صفحات سورية

المسألة العلوية في سورية

 

عدنان بدر حلو

  في صلب الأحداث العاصفة بسورية حاليا ثمة سؤال مركزي شديد الخطورة (بل هو في الحقيقة سؤال دموي) حول العلاقة بين النظام الحاكم وبين الطائفة العلوية!!  هل يمكن القول: إن النظام علوي بدليل وجود كثرة من العلويين في المفاصل الحيوية من السلطة ووجود نفوذ كبير لهم في مختلف دوائرها؟  وماذا عن وجود أعداد كبيرة، بل نسبة أكبر بكثير من نسبة العلويين إلى مجموع الشعب، في عداد من دخلوا سجون هذه السلطة من المعارضين العلويين؟  ثم ماذا عن شركاء السلطة من غير العلويين ممن حققوا بنفوذهم وفسادهم ثروات طائلة لا تقل عما حققه النافذون الفاسدون من العلويين؟  وكيف نفسر ما كشفت عنه الأحداث من أن وجود العماد مصطفى طلاس في وزارة الدفاع لأكثر من ثلاثين سنة قد سمح بانتساب مئات بل آلاف الضباط والجنود السنّة من أبناء عائلته وبلدته (الرستن) إلى الجيش وتبوئهم الكثير من المواقع والمناصب الحساسة؟ في محاولة لبحث هذا الموضوع بكل دقة وصراحة، من أجل الوصول إلى إجابات واضحة وموضوعية عن هذه الأسئلة، وجدنا أنه لا بد من العودة إلى البدايات: إلى العلاقة بين الطائفة العلوية وحزب البعث العربي الاشتراكي والسلطة، مرورا بأكثر من محطة ومنعطف في مسار هذه العلاقة:أولا- ثورة الفلاحين: في خضم النضال من أجل استقلال سورية برزت تباينات في صفوف الحركة الوطنية السورية بين زعامات تقليدية محافظة كانت تقودها مصالحها إلى المهادنة والتهدئة والحلول الوسطى والمساومات مع سلطة الانتداب والسعي لتحقيق الأهداف عن طريق المفاوضات على قاعدة”خذ وطالب” التي بلورها الحبيب بورقيبة لاحقا في تونس ، وبين قيادات شعبية راديكالية تحاول أن تصل بالحركة الاستقلالية الثورية إلى أقصى مدى ممكن. إذا كان هذا التباين قد برز في العاصمة دمشق بين زعماء الكتلة الوطنية كشكري القوتلي ولطفي الحفار وجميل مردم وفارس الخوري وغيرهم من جهة، وبين الدكتور عبد الرحمن الشهبندر من جهة أخرى. ثم غيّبه اغتيال الأخير وخلو الساحة للأولين. فإن الأمر أخذ منحى مختلفا في مدينة حماه التي نهضت فيها حركة شعبية قوية بقيادة صالح قنباز وتوفيق الشيشكلي واجهت زعامات إقطاعية عريقة كآل البرازي وآل العظم وآل الكيلاني. وفي خضم الصراع الذي تصاعدت حدته بين الفريقين في مدينة أبي الفداء انبثق عن تلك الحركة الشعبية تنظيم “حزب الشباب” الذي قاده عثمان الحوراني ثم انتقلت قيادته إلى المحامي الشاب أكرم الحوراني..وانبثق عنه فيما بعد الحزب العربي الاشتراكي. وقد وجدت هذه الحركة وهذا الحزب مخزونا اجتماعيا حليفا في طبقة الفلاحين الرازحين تحت سلطة إقطاع جائر متخلف إلى درجة يمكن معها نسبته إلى عصر القنانة حيث كان الأسياد من تلك العائلات العريقة يملكون الأرض وما عليها من بشر وحجر وشجر!! فتوصل الحزب المذكور في وقت مبكر إلى بناء تحالف نضالي مع هذه الطبقة المظلومة.. وقد أشار الحوراني إلى ذلك لاحقا بالقول:”على هذه القاعدة الواضحة والمعادلة الصحيحة: لا يمكن للمجتمع العربي الزراعي المتخلف أن يتحرر من الاستعمار الخارجي إلا بالقضاء على الاستغلال الداخلي. ولا يمكنه أن يقضي على الإقطاعية السياسية إلا بتحالف الفقراء الكادحين في المدينة مع الفلاحين في الريف في حركة نضالية واحدة باسلة لبناء المجتمع الجديد”( أكرم الحوراني- المذكرات. ص 273). وعلى هذه القاعدة كان انطلاق ما عرف لاحقا باسم ثورة الفلاحين التي انتشرت كالنار في الهشيم وشملت جبال العلويين كلها، كما شملت أنحاء أخرى واسعة من الأرياف السورية.. لكنها اكتسبت في تلك الجبال بعدا أكثر عمقا وحدة نتيجة للمعاناة الفظيعة التي كان يعيشها فلاحو تلك المنطقة في ظل استبداد إقطاعي جائر ومركب.. يشارك فيه أبناء العائلات الإقطاعية من سنّة ومسيحيين بالإضافة للسلطة الإقطاعية العشائرية والدينية العلوية.. في حين كان جهاز الدولة الموروث عن الانتداب والمسيطر عليه من قبل جماعة “الكتلة الوطنية” وحلفائها من إقطاعيي المناطق يسير في ركاب أولئك العتاة ويمارس أقسى درجات القمع في مواجهة تلك الثورة. فكثيرا ما كانت تنشب انتفاضات دامية في هذه القرية أو المنطقة أو تلك فتقوم الدولة بإرسال قواتها (الدرك وشرطة الجيش وغيرها) لقمع الحركة الفلاحية بكل ما لديها من أسلحة.غير أن هذه النضالات الباسلة والتضحيات الجسيمة التي قدمها الفلاحون مدعومين من الأحزاب الجديدة لاسيما الحزب العربي الاشتراكي  وحزب البعث الذي قام نشطاء منه على رأسهم الدكتور وهيب الغانم بدور في ريف اللاذقية مشابه لدور الاشتراكيين في ريف حماه، وكذلك الحزب الشيوعي السوري، كان لها الدور الأكبر في تغيير الصورة والمعطيات في ذلك الريف الذي كان غارقا في ظلام الإقطاع والعزلة والفقر والأمية والمعاناة.ومع تعاظم نفوذ هذه الأحزاب في الحياة السياسية السورية، خاصة بعد اندماج حزبي “العربي الاشتراكي” و”البعث” في حزب واحد عام 1954 ووصول عدد كبير من قادته إلى المجلس النيابي، حصلت في جبال العلويين إصلاحات كبيرة ساهمت في تغيير طبيعة الحياة في تلك المنطقة،  فحصل الفلاحون على مكتسبات مادية وقانونية كبيرة، كما تم شق طرق المواصلات وبناء المدارس والمستوصفات والمراكز الصحية وغير ذلك من محدثات العصر في تلك المناطق الجبلية النائية.وقد انكب أبناء الفلاحين على التعليم معتبرين أنه طريقهم الأقصر إلى التحرر من ربقة حياة الفقر والعوز التي كانوا يعانون منها. لكن ذلك التعليم كان له سقف محدود في ظروفهم البائسة  هو الحصول على شهادة الدراسة الثانوية وحسب. فمن أين للأهل الفقراء أن يوفروا لأبنائهم تكاليف الدراسة الجامعية والإقامة في العاصمة!!  وكان من الطبيعي جدا أن يلجأ الطلاب الناجحون إلى السعي للدخول في وظائف الدولة. ومن أبرز المجالات المتاحة لهم كان سلك التعليم وسلك الجيش (كضباط أو جنود) الذي كان أبناء العائلات المدينية ينؤون بأنفسهم عنه ويفضلون عليه المهن الحرة المدنية. بينما كان معظم أبناء الجبل الذين يؤدون الخدمة الإلزامية يسعون للبقاء فيه كمتطوعين ضباطا أو رتباء أو جنودا وفقا لمحصلاتهم العلمية. لقد كان راتب الموظف الحكومي، أيا كانت مرتبته، يعتبر آنذاك دخلا مرموقا بالنسبة لمداخيل الفلاحين في تلك المنطقة.وهكذا فإن تحرير الفلاحين في سورية، وفي جبال العلويين خاصة، من عبودية الإقطاع الجائر (صدور قانون العلاقات الزراعية وتجفيف مستنقعات الغاب وتوزيع أملاك الدولة على الفلاحين وقوانين الإصلاح الزراعي عام 1957 وفي عهد الوحدة) قد تم كثمرة للنضالات الديمقراطية في الخمسينات، وليس بعد 8 آذار 1963 كما يزعم (جهلا أم عمدا) بعض الساسة والكتاب والصحافيين السوريين والأجانب!ثانيا-أكرم الحوراني والجيش:كان أكرم الحوراني من أول الداعين لتحرير الضباط والجنود السوريين من “جيش الشرق” الفرنسي وجعلهم نواة للجيش الوطني السوري، وكان يبذل نشاطا واسعا في هذا السبيل، ويجوب أماكن تجمعهم وثكناتهم في سورية ولبنان للتواصل المباشر مع أولئك العسكريين الذين كانوا بمعظمهم من المتحمسين لهذه المهمة ولمشاركة أهلهم ورفاقهم في معارك النضال من أجل الاستقلال. وكان من أبرز الضباط الذين تواصل الحوراني معهم وحرضهم على الاستقلال الضابط الدمشقي عدنان المالكي الذي دفعه حماسه الوطني والقومي في وقت مبكر إلى إنشاء تنظيم سري للعسكريين العرب في “جيش الشرق” اسمه تنظيم”العرب الأحرار”.وكان طبيعيا أن يلقى دور الحوراني هذا تعاطفا ومودة من قبل الضباط الذين تمردوا على القيادة الفرنسية (بشكل خاص مع عدوان أيار 1945 على دمشق) وساهموا في تأسيس الجيش السوري. ثم يتواصل هذا التعاطف ويتعاظم مع مبادرة النائب الاشتراكي إلى ترك مقعده النيابي والتطوع مع مجموعة من رفاقه للقتال في فلسطين، جنبا إلى جنب مع العديد من الضباط السوريين الذين التحقوا بجيش الإنقاذ ومن ضمنهم قريبه أديب الشيشكلي الذي استولى على الحكم لاحقا. هذا التعاطف العسكري، إلى جانب الدور السياسي و”الكاريزما” الشعبية للحوراني وحزبه، هو ما كان يغري العسكريين الانقلابيين للتقرب منه وتبني شعاراته كي يفوزوا بشيء من القبول لدى مرؤوسيهم من الضباط الشباب عند القيام بانقلاباتهم..حصل هذا مع حسني الزعيم، ثم مع الحناوي ورفاقه العقداء، ثم مع أديب الشيشكلي. لكن الأمر سرعان ما كان يتغير بعد أن يكشف الانقلابيون عن وجوههم كطلاب سلطة وتسلط وحسب. لينقلب التقرب إلى عداء ومقاومة.في هذا السياق تم تكليف الحوراني  بتولي وزارة للدفاع في الحكومة التي شكلها خالد العظم بعد حركة العقداء التي أطاحت بسامي الحناوي أواخر عام 1949 وأعادت الحكم للمدنيين.. فكان هذا التعيين فرصة جديدة لكي يحقق الحوراني للجيش الكثير من مطالبه المزمنة، كما يجري إصلاحات كبيرة في تلك الوزارة، لاسيما في الكلية العسكرية التي فتح أبوابها لأبناء عامة الشعب بعد أن كان الفرنسيون قد حصروها بأبناء الذوات وزعماء العائلات الإقطاعية والعشائر الممالئة لهم. فزاد ذلك من توطد العلاقة بينه وبين الضباط أكثر فأكثر.وعندما قاد الضابط مصطفى حمدون الانقلاب على أديب الشيشكلي[1] عام 1954 وعاد عدنان المالكي إلى الجيش ليتولى دور الزعيم بين مختلف المجموعات والكتل العسكرية وأبرزها الكتلة الموالية للحوراني، ويعمد مع ذلك إلى إعادة الجيش إلى ثكناته وتسليم الحكم للمدنيين وتأسيس مرحلة ديمقراطية ذهبية وفريدة في تاريخ سورية الحديث ،كان من الطبيعي جدا أن يصبح الأخير رجل سورية القوي.. ويتعاظم دوره السياسي في تلك المرحلة وصولا إلى موقع رئيس المجلس النيابي ثم نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة مع تحقيق الوحدة بين سورية ومصر. في تلك الفترة كان الحوراني يتمتع هو وحزبه (العربي الاشتراكي ثم البعث العربي الاشتراكي) بشعبية واسعة في سورية إضافة لذلك التعاطف الذي كان يملكه في صفوف الجيش، الأمر الذي كان يوفر له مهابة (أو نوعا من السلطة السياسية المعنوية) تمكنه من السيطرة على العسكريين.. وهذا ما شهدنا له أكثر من اختبار في تلك الفترة حيث كان الاختبار الأول عام 1954أي بعد الانقلاب على الشيشكلي بعدة أشهر، عندما عمدت حكومة صبري العسلي ووزير دفاعه معروف الدواليبي إلى إبعاد قائد الانقلاب المقدم مصطفى حمدون بحجة الإيفاد في دورة عسكرية إلى القاهرة! ما أغضب رفاقه الضباط وعلى رأسهم العقيد عدنان المالكي فهددوا بالانقلاب. غير أن الحوراني ألزمهم بقبول قرار الإيفاد وتنفيذه حتى لا يعطوا الحكومة الرجعية مبررا لاتهام البعثيين بالعمل الانقلابي مؤكدا لهم أن المعركة مع تلك الحكومة ومن وراءها ستخاض في البرلمان والشارع لا في الجيش الذي تنحصر مهمته في حماية النظام الديمقراطي. أما الاختبار الثاني فكان عام 1957 عندما حدث عصيان قطنا للاعتراض على تشكيلات عسكرية كانت معدة لإبعاد عدد من كبار الضباط الموالين للاتجاه التقدمي (كشفت وثائق حلف بغداد لاحقا أنها كانت جزءا من مؤامرة للانقلاب على الحكم الديمقراطي)..  وتحقق الغرض من العصيان بإلغاء تلك التشكيلات، غير أن بعض ضباط العصيان، ومنهم عبد الغني قنوت ومحمد عمران، كانوا مصرين على الانقلاب، فتدخل الحوراني مرة ثانية وفرض عليهم الالتزام بالحل الذي توافق عليه الضباط مع القيادة..  فكان أن التزم العسكريون برأيه رغم أن بعضهم قد كظم مرارة في قلبه عبرت عن نفسها بأشكال مختلفة في زمن لاحق.  وما من شك في أن دور الحوراني هذا كان يثير غيرة وحفيظة عدد كبير من سياسيي تلك المرحلة بمن فيهم شريكاه في قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار.الأمر الذي كان مصدرا للكثير من المشاكل والقلاقل داخل ذلك الحزب. وكان هؤلاء المنافسون أو الخصوم يتهمون الحوراني بأنه رجل الجيش أو الانقلابات في الوقت الذي كانوا يلجؤون إليه عند كل أزمة مع العسكريين لاستخدام نفوذه في حلها وإبعاد شبح الانقلاب الذي كانت فرائضهم ترتعد من احتمال حصوله. لقد كان أكرم الحوراني بحق حاميا للديمقراطية طوال تلك الفترة التي كان يحقق في ظلها، هو وحزبه وحلفاؤه، نجاحات كبيرة ونفوذا واسعا جدا.رابعا-اللجنة العسكرية:  بالتوقيع على اتفاق الوحدة مع مصر مطلع عام 1958 تمت الاستجابة لشروط الرئيس جمال عبد الناصر بحل الأحزاب وإطلاق يده في التصرف بمصير الضباط السوريين “المسيسين”! فجرى حل حزب البعث العربي الاشتراكي وتم نقل معظم الضباط السوريين ذوي الميول البعثية إلى القاهرة. فكان ذلك، في جانب منه، تفكيكا لتلك الحالة السياسية-العسكرية السورية المتمحورة حول أكرم الحوراني. وقد تنامى في أوساط العسكريين المبعدين إلى مصر شعور بأن دورهم الرائد في بناء الوحدة قد تبدد وتحولوا إلى ما يشبه العاطلين عن العمل في الإقليم الجنوبي بدون أي نشاط جدي أو صلاحيات، على العكس من زملائهم المصريين الذين أوفدوا إلى الإقليم الشمالي وتولوا فيه صلاحيات شبه مطلقة. وفي مناخ المرارة التي سادت صفوفهم تداعى نفر منهم لتأسيس لجنة  سرية عرفت باسم “اللجنة العسكرية” كان من أبرز أركانها محمد عمران وصلاح جديد وحافظ أسد وعبد الكريم الجندي. وكان هذا التنظيم يحمّل القيادة التاريخية للحزب (الحوراني وعفلق والبيطار) مسؤولية ما أصابهم وأصاب الحزب من تهميش في ظل حكم الوحدة. وقد توافق أعضاء ذلك التنظيم على انتظار الظرف المناسب للقيام بما يمكن أن يجدد دور الحزب إنما في ظل قيادة أخرى غير تلك القيادة التاريخية.  وقد جاءت الفرصة بعد الانفصال مع تعاظم التذمر الشعبي المناهض للحكم الرجعي الضعيف الذي قام آنذاك، فقرر قادة اللجنة العسكرية التحالف مع بعض الضباط الناصريين للقيام بانقلاب يطيح بذلك الحكم ويعيد طرح موضوع الوحدة من جديد!! وأقدموا على تنفيذ حركتهم في مدينة حلب بتاريخ 28 آذار 1962 وكانت بقيادة الضابط الناصري العقيد جاسم علوان. لكن تلك الحركة منيت بالفشل وتبدد شمل القائمين عليها بين معتقل كمحمد ابراهيم العلي أو فار كمحمد عمران وصلاح جديد وحافظ أسد وعبد الكريم الجندي. ثم تكررت المحاولة في الثامن من آذار عام 1963 بالاستفادة من المناخ الذي أحدثه نجاح الانقلاب البعثي في العراق قبل ذلك بشهر واحد. وسرعان ما دب الخلاف بين الكتل المتحالفة في تلك الحركة فتم إقصاء قائدها العسكري الفعلي اللواء الحموي زياد الحريري وبعض الضباط الموالين له، ثم تمّ التخلص من الحلفاء الناصريين بعد محاولتهم الانقلابية الفاشلة بتاريخ 18 تموز 1963 لينفرد أعضاء اللجنة العسكرية البعثية بالحكم.رابعا-حزب السلطة:لقد كان أخشى ما يخشاه أعضاء تلك اللجنة هو العودة إلى صيغة حزبية تضعهم من جديد تحت سلطة أو هيمنة قيادة سياسية مدنية كما كان الأمر في الصيغة الحزبية السابقة قبل الوحدة.. وكان أولئك الأعضاء يدركون تمام الإدراك أن أكرم الحوراني هو القائد الحزبي الوحيد الذي يمكن أن يعيد تلك الصيغة بما كان له من نفوذ حزبي وشعبي، وبوجود عدد كبير من الضباط المسرحين الموالين له والذين قد تشكل عودتهم إلى الجيش تهديدا حقيقيا لسلطة اللجنة العسكرية.ولذلك وجدنا أن هؤلاء قد بادروا منذ اليوم الأول لحركتهم  إلى شن حملة شعواء على الحوراني وأنصاره بدعوى أنه كان مؤيدا للانفصال ومتحالفا مع القوى الرجعية (علما أن رموزا في تلك القوى لم يتعرضوا لأي ضغط! فلم يشمل العزل السياسي رئيس الجمهورية ناظم القدسي ولا وزراء الأخوان المسلمين وزعماءهم! حتى أن صحيفتهم (اللواء) ومجلتهم (حضارة الإسلام) استثنيتا من قرار إغلاق الصحف الذي اتخذه الانقلابيون، إلى أن بادر أصحابهما لإيقافهما عن الصدور، في حين أعلن عن مكافأة مالية كبيرة لمن يلقي القبض على الحوراني حيا أو ميتا!).  ومن الملفت للنظر أيضا أن الدكتور وهيب الغانم قد تعرض للسجن والإهانة من قبل قادة تلك الحركة رغم أنه كان قد ساهم مساهمة كبيرة في حماية الفارين منهم بعد محاولة انقلاب حلب! وفي الوقت الذي بذل فيه أعضاء اللجنة العسكرية جهودا كبيرة لاستمالة بعض الاشتراكيين بالترغيب والترهيب، فإن تلك الاستمالة كانت مشروطة بالتعامل معهم كأفراد حتى يضمنوا أنهم لن يشكلوا كتلة قوية أو ضاغطة داخل الحكم. لقد كان عسكريو تلك اللجنة يتصرفون فعلا بما تنطبق عليه عقدة “قتل الأب” التي تحدث عنها عالم الاجتماع سيغمون فرويد.. في تلك الأثناء كانت محاولات إعادة تنظيم حزب البعث قد تمخضت عن إنجازات خجولة جدا، إذ لم يكن أعضاء التنظيم الذي تمت إعادة تركيبه بالموالاة للأمين العام السابق ميشيل عفلق ليتجاوزا المائتين أو الثلاثمائة عضو! في حين كانت جمهرة الحزبيين السابقين بمن فيهم كوادر هامة ممن كان لهم دور قيادي في تأسيس حزب البعث العربي (قبل الاندماج مع العربي الاشتراكي) كوهيب الغانم وعبد البر عيون السود وفيصل الركبي وسليمان العيسى وغيرهم قد بقيت منحازة للحوراني. فكان مريحا جدا لعسكريي الانقلاب أن يأتوا بالتنظيم البعثي المحدود ويرفعوه واجهة لحكمهم ثم يحاولوا أن يبنوا من حوله حزبا للسلطة لا يحمل من تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي لفترة الخمسينات سوى الاسم، فيبقى خاضعا لهم خضوعا مطلقا يتصرفون به كما يشاؤون.(ومع ذلك دفعتهم “فوبيا” الخوف من المشروعية التاريخية للأستاذين عفلق والبيطار إلى العمل على إذلالهما قدر الإمكان فقاموا بإسقاط البيطار في أول “انتخابات” للقيادة القطرية، كما قاموا  في وقت لاحق باستفزاز عفلق وإبعاده عن القيادة القومية وتنصيب منيف الرزاز مكانه!).  كان كل عضو من أعضاء هذه اللجنة يدرك تمام الإدراك أن الرابطة الحزبية في حزب السلطة هذا لا تشكل أية ضمانة ذات قيمة يمكن الاعتماد عليها بثقة. الأمر الذي دفع بكل منهم إلى جذب وتنظيم وتوظيف الموثوقين من أقربائه وأبناء قريته أو بلدته أو منطقته أو عشيرته، لاسيما في صفوف الجيش والأجهزة الأمنية التي تشكل عماد السلطة الحقيقية والتي حدثت فيها فراغات كبيرة بعد حملات التسريح الواسعة التي شملت المتهمين بالتأييد للانفصال والاشتراكيين وجماعة زياد الحريري ثم الناصريين وغيرهم ممن يشك بولائهم للنظام الجديد. وكان لهذا التوظيف الكثيف للأنصار والمقربين تأثير مزدوج على الوضع داخل الجيش والحكم.إذ انتشرت الشللية بشكل واسع جدا فبتنا أمام جماعة فلان وجماعة فلان أكثر مما نحن أما جيش سوري موحد.. كما برزت الظاهرة الجهوية تبعا للمناطق التي ينتمي إليها أركان الحكم الجديد. فهنا جماعة اللاذقية وهناك جماعة دير الزور ومثلهما جماعة السلمية وجماعة جبل العرب وهكذا.. ولما كانت هذه المناطق مسكونة بأكثريات من طوائف أو مذاهب معينة، كان لا بد لهذه الشللية أن تأخذ شكلا طائفيا أو مذهبيا. حتى شاع وصف الحكم آنذاك بأنه تحالف “عدس” أي علوي ودرزي واسماعيلي! واتهم هذا التحالف بأنه تحالف أقليات، لأن القوى التي أصابها التسريح (أنفصاليين وحريريين واشتراكيين وناصريين) كانت بمعظمها من أبناء الطائفة السنيّة. ومع احتدام الصراع بين أجنحة الحكم “البعثي” ما بين قومي (أمين الحافظ ومحمد عمران ومعهما عفلق والبيطار) و قطري ( صلاح جديد وحافظ أسد وسليم حاطوم) في 23 شباط 1966، ثم بين حاطوم والآخرين في 8 أيلول من العام نفسه، وبعدها بين حافظ أسد وصلاح جديد في 16تشرين الثاني 1970. وصولا إلى انفراد الأسد بالسلطة بعد ذلك.. كانت هذه المعارك تنجلي عن إبعاد الخاسرين من القادة المذكورين ومعهم كل من يلوذ بهم من أنصار وأتباع ومؤيدين..خامسا-السلطة والحالة الدينية:إن هذه الشللية التي تفشت في كل مرافق السلطة وأصبحت قاعدة للتوظيف الحكومي منذ انقلاب آذار 1963 قد قضت على قواعد الإدارة المدنية وقوانينها الموضوعية، لاسيما مبدأي تساوي المواطنين أمام القانون وتكافؤ الفرص. لتحل محلها علاقات القربى والعشائرية والمناطقية والجهوية فكان أن سادت الوساطات والمحسوبيات مما أسس لشيوع ظواهر الفساد والعلاقات الطفيلية والبطالة المقنعة والتراكم الكمي للتوظيف التنفيعي الفائض عن الحاجة! وقد ترافق هذا الأمر مع فرض الأحكام العرفية منذ اليوم الأول ل”الثورة”، وإطلاق أيدي الأجهزة الأمنية لممارسة سلطة قمعية مطلقة ومتفلتة من أي حسيب أو رقيب. الأمر الذي أصاب الحياة السياسية السورية بكارثة حقيقية شلت كل نشاط سياسي أو ثقافي، وهي كارثة لم تطل الأحزاب والتنظيمات المعارضة فحسب بل حولت البعثيين أنفسهم إلى نكرات سياسية دجّنها الترهيب والترغيب. فغابت عن أي دور قيادي أو رقابي رغم المادة الثامنة من دستور 1973 التي نصت على أن الحزب هو قائد الدولة والمجتمع.على هامش هذه العطالة السياسية التي عصفت بالمجتمع برمته، ترافق الأمر مع تعاظم ظاهرة النشاط الديني كبديل عن النشاط السياسي. وهو نشاط  شجعته الدولة وأنفقت عليه الكثير من الأموال والجهود.. فتم في هذه الفترة بناء المئات – إن لم يكن الآلاف- من بيوت العبادة لجميع الأديان والمذاهب والطوائف، كما جرى تحويل معظم رجال الدين إلى موظفين يتقاضون رواتبهم من الدولة ويعملون في خدمتها.. وقد وجدت هذه الظاهرة دعما لها في تدفق أموال الدول النفطية لتمويل المنظمات والهيئات والجمعيات ودور النشر الدينية التي أغرقت البلاد بمنشوراتها الدينية والتراثية. وقد انتشر الدعاة والوعاظ المسلمين السنّة (من وهابيين وسلفيين وصوفيين) والشيعة (الإيرانيين المزودين بإمكانات مالية سخية) والمسيحيين (بمن فيهم أصحاب البدع البروتستانتية الأمريكية وشهود يهوه وغيرها) في كل مكان تحت سمع الدولة وبصرها وفي معظم الأحيان رعايتها.  أكثر من ذلك حولت الدولة رجال الدين إلى صلة وصل بينها وبين المواطنين من أجل زيادة نفوذهم والاستفادة من أدوارهم الروحية والثقافية وحتى الأمنية. كل ذلك خلق مناخا دينيا راح يملأ بشكل متدرج ذلك الفراغ الذي أحدثه غياب الحياة السياسية في المجتمع، سواء على صعيد المعارضة (كأدوار الشيخ مروان حديد في أحداث حماه الأولى عام 1964 أو الشيخ حسن الحبنكي في إضرابات دمشق عام 1965 ثم ثورة الأخوان المسلمين في حماه 1982)، أم في الموالاة (كأدوار المفتي الراحل الشيخ أحمد كفتارو أم المفتي الحالي أحمد بدر الدين حسون أم الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي وغيرهم)..وهكذا في غياب القواعد والقوانين الموضوعية للعلاقة بين المواطنين والدولة، وفي غياب الحياة الحزبية والنشاطات الاجتماعية والثقافية المواكبة لها التي كان يمكن أن تشكل وسائل تواصل وتعامل (إيجابية أو سلبية) بين الشعب والسلطة. وفي ظل الحالة الدينية المسيطرة والدور المشار إليه لرجال الدين ، كان طبيعيا جدا أن تبرز الاستقطابات الطائفية حيث يحاول الناس أن ينكفئوا إلى طوائفهم يحتمون بها في وجه تغوّل السلطة ويستفيدون من انتمائهم المذهبي كوساطات، إما للحصول على حقوق أو منافع لهم عند الدولة أو للحماية من عسفها وضغوطها.وكان طبيعيا جدا أن يجد أبناء الطائفة العلوية، بعد كل ما تعرض له نافذو الطوائف الأخرى في السلطة من إقصاءات متوالية (أشرنا إليها سابقا) فرصا أوسع للوساطات من خلال توفر عدد أكبر من المسؤولين العلويين في مواقع السلطة المؤثرة. فعندما يتقدم عدد من المواطنين لشغل وظيفة آذن في مدرسة على سبيل المثال، سيجد ابن القرية العلوية مسؤولا من قريته أو قرية مجاورة يدعمه بوساطته من أجل الحصول على “المنصب”!  باستثناء هذه الميزة التي كثيرا ما كانت تثير حفيظة الآخرين وقد خلقت دون شك قدرا من التعاطف بين جمهرة العلويين وبين النظام القائم (ويستخدمها حاليا في التحريض والتعبئة كل من النظام من جهة، وبعض الكتائب الجهادية المسلحة والفضائيات التحريضية الرجعية من جهة أخرى)، لم يتحقق للطائفة العلوية كطائفة أو مجتمع أية امتيازات أو مكتسبات مختلفة عما تحقق لبقية الطوائف.. بل كانت، بأكثريتها الساحقة، شريكا أساسيا في معاناة بقية أبناء الشعب. فما زالت قرى جبال العلويين على حالها من البؤس والفقر وهي التي تصدّر إلى الكثير من المدن والبلدات السورية، وحتى اللبنانية، العمال اليدويين زهيدي الأجور([2])!  ويلاحظ في المقابل أن السلطات العليا كثيرا ما كانت  تعمد إلى إتاحة الفرص لنافذين من الطوائف الأخرى كي يتبوأوا مناصب ذات وجاهة، وتشركهم في الحصول على مكاسب مادية كبيرة. مما أتاح للكثير من المشار إليهم أن يحققوا ثروات طائلة من خلال حصصهم في “محاصيل” الفساد المستشري في مفاصل الدولة وتحت مظلة صفقاتها المجزية، حتى صار الحكم، في حقيقته، نوعا من الشراكة بين طبقة واسعة من الأثرياء والمتنفذين من مختلف الطوائف!من كل ما تقدم يمكن القول إن المسألة ليست مسألة الطائفة العلوية على الإطلاق ، بل هي مسألة نظام حكم عسكري استبدادي نشأ منذ البداية([3] )على أساس الشللية العائلية والعشائرية والجهوية فأحال الدولة إلى مزرعة للفساد يرتع فيها النافذون من جميع الطوائف على حساب الأكثرية الساحقة من الشعب الذي بذلت السلطة كل جهودها لتحويل أبنائه من مواطنين لدى  الدولة المدنية الحديثة، إلى رعايا محكومين بالاستقطابات الطائفية والمذهبية! وها هي سورية في ظل هذا التصحر السياسي المتوارث على امتداد أكثر من خمسة عقود والحكم القائم على معادلة الاستبداد والفساد ومناخ الاستقطاب الطائفي المصنّع، تدفع من دماء أبنائها ووحدتها الوطنية وحتى الجغرافية ثمنا باهظا يهدد وجودها ومصيرها، وربما يهدد مصير المنطقة العربية برمتها! ما لم تستدرك القوى الشعبية أمورها وتجدد ترسيخ وحدتها على قاعدة التحالف الكفاحي المصيري بين كادحي المدن وفقراء الريف.. من أجل استئناف المسيرة الديمقراطية التقدمية التي شكلت معجزة الخمسينات، وإسقاط مرحلة الاستبداد من بابها إلى محرابها لتأسيس معجزة ديمقراطية جديدة على قاعدة الوحدة الوطنية الحقيقية بعيدا عن كل أشكال التفرقة والاستقطابات التي تزج البلاد في اقتتالات طائفية ومذهبية باهظة التكاليف من جهة أولى وعبثية التضحيات من جهة ثانية ولا تخدم غير إسرائيل ومشروعها الاستراتيجي في المنطقة من جهة ثالثة.    [1] كان الشيشكلي قد زرع أول بزرة طائفية في صفوف الجيش عندما أوعز لمدير مكتبه الثاني العقيد ابراهيم الحسيني بتدبير اغتيال العقيد محمد ناصر قائد سلاح الطيران وأبرز الضباط العلويين في الجيش السوري لأنه كان يعارض طموحات الشيشكلي الانقلابية بعد حركة العقداء. [2] شهدت سورية ظاهرة فريدة خلال السنوات الأخيرة مع اشتداد الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، حيث يعمد مئات (وربما آلاف) من صغار موظفي الدولة إلى الاشتراك بأجور مخفضة مع سيارات الباص المغادرة مع الفجر من مناطقهم النائية إلى العاصمة ليصلوا في الثامنة صباحا فيداوموا حتى الظهر ثم يعودوا معها إلى قراهم فيمضون مسافة الطريق نياما ، كي يوفروا أكلاف السكن في دمشق وبعض سويعات المساء للعمل في أراضيهم من أجل تأمين الحدود الدنيا من تكاليف معيشتهم ومعيشة عائلاتهم في هذه الظروف الشاقة. [3] لو أن أمين الحافظ هو الذي انتصر في معركة 23 شباط 1966 لكان الحكم قد تطور باتجاه أن يوصف ب “السنيّة” نتيجة إقصاء الآخرين،  ولو أن سليم حاطوم نجح في حركته بتاريخ 8 أيلول 1966 أيضا لكان حكمه قد اتهم بأنه “درزي”، ولو أن عبد الكريم الجندي استأثر بالسلطة بدلا من أن ينتحر عام 1969 لكان حكمه قد وصف بأنه “اسماعيلي”! فهذا هو منطق الشللية الذي شكل قاعدة الحكم منذ “ثورة” آذار 1963 التي لم بكن لها من “البعث” غير الاسم!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى