صفحات العالم

انكشاف


عبدالعزيز السويد

من دروس الثورات العربية منذ لحظة الشرارة الأولى، انكشاف الإعلام الرسمي في دولها. تحول هذا الإعلام إلى طائرات قديمة تشكو من العلل وتربض على أرض مطار من دون غطاء جوي، اتضح ضعفه وعدم قدرته على الإقناع فكيف بالمواجهة. كان هذا معروفاً للعامة لكن لم يكن معترفاً به، وكثير من الأمور معروفة إنما «لا يراد» الاعتراف بها إلا عند اللحظة الحرجة، يأتي الاعتراف على شكل رد فعل متأخر ونادراً ما يحقق نجاحاً. ومن نتائجها أيضاً ثبوت فشل سياسة العزل والحجب، ومن لا يذكر استجداء «بن علي» للتونسيين حينما أعلن السماح بالتواصل مع الإنترنت بعد حجب، وكما فعل القذافي، في محاولة لملمة متأخرة حينما اجتمع بشباب – الإعلام الجديد – من الليبيين، وفي سورية منعت مواقع الشبكات الاجتماعية ثم أعيدت مع مراقبة لصيقة.

لاحقاً «في اللحظات الحرجة» تم انتقاد وسائل الإعلام الرسمية على شاشتها نفسها، في إشارة إلى التغيير والتجديد لكن الثقة والمصداقية لا يمكن بناؤهما خلال أيام أو شهور، وكيف يمكن ذلك مع تاريخ طويل من الغثاء. كانت الحالة المصرية الأكثر انكشافاً إعلامياً، رصدت كاميرات الفضائيات الثورة بكل تفاصيلها، والحالة اليمنية تشابه الحالة المصرية في هذا، أما في ليبيا فقد جرى كسر الطوق الإعلامي القوي قسراً بتدخل الناتو، فيما بقيت سورية الأكثر عتمة، حتى إن ملك الأردن عبدالله الثاني قال في لقاء مع محطة «سي إن إن»، «إن لا أحد يفهم ما يجري في سورية»؟!

يقع الإعلام الرسمي أسيراً للإدارة وهي فيه، صورة طبق الأصل للإدارة في عموم القطاعات الأخرى، إعلام أي بلد يخبرك عن إدارتها، تجد البطء وتأخر التفاعل والتصنيم، تتضح القيود نفسها مما نطلق عليه بلغة الإدارة بيروقراطية ومحسوبية.

يبرز الانصراف عن الأهم إلى الأقل أهمية ويفضل ما يأتي من البعيد غير المؤثر اللهم إلا في الحشو وشيء من «العبرة». لذلك كانت البرامج والأفلام الوثائقية العالمية الخاصة بالحياة الفطرية من سلوك الحيوانات وتبرعم النباتات في الإعلام العربي الرسمي ملجأ لسد الفجوة الكبيرة، فهناك كثير ممّا لا يقال ولا يجب بل لا يجوز طرحه. وهناك كثير من التكرار، فأصبح الإنسان العربي جاهلاً بشؤونه وأحوال استقرار حياته ومخاطر تهددها، لكنه خبير في الشأن الحيواني والنباتي، وخبير في عواصم البلاد البعيدة وأحوال قاطنيها وأحداث تقع من كوارث وجرائم، فهي لا تحدث إلا هناك.

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى