، أي تحديد من هي القوى الإقليمية التي سوف ترث نظام ما بعد الاستبداد في المنطقة، وفي أي اتجاه، ولمصلحة أي قوة إقليمية سوف تصب، إيران أو تركيا أو إسرائيل أو التكتل العربي الذي يكاد يعلن عن نهايته من دون أن ينبس ببنت شفة. لكن مصير الشرق الأوسط، ونوعية القوى التي ستسيطر عليه، والأيديولوجيات التي ستهيمن على شعوبه ليست مسألة شرق أوسطية فحسب، لكنها تدخل أيضا في حسابات تحولات القوى الدولية. فمن خلال حسمهم المعركة السورية والإقليمية، يسعى الروس إلى موضعة أنفسهم في موقع أقوى مما كانوا يملكونه حتى الآن في سلم تراتب القوى العالمية، ويطمحون من خلال انتصارهم فيها إلى أن يفرضوا أنفسهم شريكا في السياسة الدولية، ويعترف لهم بدور أصيل في توجيه التوجهات والخيارات الكبرى، والمساهمة في رسم أجندة السياسة العالمية.

المِحنة السورية المستمرة منذ نصف قرن، لكن التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من العنف، ليست من إنتاج الأسد ونظامه الدموي فحسب، لكنها الثمن الضروري لبقاء نظام الولي الفقيه في إيران وجميع النظم الاستبدادية الفاسدة والعاجزة عن الإصلاح. وجميعها تدافع في الحرب السورية عن نفسها، وتتفاهم على قطع الطريق على أي تغيير. الشعب السوري لا يدفع ثمن حريته فحسب، ولكن حرية جميع شعوب الشرق، وهذا هو أحد أكبر أسباب اشتداد معاناته، وتمديد أجل الحرب.

وبالمثل، ليس صعود القوة الإيرانية على حساب الكتلة العربية، وفي مركزها اليوم دول الخليج الغنية، هو السبب الرئيسي في الانهيار الإقليمي الراهن، وإنما تراجع قوة دول جامعة الدول العربية، أو بالأحرى فشلها، وإخفاق العرب في بناء نظام للأمن والتعاون بين الدول الإقليمية، يساهم في تكوين منظومة للتعاون الإقليمي، ويمنع حصول فراغ القوة الذي أثار شهية إيران، والدول الأخرى الإقليمية وغير الإقليمية. والشعب السوري يدفع أيضا من دم أبنائه ثمن هذا الفشل العربي والفراغ الاستراتيجي الذي تركه في المنطقة، وما أدى إليه من خلل في توازنات القوة الإقليمية، ودعوة إلى الطامحين والطامعين لاستغلاله لصالحهم.

ويسري المنطق نفسه على ما نشهده من تغوّل روسي في الفضاء المشرقي على صعيد العلاقات الدولية، فلا يرتبط هذا التغول بسياسة النأي بالنفس التي راعت بها واشنطن المصالح الإيرانية، وشجعت طهران على انتهاك الأعراف والمواثيق الدولية، والتوسع في الإقليم بوسائل لاشرعية، وإنما هو ثمرة انفجار أزمة العلاقات الدولية، وانقسام العالم من جديد بين محورين يتنازعان السيطرة والتوجهات العالمية السياسية والأيديولوجية، محور روسيا إيران الصين ودول البركس ومحور الدول الغربية واليابان وبعض الدول الشرق أوسطية. ويعود جزء من المحنة السورية أيضا إلى هذا الاختلال المتزايد في النظام الدولي، والفوضى المتنامية في فضائه على حساب القوانين والمواثيق والأعراف المتهاوية.

ليس ما يجري في سورية حربا عالمية تشارك فيها مجموعة كبيرة من الدول لاقتسام النفوذ والسيطرة والموارد، لكنها حرب عولمية، تتداخل فيها معارك السيطرة السياسية والإقليمية والعالمية. وهي أول مثال نموذجي لهذه الحرب التي تتفاعل فيها الصراعات على جميع المستويات، ويشعر فيها الجميع بالانخراط حتى من دون المشاركة في جهدها العسكري.

لم تكن سورية السبب في تفجر هذه الأزمات، لكنها ضحية التقائها على أرضها، بمقدار ما وجدت، من حيث الجغرافية السياسية والتوقيت الزمني، على مفترق طرق تقاطعت فيه جميع مستوياتها، في نقطة حساسة من التوازنات التي تقوم عليها النظم الثلاث المأزومة والمتفجرة: السياسية والإقليمية والدولية، أعني نظام الاستبداد المشرقي المهدد بالثورات الشعبية، والنظام الإقليمي المجتاح من قوى طهران الظلامية، والنظام الدولي الذي فقد توازنه القديم مع تنامي عجز الولايات المتحدة عن القيادة بل فشلها، وانحسار قوة الغرب وهيمنته العالمية، وبروز شهية القوى الجديدة، الصاعدة أو الناقمة، وإرادتها للتقدم ومحاولة السيطرة عليه، أو تعديل توازنات القوى لصالحها فيه.

نحو انتداب دولي متعدّد ولا حلول

ليس هناك حل سريع ولا منفرد لهذه الأزمات الثلاث الكبرى. ومما يزيد من تعقيد المشكلة، وتضييق فرص الحل الرهانات الإقليمية والدولية المتنامية التي تدخل الآن في الصراع،

“الشعب السوري لا يدفع ثمن حريته فحسب، ولكن حرية جميع شعوب الشرق”

والتناقض الكبير في تصور كل منها لمصالحها الاستراتيجية والأمنية، وادّعاء بعضها الحق في المشاركة في تقرير مصير سورية ومستقبل أبنائها، إما لما قامت به من استثمارات قبل الحرب وبعدها، أو لما يرتبط به مشروعها من حاجةٍ إلى الفضاء السوري، أو لقربها منها، أو ولاء نظامها المتهاوي السابق لها. هكذا لا يوجد حل سوري يمكن أن يرضي طهران التي تعتبر سورية منطقة نفوذ شرعي ودائم وكامل لها، بسبب ما استثمرت فيها منذ عقود، وما تعتقد أنه حقها في الدفاع عن نظامٍ موال لها وحليفها، وصيدها الأثمن في السنوات العشر الماضية، وأن تقبل به، في الوقت نفسه، دول الخليج العربي والسعودية التي تعتبر سورية، عن حق، خط الدفاع الأول عن أمنها الوطني، وكذلك تركيا التي كانت سورية المدخل الرئيسي لها إلى المشرق العربي، بعد قطيعة تاريخية طويلة، وسوقا مفتوحا لبضائعها، وشريكا اقتصاديا واعدا منذ توقيع اتفاقية التجارة الحرّة في منتصف العقد الأول من هذا القرن، وما بالك بقبول إسرائيل التي ترى في طهران النازعة إلى امتلاك السلاح النووي الخطر الأكبر عليها في المنطقة، وتعتبر أي وجود لإيران وحرسها الثوري ومليشياتها في سورية خطا أحمر، ولا تتردّد في التدخل في أي وقت لضرب مواقع لمليشياتها ولحزب الله في الأراضي السورية.

ولا يختلف الامر بالنسبة للمحورين الدوليين اللذين يضمّان، من جهة، تحالفا روسيا إيرانيا، وتقف وراءه الصين وكبريات دول أميركا اللاتينية، والمحورالغربي الذي تقوده الولايات المتحدة. فقد تحولت سورية، في نظر موسكو، إلى المدخل الرئيسي لاعادة التوازن في العلاقات الروسية الغربية، وربما، في ذهنها، لقلب الطاولة على الغرب، في منطقةٍ حساسة من الناحية الجيوستراتيجية، واستعادة مكانتها الدولية، وتحسين موقفها التفاوضي على صعيد السياسات الدولية، بعد تهميشها الطويل منذ سقوط جدار برلين، في الوقت الذي لا ترى الدول الغربية، والأوروبية بشكل خاص، في سورية شريكا تقليديا تاريخيا، كانت في أساس انشائه كدولة في العصر الحديث، وإنما، أكثر من ذلك، مفتاحا أساسيا للحفاظ على سيطرتها التاريخية على أهم عقدة مواصلات جيوسياسية ومسرح لاستعراض القوة والنفوذ في الوقت الراهن، من دون الحديث عن موارد المشرق الاقتصادية وأسواقه وموقعه في الميراث الثقافي العالمي وإرثه الديني.

لهذه الأسباب، لن يكون من السهل التوصل إلى حل نهائي قريب للحرب السورية التي لم تعد سورية فحسب، لا بالوسائل السياسية عبر المفاوضات، سواء أكانت في سوتشي أو أستانة أو جنيف، ولا بالوسائل العسكرية. ما نحن مهدّدون بالحصول عليه في الوضع الراهن هو تكريس الوضع القائم مع صراعاتٍ أخيرةٍ على رسم حدود مناطق النفوذ، وتحويل سورية إلى جزر معزولة، أو مناطق شبه آمنة، تضمن الحد الأدنى من عودة الحياة الاقتصادية للبلاد، تحت سلطات انتداب متعدّدة، تحتكر وظائف السيادة واستخدام القوة، تنسق فيما بينها وتتنازع، في الوقت نفسه، على إدارة الأزمة المستديمة، بانتظار أن تتبلور معالم النظام الدولي والنظام الإقليمي الجديدين في امتحان القوة المتصاعد الذي أطلقه انهيار التوازنات القديمة.

السؤال الأهم هو: ماذا ينبغي علينا، نحن السوريين، أن نفعل في هذه الحالة، والعرب ليسوا بعيدين عنا، لمواجهة هذا المصير، والانتقال من وضعنا الراهن كضحية للصراعات الإقليمية والدولية إلى فاعل فيها؟

العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى