أكرم البنيصفحات سورية

بؤس الإعلام السوري..


أكرم البني

ليس ثمة أحداث لعبت دوراً كاشفاً ومعرياً لأزمة الإعلام الرسمي ومدى بؤسه مثلما فعلته الاحتجاجات الشعبية المتواترة التي تشهدها البلاد وما رافقها من أعمال قمع وعنف، فإلى جانب رتابته وبطئه في رصد التطورات الجارية رغم حرارتها وما تخلفه من معاناة وآلام، وإلى جانب سطحيته واضطرابه في تفسير أو حتى تبرير ما يرتكب، يزداد عجزه في كسب ثقة الناس ونيل المصداقية!

هذا المطر من ذاك الغيم، ففي مجتمع حرم لعقود متتالية من أبسط شروط الحرية واحترام حق الاختلاف، تم التأسيس لمفهوم عن الإعلام باعتباره منبراً لدعم مواقف سلطة لا ترضى بغير صوتها صوتاً، وكأداة مسخرة لنصرة برامجها والترويج لسياساتها، لا بصفته حقلاً متميزاً من حقول النشاط الإنساني الجمعي، له خصوصيته وحرمته واستقلاليته، ويفترض أن يقف على مسافة آمنة من حسابات المصالح ويتحرر من ماضٍ سيطرت فيه العوامل والأهداف السياسية على تفاصيل إنتاجه المعرفي والقيمي.

وبعبارة أخرى، فقد صيغ الإعلام السوري وفق رؤية تجد أن أي نقد لسياسات النظام تشهير وعداء يضر بمصالح الوطن والمجتمع، إن لم يعتبر إسهاماً مقصوداً في دعم المخطط الصهيوني الإمبريالي المعادي!

هذا الأمر أدى في تطبيقاته العملية إلى خلق ما يسمّى “كارثة الإعلام الموجه”، وأهم نتائجها: احتكار البث الإذاعي والتلفزيوني، وحزمة من الصحف والمجلات للترويج لرأي القيادة وأفكارها وتوجيهاتها وإنجازاتها، وما يترتب على ذلك من نحر المهمة الطبيعية المنوطة بالإعلام في مجتمع صحي، وإجهاض دوره في نشر الموضوعية والعقلانية وأسس المنهج العلمي وتطبيقاته العملية في تفسير الواقع الحي بعيداً عن تأثير المصالح الذاتية والتحيّز.

وعليه كان من البديهي مع تنامي الاحتجاجات الشعبية واتساع رقعتها أن يزج النظام بكل أدواته الإعلامية في معركة مفتوحة للدفاع عن سياساته وممارساته وعن الوضع القائم، أفضت إلى فضح ما استتر من أوراقه الإعلامية الضحلة وكشفت جل أمراضه، ومن أهمها:

أولاً- انتقائية مذهلة في التعاطي مع الحقائق فيظهر ما ينفعه ويخفي ما يضره، دون أن يخجل من تقزيم الظواهر التي تعارض السياسات الرسمية وتضخيم الداعمة لها، مثلما يجري التلاعب بالوقائع والمصطلحات، وترويج ما يخدم منها على قاعدة المجاهدة في تحميل كامل الآثام للآخرين وتبرئة الذات منها، أو الإصرار على عدم الاعتراف بما يرتكب في ضوء تكرار الحديث عن أن ما جرى ويجري ليس أكثر من مؤامرة خارجية لقوى تتربص للنيل من سوريا!

ولا يتردد الإعلام الرسمي في توظيف هذا المنهج الانتقائي للنيل من وحدة الحراك الشعبي وتوقه إلى الحرية باللعب المكشوف على الحبال، مرة بمغازلة ما يعتبره حاجات مشروعة للناس الذين خرجوا مطالبين بحقوقهم وبشكل سلمي حضاري، ومرة ينهال بالشتائم والاتهامات على ما يسميها مجموعات تآمرية ومسلحة أو أحزابا انتهازية تحاول ركوب الموجة وتوظيفها لخدمة مآربها الخاصة، ومرة ثالثة بالسخرية من الشعارات التي يرفعها المتظاهرون، خاصة المتعلقة بالحرية وحقوق الإنسان، وأن البلدان التي أنتجتها لا تحترمها!

وحين لا يجدي تكذيب الوقائع ونفيها، ثمة أشكال وصور متنوعة للهروب من مواجهة الحقائق الدامغة، إما بتصنع الترفع والادعاء بأن هذا الإعلام الملتزم لا يهتم بالتفاصيل ويزري الثرثرة ويأنف الدخول في سجالات استعراضية لا تمت في أعرافه إلى التحليل الرصين بصلة! وإما عبر الاستقواء بمقولات أيدولوجية وشعارات حماسية عن القومية والوطنية وضرورة مقاومة المخططات الخارجية التي كشف الناس زيفها وعافتها نفوسهم!

ثانياً- اتسامه بردود الأفعال، إذ ترتفع حرارة النشاط الإعلامي وتتصاعد هجماته ودفاعه المستميت عن الوضع القائم طرداً مع تصاعد الاحتجاجات، فبعد نجاح ثورتي تونس ومصر وتفاقم تداعيات أوضاع ليبيا واليمن، اكتفى الإعلام بإظهار الخصوصية السورية والاستقواء بها، على أن بلادنا ليست كتونس ومصر أو غيرها، قافزاً بجرأة لافتة فوق شعارات طالما نادى بها عن الروابط القومية والمعاناة المشتركة، ومتفنناً في استنباط ما يعتقد بأنها نقاط تمييز وتفارق في محاولة لإقناع الذات -ربما- قبل إقناع الآخرين بأن هذا البلد دون غيره سيبقى في مأمن من رياح التغيير القادمة.

لكن بعد وقوع الواقعة وتنامي الحراك الشعبي المعارض، بدأت رحلة هروب الإعلام السوري من مواجهة الحقيقة بإنكار ما يحدث إنكاراً تاماً والادعاء بأن البلاد تعيش في أحسن حال، متجنباً على طول الخط الاعتراف بوجود أزمة تحتاج إلى معالجات سياسية جذرية. ثم ما إن وصلت الأمور إلى حد يصعب إغفاله حتى تغير الخطاب نحو التقليل من أهمية ما يحصل، واعتباره مجرد منغصات أو جزر معزولة في بحر مستقر، وإرجاع أسبابه أحياناً إلى عدوى مؤقتة، وأحياناً إلى هلوسات شباب وأمراض نفسية، وأحياناً حصرها في أعمال شغب تخالف القانون وتتعلق بالتهريب والسرقة.

تلا ذلك هجوم صريح وحاد على التحركات الشعبية حين فرضت وزنها على الأرض، من خلال كيل اتهامات التخوين لها بالقول إن ما يجري هو فعل لعصابات مأجورة تهدف إلى هز استقرار البلاد أو لجماعات إرهابية غريبة عن المجتمع لا علاقة لها بمعاني الحرية، أو ربطها بقوى خارجية تحسدنا على ما نحن فيه من أمن وأمان، وبمخطط لأعداء الوطن للنيل من مواقف بلادنا وسمعتها الحضارية، ربطاً بالعمل الحثيث للطعن في الصفة الوطنية الجامعة لهذا الحراك الجماهيري والتشكيك في دوافعه السياسية الديمقراطية، إما بإرجاعه إلى صراعات متخلفة قبلية أو طائفية أو مذهبية، أو إلى قوى سلفية تريد إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، في محاولة لتشويه الحقائق وخلط حابلها بنابلها، وتالياً تسويغ الحل الأمني وبث الوهن في نفوس الناس وتخويفها من نتائج ما يحدث، وبأنه سيجر البلاد إلى الفوضى أو إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر!

ثالثاً- حيث إن مهمة الإعلام الرسمي أشبه بفعل روتيني للدفاع عن سياسات النخب المسيطرة، فلا قيمة عند أهله لاحترام رأي المواطن وعقله وملكته النقدية، بل يتقصد التعامل مع الناس على أنهم جهلة لا يفقهون شيئاً ولا يعرفون ما يجري أو يجب أن لا يعرفوا، وتعجب كيف يغفل هؤلاء أو يتغافلون عن الفرص الكبيرة التي تتيحها عشرات الفضائيات ومئات الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت لتمكين البشر من متابعة ما يحدث وبأدق التفاصيل، وتعجب أيضاً كيف لا يرف لممثلي الإعلام السوري جفن حين يبنون تحليلاتهم على معلومات ثبت عدم صحتها، أو يقولون اليوم ما يناقض أقوالهم البارحة دون حاجة إلى الاعتذار أو إيضاح سبب هذه التحول!

أو حين لا يكلون من تعميم صوراً مضللة للشوارع والساحات وهي تنعم بسكينة وهدوء، وعن المواطن الوديع والممتن وهو يردد جملاً ممجوجة عن إعجابه بحياته الآمنة وبالشروط المتميزة التي يعيش في كنفها، أو يكرر عبارات المديح والشكر للقيادات الحاكمة التي تهتم دائماً بأحواله ومشاكله، في إشارة إلى بعض القرارات التي صدرت هنا وهناك لتلبية بعض حاجات الناس وتخفيف معاناتهم، بينما غرضها الأساسي هو الالتفاف على جوهر الأزمة السياسي واستحقاقاتها.

رابعاً- ما يزيد الطين بلة عندما يجاهد الإعلام الرسمي للجمع بين سياسة التعتيم الكامل بمنع أي جهة إعلامية -مهما تكن صفتها- من دخول البلاد وتقصي الحقيقة، وبين الإصرار على شن حملة شعواء ضد غالبية وسائل الإعلام العربية والأجنبية بأنها متحيزة وتبالغ في عرض الوقائع وتضخيم ما يجري بهدف تشويه سمعة البلاد وصورتها الناصعة، أو عندما يتقصد ممثلوه -إلى جانب تكرار عبارات الإدانة والتنديد بمصداقيتها ومهنيتها- استسهال كيل الشتائم ضدها، وإطلاق التهم لتصل غالباً حدّ التخوين والإدانة بالعمالة لجهات مغرضة. وطبعاً تتصاعد حدة هذه الهجمات وشدة الشتائم طرداً مع تنامي الهزيمة التي يمنى بها الإعلام الرسمي، ومع ازدياد انكشاف عمق أزمته وعجزه عن أداء دوره في الدفاع عن سياسات النظام وممارساته وفق العقل والمنطق، وعبر مقارعة الحجة بالحجة والواقعة بالواقعة.

وللأسف وصلت أصداء هذا التوغل الأمني والسياسي في تسخير الحقل الإعلامي حدّ ابتزاز العاملين السوريين في وسائل إعلامية عربية وتوجيه اتهامات مغرضة بحقهم، أكرهت بعضهم على الانسحاب وتقديم استقالته. والأنكى -إن صح- ما سرب مؤخراً عن تشكيل لجان قانونية من نقابة المحامين لدراسة ما أسمته الجرائم المرتكبة من قبل بعض المحطات الفضائية العربية والدولية ضد سوريا، تمهيداً لمقاضاتها ومحاسبتها!

ما سبق ليس إشادة بوسائل الإعلام العربية والأجنبية التي من واجبها ومهنيتها أن تهتم بالتطورات الجارية في سوريا وغيرها من البلدان، حتى وإن كان بعضها يعاني من أغراض التوظيف الضيق، بل هو إقرار لحقيقتين، فمن جهة لم يعد مقبولاً بعد الآن الطعن في أداء أي طرف إعلامي وحقه في أن يستقي أخباره من مصادره الخاصة طالما يمنع من التواجد في مكان الحدث، خاصة أن ثورة الاتصالات والمعلومات وضعت جوف أي مجتمع -مهما تكن إمكانياته وقوته- تحت أضواء كاشفة، ولم يعد بإمكانه إدارة أموره في غرف مظلمة، ولنا في الفضائح التي تكشف بين حين وآخر وتهز البلدان الغربية دليل صريح على دور الإعلام المتميز في عالم اليوم.

ومن جهة ثانية لا تصح الاستهانة بعقول الناس وقدرتها على الموازنة والتحليل المنطقي أو تمييز الصواب من الخطأ والحقائق من الأكاذيب والادعاءات، وتالياً برهافة أحاسيسها في تفريق الإعلام المهني الموضوعي عن ذاك المغرض والمكرس لتسويغ سياسات معينة وأجندة معادية.

خامساً- مع أن الحياة تجاوزت السياسات الإعلامية الموجهة وشهدت ارتقاء التطور المعرفي في المجتمع، لا يزال الإعلام السوري يسبح عكس التيار ويحسب أن صوته الموجه يمكن أن يقنع الناس أو يحظى بثقتهم أو اكتراثهم، وإذ لا يصدق القائمون على الإعلام الرسمي أن الكثيرين ممن يحسبون عليه لا يتابعونه، فهم يصدقون أنفسهم بأن إعلامهم على هزاله وبؤسه يمكن أن يصنع المعجزات ويقلب الحقائق.. لقد مات غوبلز ومعه ماتت مقولته الشهيرة بأن تكرار الأكاذيب يجعل الناس تصدقها!

هو ضرب من الضياع والتوغل في المجهول أن يعتقد البعض بجدوى العقلية الأمنية في إخضاع الإعلام وصناعة الرأي العام.. لقد خرج المارد الإعلامي من قمقمه، ولم يعد بالإمكان حجب الشمس بالغربال، فإن صح تعريف الإنسان بأنه ابن بيئته، يصح اليوم تعريفه بأنه ابن وسائل إعلامه التي فاق تنوعها وتعددها كل تصور، وباتت الأقدر على التأثير في وعيه وتمكينه من بناء شخصيته ومواقفه.

والنتيجة بدل أن يكون الإعلام السوري أداة من أدوات معالجة الأزمات والمشكلات القائمة، صار في حد ذاته جزءاً منها، ولن يستوي صحيحاً ومعافى إلا بمعالجة جذرية للأزمة الراهنة وتحريره من الوصاية والأحادية، فمحنته ترتبط بداهة بمنظومة الحقوق والحريات الأساسية المفقودة. ولا يمكن أن نحلم بتجاوزها وإعادة الاعتبار لدوره الصحي في كشف الحقائق ونقد الظواهر السلبية ونشر القيم النبيلة، وتمكين الناس من المشاركة وتقرير شؤونها، ما دامت حقوق الإنسان والحريات وقواعد الحياة الديمقراطية غائبة!

الجزيرة نت

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى