حازم نهارصفحات الرأي

تجديد الفكر السياسي حول إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج


حازم نهار ‏‏

دراسة فكرية سياسية نشرت في العام 2005 (الدراسة طويلة جدا وهي منشورة في كتابي: مسارات السلطة والمعارضة في سورية، الصادر عن مركز القاهرة للدراسات).

(هناك أمور تغيرت خلال هذه الفترة بالتأكيد، لكن يمكن أن تكون الأفكار الواردة أرضية صالحة لنقاش جدي لمسألة التدخل الخارجي)

 الجزء الأول

تجديد الفكر السياسي

حول إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج

1- مقدمة: عصر بدون مقدسات يعيد اصطفاف القوى والبشر

2- تغيرات السياسة الأمريكية والنظام العالمي

3- إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج في تاريخ المنطقة

4- الداخل والخارج في الثقافة السياسية السائدة

أ- عقدة النقص تجاه الغرب والخوف منه

ب- خطاب الهوية إزاء خطر الخارج

ج- خطاب “الخصوصية” في مواجهة الخارج

د- الوطن والوطنية

ه- العولمة

1)                   العولمة: مستوياتها وآلياتها

2)                   الأمركة والهيمنة….. وبناء الموقف من العولمة

3)                   القومية والاشتراكية في إطار العولمة

4)                   ثقافة العولمة والثقافات المحلية

5- إشكالية الداخل والخارج في الممارسة السياسية

أ- المنهج والخطاب السائدان سياسياً

ب- النظم الحاكمة وتعاطيها السياسي مع الإشكالية

6-الخروج من النفق المسدود

1- مقدمة: عصر بدون مقدسات يعيد اصطفاف القوى والبشر:

مع انهيار الاتحاد السوفيتي بدأت ملامح نظام دولي جديد بالتكون، ثم جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول لتتضح هذه الملامح أكثر فأكثر، ولتقوم على سيطرة شبه كلية للولايات المتحدة التي اجتمعت لديها جميع عناصر مركب القوة: القدرات السياسية والدبلوماسية، الاقتصاد الهائل، التطور التكنولوجي والقوة العسكرية، والمساحة الواسعة، والعدد الكبير نسبياً من البشر، والتماسك الأيديولوجي.

هذا التحول السياسي رافقه تغير نوعي واسع في العلوم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال، وأدى هذان العاملان (التحول السياسي والتطور العلمي) إلى انخفاض تدريجي في درجة سيادة جميع الدول بمستويات مختلفة، لدرجة أصبحت معها السياسة الأمريكية حاضرة داخل كل دول العالم، وتتحدد إزاءها المعسكرات والاستقطابات السياسية والاقتصادية.

أصبحت، نتيجة ذلك، العلاقة بين الداخل والخارج مسألة مركزية داخل كل دولة من الدول، وتحكم موضوعياً جميع القوى المجتمعية، السياسية والاقتصادية، سواء اعترفت بذلك أو أشاحت بوجهها عن هذه العلاقة. كما تحولت هذه العلاقة إلى إشكالية ممزقة للجسد السياسي، وهي لذلك واقعية، وليست زائفة كما يرى البعض، إذ إنها تعيد اليوم تشكيل القوى السياسية، وتعيد اصطفافها من جديد، وتلغي تحالفات طويلة الأمد، وتحطم تسميات وصفات عديدة لازمت العديد من القوى، خاصة في المنطقة العربية، ومنها سوريا.

هذا الأثر الكبير لهذه الإشكالية، يجعل منها موضوعاً أساسيا ًمن موضوعات الحوار وإعادة بناء رؤانا وتصوراتنا للذات والآخر والعالم، وإذا كان البعض ينظر لهذا الأمر بوصفه من المحرمات التي ينبغي عدم تناولها، أو يسبغ صفة القداسة على رؤاه التي اعتادها في الماضي، خاصة فيما يتعلق بالتصنيف السهل للبشر إلى معسكر أعداء وآخر للأصدقاء، فإننا نرى أن أهم سمة لهذا العصر هي أنه يعلن لنا يومياً نهاية المقدسات من جهة، ويخبرنا أن مناهجنا السابقة وطرائقنا السابقة ما عادت قادرة على تحليل ما يحدث أو الاستفادة منه.

بدأ هذا العصر مع انهيار الاتحاد السوفيتي والغزو الأمريكي للعراق في العام 1991، وترافقت هذه البداية في المنطقة العربية مع أولى محاولات خرق المقدسات واقعياً، أي فكرة عدم جواز الحرب بين العرب أو بين المسلمين، بحكم مؤثرات دينية وقومية في ثقافتنا السياسية السائدة، وقد جاء هذا الخرق على يد سلطات عربية عديدة. بعده جاء الخرق من قبل المعارضة السياسية في العراق عندما استعانت بالقوى الخارجية لإنهاء النظام الاستبدادي في العراق، وبعد أن كان ما كان انفتحت المنطقة المغلقة لعقود على سلسلة من التغيرات التي مازالت في بدايتها، ولتنطرح إشكالية العلاقة مع الخارج بقوة في جميع دول المنطقة.

في سوريا تكاد تصبح هذه الإشكالية المسألة المركزية التي ستعيد ترتيب واصطفاف القوى من جديد، فمع بدء الحراك السياسي كانت القوى السياسية في المعارضة مليئة بالشكوك وبحالة من عدم الثقة فيما بينها، وتدريجياً (بعد مخاضات وحوارات عديدة وبتأثير تجارب عربية أخرى) بدأت هذه القوى تعتاد على ما لم تعتد عليه في الماضي، إذ اقتربت القوى الدينية والعلمانية من بعضها البعض، واقتربت القوى الليبرالية من القوى ذات التوجه الاشتراكي، واقتربت القوى القومية العربية من القوى القومية الكردية، وهو بالطبع اقتراب سياسي بين هذه التيارات المختلفة أيديولوجياً، ولعل محركاته تكمن في حدوث تطور جزئي نسبي عند جميع القوى التي اقتنعت بعد تجارب مأساوية عديدة بأن كلا منها لوحدها لا يمكن لها أن تدعي تمثيل الشارع السوري. أما الإشكالية الباقية في الساحة فهي إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج، وهي التي ستحدد، على ما يبدو، الاصطفافات الجديدة.

نعلم في البداية ما يكتنف مقاربة هذا الموضوع من مخاطر، أقلها التعرض لاتهامات بالعمالة أو الخيانة الوطنية، ومن جهات عديدة قد لا تلتقي فيما بينها إلا حول هذا الموضوع. ليس هناك مشكلة في المحصلة في هذه الاتهامات، فهذا يمكن مناقشته والتعاطي معه، ويمكن أن يحدث تعديل أو تغيير في الآراء والمواقف من خلال الحوار، أو قد لا يحدث، لكن المشكلة هي في قرار الإعدام المرافق للاتهام عندما يحدث خلاف في الرأي حول هذا الموضوع، والذي قد يكون إعداما أخلاقياً أو وطنياً أو سياسياً، أو حتى جسدياً.

2- تغيرات السياسة الأمريكية والنظام العالمي:

يمكن القول إن السياسة الخارجية الأمريكية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى سقوط الاتحاد السوفياتي، ونسبياً خلال الفترة الانتقالية ما بين عامي 1991- 2001، قد ارتكزت في المنطقة العربية على محورين أساسيين، الأول دعم الأنظمة الاستبدادية، والثاني تشجيع التيارات الإسلامية المتطرفة، من أجل الحفاظ على مجموعة مصالحها الواضحة، والمتمثلة في منع أي حالة وحدوية في المنطقة من التشكل والتكون، وقطع الطريق على المد الشيوعي في المنطقة، وتأمين النفط، والحفاظ على وجود إسرائيل وأمنها.

هذه الثوابت في السياسة الأمريكية، سواء ما تعلق منها بالأهداف أو الوسائل، بدأت تتعرض لتغير نسبي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لكنها بدأت بالتبلور فيما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، عندما تحول “الإرهاب” إلى قوة عالمية مؤثرة في حياة المجتمعات والدول. وعلى الرغم من تحول “مكافحة الإرهاب” إلى ذريعة أمريكية تبتز من خلالها الدول، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة الخوف الأمريكي من ظاهرة “الإرهاب”، الأمر الذي يفسر وضع مكافحته كأحد مرتكزات السياسة الخارجية الأمريكية. الاستبداد الذي حمته ورعته الولايات المتحدة في المنطقة طوال نصف قرن، أفرز الكثير من الغضب والكراهية للغرب وحضارته، وكان الحاضنة الحقيقية للعنف والإرهاب والسبب الرئيسي في تفجره ونموه وانتشاره، الأمر الذي جعل التخلص من الاستبداد أحد وسائل مكافحة ومحاصرة الإرهاب، فضلاً على الحاجة الاقتصادية إلى فتح الأسواق العالمية التي لا تلتقي مع وجود الاستبداد.

تحولت السياسة الخارجية الأمريكية إذاً، على صعيد التوجه العام، في بعض مناطق العالم، من دعم الاستبداد نحو السير في تقويض دعائمه، والهدف في الحالتين واحد هو المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة والأمن القومي الأمريكي، على الرغم من أن هذه السياسة مازالت، في مناطق أخرى من العالم، تدعم الاستبداد طالما أنه يوفر لها ضمانات أكثر لمصالحها من أي حالة أخرى.

في مرحلة دعم الاستبداد ساندت الولايات المتحدة شكلين من الأنظمة العربية، أو بالأحرى شكلين من الاستبداد، الاستبداد الموالي أو المتوافق معها صراحة وعلانية، والاستبداد المعارض لها، أو الذي يتوهم أنه معارض لها أو الذي يعارض في العلن ويوافق في السر.

هل يعني هذا التحول من دعم الاستبداد إلى تسهيل التخلص منه، أن السياسة الخارجية الأمريكية أصبحت مع نقيضه، أي مع الديمقراطية ؟.

بداهة لا يمكن أن تكون أمريكا مع ديمقراطية متوافقة مع تصوراتنا، لكن يمكن القول إنها تقف مع شكل ما من الديمقراطية يتوافق مع “التعددية السياسية”، وهذه الأخيرة شرط للديمقراطية، لكنها لا تتماثل معها، وهي محكومة بدرجة أو بأخرى بالمانح أو المعطي وعرضة للاستغلال من قبله، لكنها من جانب آخر قابلة للتطور والاغتناء، ومحكومة بشروط ومعطيات الداخل.

يوجد اليوم إذا تقاطع محدد ومحدود بين المصلحة الأمريكية في المنطقة ومطالب المعارضات الديمقراطية، وهذا يحدث دون سعي أو تأثير هذه الأخيرة. التوافق أو التقاطع في بعض المصالح لا يعني التطابق، كما لا يعني بالضرورة حدوث تنسيق أو تعاون بين الطرفين.

من البديهي القول إن المشروع الأمريكي في المنطقة أكبر من دعم دمقرطتها وتحقيق التعددية. إنه أكبر مساحة وحجماً وامتداداً، وهو ليس من أجل سواد عيون شعوب المنطقة، لكن ينبغي الاعتراف أنه مهما كانت صدقية الخطاب الديمقراطي الأمريكي، ومهما كانت الدوافع الأمريكية، فإن لهذا الالتزام العلني أثراً كبيراً في شق جدار الاستبداد، وفي خلق مناخات مناسبة للتحول الديمقراطي، لكن ليس هناك حتمية في حدوث ذلك، فهو رهن بنخب المنطقة وشعوبها التي قد تستطيع تحويل “الديمقراطية العرجاء” إلى ديمقراطية حقيقية، أو قد لا تستطيع إذا اندرجت في خطابات وسياسات دوغمائية.

مهما كانت القدرات الأمريكية، سلباً أو إيجاباً، فإنها تبقى محكومة بشروط الداخل، بما يعني أنها ليست كلية القدرة. من هنا نقول إن تعميم التجارب خطأ سياسي فادح، فقد تشترك التجارب في بعض العناصر، ولكنها بالضرورة لا يمكن أن تكون ذاتها في كل مرة. يضرب البعض مثلاً على السياسة الأمريكية الخرقاء في العراق، لكن هذه السياسة تعاملت، أو بالأحرى كانت مرغمة على أن تتعامل، بشكل مختلف في لبنان، كما كانت مختلفة أيضاً في التعاطي مع ليبيا، وستكون مرغمة على التعامل بشكل آخر في مناطق أخرى. أياً يكن فعل الخارج، فإنه سيبقى محكوماً بالمكونات الواقعية المختلفة من مكان لآخر من جهة، وبتنوع مصالحه واختلافها من منطقة لأخرى.

قد يسأل أحدنا: هل يعقل أن تكون الولايات المتحدة مع التوجه الديمقراطي في المنطقة، في الوقت الذي يمكن لهذا التوجه أن ينقلب ضدها ؟. لقد دعمت أمريكا في السابق الاستبداد الذي حقق لها العديد من المصالح، ومنع شعوب المنطقة من التطور وأبقاها على هامش العالم واقتصاده، لكنه تحول في المآل إلى منتج لأهم عقبة، أي الإرهاب، أمام المشروع العالمي للولايات المتحدة في دمج اقتصاديات العالم. ودعمت الولايات المتحدة في السابق التيارات الإسلامية المتطرفة، ولم تكن تدر أن هذه الأخيرة ستحول سلاحها ضدها في يوم من الأيام. إن مجمل هذه السياسات، بما فيها سياستها الداعمة للتوجهات الديمقراطية اليوم تتوافق مع الفهم الصائب للممارسة السياسية بوصفها من أقل الأفعال البشرية وثوقاً، وبوصفها تتضمن العديد من المراهنات على المستقبل، وربما من جانب آخر تريد الولايات استغلال موجة التحول الديمقراطي في المنطقة والتحكم بها بعد أن تأكدت ملامحها وظهرت أجنتها في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. من جانب ثالث يبدو هدف دمج العالم في وحدة اقتصادية محورها الولايات المتحدة، أنه يتقبل وجود شئ من المعارضة لسياسة القوة الأكبر والأعظم، الواثقة من نفسها ومن قدراتها على التحكم بها عند الحاجة، خاصة أن الديمقراطية تسمح بوجود قوى معارضة سلمية على حساب القوى العنفية المعارضة لسياسة الهيمنة الأمريكية.

لكن هذا السؤال يقودنا إلى ضرورة مقاربة التصورات السائدة حول الولايات المتحدة في الذهن الشعبي، أو لدى النخب السياسية والفكرية في منطقتنا التي لا تختلف في الإطار العام عنه. عندما نتحدث عن الولايات المتحدة أشعر على الدوام وكأننا نتحدث عن شبح لا ملامح له، غير معروف بالنسبة لنا، ولا نستطيع التقاط أبعاد سياساته، وتغيراته بين لحظة سياسية وأخرى.

الصورة السائدة تتضمن كل عيوب تصوراتنا عن مختلف القضايا، فهي صورة اختزالية واستلابية وسكونية ومطلقة وخرافية في آن معاً. فالولايات المتحدة، دائماً وأبداًً، لدى جميع التيارات الفكرية السياسية، مع تجزئة الدول وتقسيمها من أجل إضعافها ونهب خيراتها، وهي لا تتورع عن اللعب بالتباينات المجتمعية وإثارة النعرات الطائفية.

بالطبع لا تتوانى أمريكا عن القيام بمثل هذه السياسات، لكن هذه السياسات ليست ثابتة، ولا تشكل قواعد أبدية في السياسة الأمريكية. الثابت في السياسة الأمريكية هو المصلحة الأمريكية، وهذه المصلحة قد تكون في لحظة معينة مع الحفاظ على وحدة منطقة معينة، كما يمكن أن تكون المصلحة الأمريكية في لحظات أخرى مع الحفاظ على السلم الأهلي بين الطوائف والتكوينات المجتمعية في منطقة ما.

في لحظة من اللحظات السياسية أطلق عبد الناصر شعاراً سياسياً مفاده أننا نعرف أن سياستنا صائبة وأننا نسير في الطريق الصحيح عندما تنتقدنا أمريكا أو عندما تقف ضدنا. هذه اللحظة السياسية سحبت ميكانيكياً على جميع اللحظات السياسية، لنصبح اليوم فاقدين لأي رؤية سياسية تجاه الولايات المتحدة، رؤية جديرة بالتعامل، وما هو سائد فهم ساذج وبسيط ومسطح، يصل لدرجة رفض أي شيء يصدر عن الولايات المتحدة، حتى لو كان في صالح مجتمعاتنا، وبغير قصد منها. تقول أمريكا (ولو على سبيل الخطاب السياسي فقط) إنها مع إشاعة الحريات والديمقراطية في المنطقة العربية، فيخرج البعض علينا برفض الديمقراطية. تقول أمريكا إنها تقف ضد نظرية الحزب الواحد، يخرج علينا بعض المؤتمرين في المؤتمر الأخير للبعث ليفسر بقاء المادة 8 من الدستور التي تبيح لحزب البعث حق قيادة الدولة والمجتمع قائلاً “إلغاء هذه المادة مطلب أمريكي ولذلك فهو مرفوض”. ولو قالت أمريكا إن الشمس تشرق من الشرق، فسيخرج علينا أمين عام لحزب سياسي، أو داعية قومي، يحذرنا ويؤكد لنا أن الشمس تشرق من الغرب، ولسوف تصفق له جموع هائلة من شعوب المنطقة.

هذه التصورات لها علاقة وثيقة بتصور خرافي عن الآخر يلبسه كل شرور الدنيا، وهذا تصور سهل، لأنه ربما عندما يتصرف هذا الآخر تصرفاً إيجابياً من زاوية مصالحنا الوطنية، فإنه يتركنا في حيرة من أمرنا، ويسبب لنا أزمة سياسية وأخلاقية في آن معا.

في العراق تعاملت أمريكا مع مكونات وصراعات خفية منذ آلاف السنين، وهي لم تخلقها، بل خلقها بشر المنطقة وساهم في تذكيتها الاستبداد بإلغائه للهوية الوطنية الجامعة، لتنمو التقسيمات الطائفية والدينية والعشائرية على حساب العراق/الوطن، أي أن أمريكا تعاملت مع واقع موجود، وكانت محكومة به.

التصور الخرافي موجود أيضاً في الضفة الأخرى، أي عند ذلك التيار الذي يرى في الآخر، أي أمريكا، الخير كله، فهذا التصور أيضاً، وإن اختلف ظاهره، إلا أنه يستند إلى النهج ذاته، ومن البديهي القول إن هذا النهج غير قادر على وضع سياسات فاعلة ومؤثرة وقادرة على استيعاب ما يحدث والتعامل معه بإيجابية. هذا النهج يذكرنا بتلك الثنائيات المطلقة التي تمتلئ بها صفحات فكرنا السياسي في قضايا عديدة جرى توصيفها على أنها شر مطلق أو خير مطلق. لا يمكن أن تكون أمريكا الخير كله أو الشر كله، فهي ليست الرب أو الشيطان. هي دولة معقدة التركيب وشبكة واسعة من المصالح وكتلة متحركة من السياسات والخيارات المتبدلة استناداً للظرف والمصالح الأمريكية العليا والرأي العام الأمريكي وجماعات الضغط ومراكز الأبحاث العديدة والمختلفة.

الصور الاختزالية الشائعة لأمريكا في الفكر السياسي العربي عديدة، فهي في تصور التيارات الشيوعية “إمبريالية عالمية فقط” قائمة من أجل نهب خيرات الشعوب واستغلالها وحسب، وهي عند التيارات القومية استعمار معاد لقضية القومية العربية وداعم لإسرائيل، وهي عند التيارات الإسلامية الأصولية نمط انحلالي غير أخلاقي، ونهج مادي لا يقيم وزناً أو اعتباراً للروحانيات، أو هي جميع هذه الصور الاختزالية معاً عند جميع التيارات. يشار للأمريكان أيضا عند جميع التيارات بأنهم قراصنة وتجار حروب ومرتزقة ومجتمع هجين ويفتقدون الأصالة التي نمتلكها نحن العرب. في الثقافة العربية الإسلامية المستندة لأصول بدوية، الآخر نجس ويفتقد لكل علامات “الطهارة” التي نمتلكها، لذلك يمتلئ رأسنا بشعارات على شاكلة: “ظلم أهل البيت ولا ظلم الغريب” أو “نار البلد ولا جنة الخارج”، حتى لو كان ظلم أهل البيت أشد وطأة، وعلى الرغم من أن النتيجة واحدة في الحالتين، وهي انتهاك كرامة الإنسان، سواء من قبل أبناء جلدته أو من الخارج.

هذه الصور الجزئية والاختزالية تنم عن عدم دراية بالآخر الذي هو الوجه الآخر لعدم الدراية بالذات وبملامحها وحاجاتها وأهدافها، وهي جميعها صور خرافية تحول الصفات النسبية إلى مطلقات.

هذه الصور والرؤى الخرافية غير كافية، ومضللة، ولا تقدم أي فائدة، من أجل تأسيس سياسات ناجعة مع الولايات المتحدة، كما أن الأدوات المعرفية المعتمدة عند جميع التيارات لم تعد قادرة على حل مشكلة سياسية أخلاقية متفاقمة في تعاملنا مع هذا الآخر، أمريكا.

التحولات العميقة في النظام العالمي، والمعطيات التكنولوجية والسياسية والاقتصادية الجديدة، تقترح تغيير أفكارنا وتعديل سياساتنا، لأنه ما عاد من الممكن التعامل معها بعقل وآليات الماضي. لم يعد مثلاً من المقبول عالمياً أن يقوم نظام سياسي ما بنهب شعبه وظلمه والاستبداد به تحت سمع وبصر العالم، كما لم يعد من الممكن أن يقف العالم متفرجاً لا حول له ولا قوة باسم احترام السيادات الوطنية، وهناك اليوم جدل واسع داخل الأمم المتحدة حول هذا الشأن، أي بخصوص وضع معايير للتدخل من أجل أسباب إنسانية.

الهيمنة والاستغلال موجودان في السياسة الأمريكية، وفي النظام الرأسمالي العولمي، لكن تجاوز هذا النظام أصبح غير ممكن إلا بجهد بشري عالمي من جهة، ومن داخل نظام العولمة ذاته من جهة ثانية، إذ إن مقاومته ومصارعته من خارجه بخلق نظام مضاد أصبحت أمراً خيالياً، وتأتي بالكوارث أكثر من الفوائد، فقد ذهبت آليات حركة عدم الانحياز وبناء القطب الاشتراكي إلى غير رجعة. عولمة النظام الرأسمالي أصبحت واقعاً يفرض نفسه في العلم والاقتصاد والتجارة والاتصالات، وغيرها، لذلك علينا ألا نصرف الوقت والجهد في مقاومته من خارجه معتقدين أننا بذلك ندفعه عنا إلى الأبد، فضلاً على أن ما ينقص مجتمعاتنا حقا هو المزيد من التطور الرأسمالي، رغم كل مخاطره وسيئاته المعروفة، وليس العكس.

نظام العولمة الرأسمالية يسمح، وتلك من صميم طبيعته وآلياته، بمقاومته من داخله، أي من جهة يتضمن هذا النظام الهيمنة والاستغلال والتقدم العلمي والتقني، ومن جهة ثانية يتضمن شروط تجاوزه: الإعلام، الأحزاب، التظاهر السلمي، البرلمان، الانتخاب، المعارضة…إلخ، في حين أن ظاهرة الاستبداد اجتثاثية واستئصالية لا تسمح بتكون أي شكل من أشكال المعارضة والتجاوز، وتسلب أي مجتمع جميع أشكال الدفاع المدني، فضلاً على افتقادها بعد التقدم، أي السير بالمجتمع للأمام.

 3- إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج في تاريخ المنطقة

إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج ليست إشكالية حديثة العهد، وهي ليست وليدة اللحظة السياسية الراهنة، رغم أنها تعمقت وازدادت ووضوحاً خلال السنوات الأخيرة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، والتغيرات النوعية التي تلتها في السياسة الأمريكية.

إنها إشكالية قديمة وعميقة الجذور، وتذكرنا بتلك الإشكاليات التي طرحت على العرب في عصر النهضة إبان اصطدامهم بالكائن الجديد المتفوق، أي الغرب، مثل إشكالية “الأصالة والمعاصرة”، “النقل والعقل”، و”العلم والإيمان” إلخ…، وهي الإشكاليات أو الثنائيات التي ما زال الفكر العربي يدور في أفقها ويتحرك في إطارها. ولا نبالغ إذا قلنا إنها أبعد غورا من ذلك، فهي ترتبط، بشكل أو بآخر، بنظرة ثقافتنا عموما للآخر، التي تتكئ على مصدرين أساسيين، أحدهما قبلي-بدوي، والآخر ديني.

في المستوى المعرفي إشكالية الداخل والخارج اليوم ذات علاقة وثيقة بإشكاليات عصر النهضة، والتي تصب جميعها في بؤرة واحدة أو مشكلة واحدة، هي العلاقة مع الآخر المختلف بقيمه ورؤاه وتصوراته وسياساته. وقد طرحت عدة طرق للتعامل مع ذلك الآخر منذ ذلك الوقت، ومازالت تعبر عن نفسها في تيارات فكرية سياسية، وفي قوى وأحزاب سياسية، وقد تحددت تلك الطرق عبر ثلاثة مسارات، الأول هو التعامل مع الآخر من خلال معرفة دفاعية تنحو باتجاه التمحور على الذات والعودة إلى التراث ورفض الآخر كليا، وقد أدى هذا الاتجاه تدريجياً إلى نشوء تيارات وأحزاب سياسية إسلامية أصولية، والثاني اتجاه التماهي مع الآخر والقبول به جملة وتفصيلاً دون أي اعتبار للمعطيات الواقعية المحلية، وقد عبر عن نفسه في صيغة أحزاب وقوى سياسية ليبرالية، واتجاه ثالث توفيقي، هجين، عبر عن نفسه في صيغة أحزاب قومية، أو في صيغة طريق ثالث يجمع انتقائيا بين الاتجاهين السابقين.

العلاقة الجدلية بين الداخل والخارج ثابتة عبر التاريخ، وقد تجسدت في العصور الحديثة في صيغة العلاقات بين الدول التي تفاوتت في مستواها بحسب اللحظة السياسية وقوة الدول وموقعها. لكن هذه العلاقة الجدلية ازدادت حدتها وكثافتها بعد التطورات والتغيرات المذهلة في العلوم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال.

كنا نقول في السابق إن مستوى تأثير الخارج في الداخل يعتمد أو يتوقف على مدى تماسك الداخل وقوته ومنعته، وهذا لا يزال صحيحاً، لكن يضاف له عنصر جديد، بحكم التغيرات العالمية الواسعة وتحول العالم إلى قرية صغيرة كما يقال، وهو أن مدى انسجام هذا الداخل مع منطق العالم وثقافته المعممة أو المقبولة عالمياً، أصبح يلعب دوراً كبيراً في تخفيف حدة التأثير الخارجي الممزّق، بالإضافة لمدى قدرة هذا الداخل بثقافته وسياساته على التأثير في الخارج، إذ على الرغم من وجود عشرة ملايين عربي في الولايات المتحدة، فإننا نكاد لا نسمع لهم تأثيراً يذكر في السياسة الأمريكية، في الوقت الذي يجد فيه اللوبي اليهودي آذاناً صاغية على الدوام، بحكم انتمائه للثقافة الأمريكية ذاتها، أي الثقافة العالمية، وبحكم تشابك المصالح والمنافع.

عند معالجة إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج ينبغي في البداية نقد آليات تناولها السائدة في ثقافتنا السياسية، إذ يصل الخلط الفكري أحياناً لتحديد معان مختلفة ومتباينة تجاه المقصود بالخارج، وهذا يعني ضرورة تحديد مضمون المفهوم في كل مرة يتم تناوله، فهناك أكثر من داخل وأكثر من خارج، وإن تناول الموضوع بشكله العام يساهم في تعميق حالة التشظي والبلبلة الفكرية، أكثر مما يساهم في إيجاد الحلول والمخارج الواضحة.

لدى البعض الخارج هو القوى الوطنية الديمقراطية الموجودة خارج بلدها، ولدى غيرهم الخارج هو المعارضة الموجودة خارج بلدانها والمدعومة من الغرب عموماً، والولايات المتحدة بشكل خاص، ولدى البعض الآخر الخارج هو المنظمات المدنية والحقوقية العالمية، ولدى آخرين هو الأمم المتحدة، ولدى غيرهم أوروبا أو الولايات المتحدة أو العالم بأسره.

تتطلب مقاربة هذا الموضوع أيضاً تحديد مستوى التناول أيضاً، فالتناول المعرفي الثقافي له قد لا يؤدي إلى النتائج السياسية ذاتها، رغم وجود علاقة وثيقة بين الحيزين المعرفي والسياسي، إذ إن المستوى السياسي محكوم بعدد من العناصر المؤثرة، إلى جانب العنصر المعرفي الثقافي، ومنها عنصر المصلحة السياسية والتكتيك السياسي وتوازن القوى وغيرها، وأحياناً تغيب العناصر الأخيرة الواقعية جميعها لصالح الجانب المعرفي الثقافي الذي يتجلى على الأغلب في صيغة العمى الأيديولوجي الذي يتعامل مع أحداث ووقائع سياسية راهنة عبر معيار أيديولوجي لا يقود إلا إلى المزيد من الأخطاء السياسية.

مستوى التحليل التاريخي للإشكالية يتطلب الكثير من التفتح الذهني والتحلي بالموضوعية، فقراءة التاريخ تتطلب تحييد العواطف والمشاعر، وتحييد الأيديولوجيات والمواقف السياسية. لا ينقص من كرامتنا شيء القول إن البلاد العربية ما كان لها أن تعرف أزمنة حديثة نسبياً لولا مجيء الغرب (نابليون) محملاً بأطماعه ووسائله الحديثة، فارضاً علينا، رغم أنفنا، إعادة التفكير بأوضاعنا ونظمنا وقناعاتنا، مع أننا نعلم أن مصالحه هي التي دفعت به إلينا.

لا يهتم التاريخ كثيراً بالقيم والأخلاق والمواقف “الوطنية”، فهي ليست المحرك الأساسي له. التاريخ كالمدحلة التي تجرف كل شيء ولا تعنى في المحصلة إلا بالنتائج، سواء تلك التي تساهم في تقدم البشرية أو التي تؤدي إلى تراجعها، والتقدم البشري قد يلتقي أو لا يلتقي مع قيمنا وقناعاتنا الأخلاقية والأيديولوجية. كانت قيم الرسول محمد ونابليون وماركس وغيرهم مرفوضة، ولا تلتقي مع قيم عصرهم، وما كنا لنسمع بهم لولا أنهم في المحصلة والمآل ساروا بالبشرية إلى الأمام، وهذا السير إلى الأمام هو ما جعل لقيمهم الجديدة معنى.

لم يخجل هيجل من مخاطبة نابليون الذي جاء مستعمراً لبلده ألمانيا قائلاً: “أرى العقل ممتطياً جواداً”، في الوقت الذي كان فيه “الوطنيون” الألمان يقارعون نابليون مدافعين عن بلادهم، وعلينا ألا نخجل من الاعتراف مثلا بخطأ فتوى الأزهر التي قضت بعدم التعامل مع المنجز الأوروبي، أي المطبعة، الذي حمله نابليون إلينا.

جميعنا في اليمين واليسار، في السلطة والمعارضة، ننظر للسياسة الأمريكية في عهد إدارة بوش الابن، على أنها سياسة لا عقلانية، لكن الموضوعية والقراءة الصائبة للتاريخ تقتضي الاعتراف بأن هذا الثور الأمريكي الهائج والباحث عن مصالحه ونفطه والاحتفاظ بحكم العالم لأطول فترة ممكنة، قد قدم للمنطقة على صعيد إبراز تأخرها في مجال الحريات أكثر من كل أنظمتها وأحزابها ومثقفيها، وتلك هي قاطرة التاريخ العمياء، وذلك رغم كل ما يقال، وهو صحيح، عن القهر الاقتصادي الذي تحمله هذه الإدارة للمنطقة.

هذا يعني أن تأثير الخارج ليس إيجابيا على الدوام، فقد يكون سلبياً ومدمراً. المهم أنه موجود دائماً، ولا يمكن إنكاره، أو التعامل على أساس أنه غير موجود، أما المعيار القيمي الذي يحدد إيجابية أو سلبية أي فعل بشري، خارجي أو داخلي، فهو الإنسان، فأي فعل أو مشروع يؤدي إلى سعادته وتحرره من سائر أشكال القهر والاستغلال، ينبغي النظر إليه بوصفه فعلاً أو مشروعاً إيجابياً.

 4- الداخل والخارج في الثقافة السياسية السائدة

عمليات التغيير والتحديث تمت في المنطقة العربية خلال نصف القرن الماضي في مستويات قشرية وسطحية بمعزل عن التعرض لأنماط ونظم الثقافة القديمة أو التقليدية التي سارت جنبا إلى جنب مع عناصر الثقافة الحديثة، وأدى هذا الوضع إلى تفريغ كل المفاهيم الحداثية (الإنسان، الفرد، الوطنية، الديمقراطية، الساحة العمومية، الشعب، القانون، العقل، إلخ…) من مضامينها الأصلية، إذ حضر الشكل وغاب الجوهر في خضم تلك العلاقة التجاورية الشاذة، ولذلك ليس من الغريب بعد هذه المسيرة أن “الشعب” بقي القبيلة، والحزب السياسي قبيلة مصغرة، والفرد عبداً، والقانون شريعة الدين أو السلطات… إلخ.

أ- عقدة النقص تجاه الغرب والخوف منه:

لم يشكل العثمانيون عقدة للعرب، كما شكلها الأوروبيون والأمريكيون، لا من حيث الخوف منهم، ولا من حيث شعور النقص تجاههم، إذ بعد المعارك الأولى استتب الأمر وتعايش العرب والعثمانيون، والسبب واضح، وهو الثقافة الواحدة للطرفين.

منذ أن جاء الغرب إلى المنطقة العربية على شكل حملات استعمارية، بدءا من حملة نابليون على مصر عام 1798، والذات العربية تعاني مشاعر الدونية والنقص تجاه هذا الكائن الجديد، وهذا أثر بطبيعة الحال على طريقة تعامل الذات العربية مع هذا الكائن المتفوق علماً وتكنولوجيا وحضارة، حتى على صعيد المثقفين وزعماء الإصلاح الديني في بداية عصر النهضة العربية، أما طريقة التعامل مع الغرب فمهما اختلفت وتنوعت اتجاهاتها وقناعاتها، فإن جذرها كان على الدوام هو مشاعر الدونية والنقص تجاه كائن غريب ومتفوق.

شعور الذات العربية بالنقص تجاه الإنسان الأوروبي أو الأمريكي يعكس نفسه بأشكال مختلفة، إلا أنها كلها محقرة للذات ولقيمتنا تجاه أنفسنا كأفراد وكجماعات، ولعل أبرز هذه الأشكال محاولات كتابنا ومفكرينا منذ بداية هذا القرن أن يبرهنوا على عظمة التراث العربي والإسلامي ومدى تأثيره في الحضارة الأوربية وتطورها. وما هذه المحاولات من الوجهة السيكولوجية غير تعبير عن هذا الشعور بالنقص ومحاولة التعويض عنه بإيجاد صلة مشرفة تربطنا بالغرب وتجعلنا جزءاً منه ولو من زاوية تاريخية مجردة. إننا في تفاخرنا على الغرب وتبجحنا بعطائنا الحضاري له إنما نؤكد رغبتنا الخفية في أن نكون مثله لنحظى بقبوله وإعجابه. وهذا الشعور بالنقص هو الذي يدفعنا أيضاً في الاتجاه المعاكس، أي إلى الطعن في كل ما هو غربي وإلى التعلق الأعمى بالتراث والتقاليد، فمنذ بداية عصر النهضة، غلبت المعرفة الدفاعية والفكر الدفاعي على المعرفة النقدية والفكر النقدي، فأخذ مثقفونا يرسمون لنا صور تاريخنا وحضارتنا ومجتمعنا بشكل تبريري، في وجه سيطرة الغرب ونفوذه، وأصبح هدف المعرفة درء الخطر عن الذات، بدلاً من معرفة الذات، من هنا كانت نظرتنا إلى أنفسنا وإلى تاريخنا وإلى العالم نظرة خاطئة تقوم على الحاجة النفسية إلى تعويض الشعور بالنقص.

الذات العربية مصابة بترجرج، وقلق، وتخلخل في القيم، وانجراح في مشاعر الأمن والانتماء، إنها الذات المنجرحة إزاء الآخر المتفوق، لذلك فهي تلجأ إلى عمليات وسلوكيات سمتها العامة النكوص إلى الداخل، التراث، التقاليد، الماضي، وفي مثل هذا السلوك تجد سبيلها إلى خفض التوتر وتأمين شيء من التوازن الانفعالي للذات كي تستطيع الاستمرار في الوجود.

موقف الذات العربية هذا ينسحب على كل موقف له صلة بالغرب تتعرض له سواء أكان متعلقاً بالأخلاق أم بالعلم أم بالتكنولوجيا أم بالثقافة… ولا يمكن أن نتوقع نهضة دون تجاوز هذا الموقف الدفاعي والسعي للتعامل النقدي مع الفكر الغربي وإنجازاته دون عقد النقص التي ما زالت تتحكم بنا.

ينظر التيار القومي عموماً لدعاية الولايات المتحدة بخصوص حقوق الإنسان والديمقراطية بقدر كبير من التوجس والريبة، بل وبسبب تاريخ طويل من الكيل بمكيالين وازدواجية السلوك والقرارات والسياسات، غالباً ما توصف الديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان نفسها كأداة للهيمنة، وكجزء لا يتجزأ من مساعي القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، للسيطرة على الشعوب الأخرى، وفرض أنماطها الثقافية الخاصة بوسائل القوة عليها.

ويضاعف من خطر هذه الظاهرة أنها تستثمر استثماراً ماهراً من جانب الحكومات والنظم السياسية العربية والقوى الشمولية العاملة بنشاط في الساحة السياسية والثقافية العربية. ويستهدف هذا الاستثمار التلاعب بالعقول من أجل تكريس الخضوع لقيم سياسية شمولية ولنظم سياسية تسلطية، وذلك بالقول إن هذه النظم وهذه القيم تشكل الحماية الملائمة للشعوب العربية ضد محاولات اختراق سيادتها.

وبالتالي فإن التلاعب الانتهازي من جانب الولايات المتحدة بقيم حقوق الإنسان يمثل تبريراً لنوع آخر من التلاعب من جانب القوى المحلية، ونعني بذلك التلاعب المحلي بقيم السيادة وبالقيم الوطنية، بهدف تمرير انتهاكات خطيرة للحقوق. إن الدعاية المكثفة للسلطات لا تكف عن إثارة النخوة الوطنية والعاطفة القومية؛ بهدف تبرير كل من المصادرة المستمرة للديمقراطية وحقوق الإنسان.

علاقة هذا التيار مثلا بمنظمات حقوق الإنسان علاقة يحكمها التوجس والريبة، وهناك حكومات عربية عديدة وحركات سياسية معارضة انتحلت خطاباً وطنياً في مواجهة حقوق الإنسان على مذبح النضال ضد المحتل والعدوان الخارجي. وبشكل ما يتهم المدافعون عن حقوق الإنسان بأنهم عملاء للغرب وللولايات المتحدة، وليس أدل على ذلك من اجتماع وزراء الداخلية العرب في اجتماعهم في يناير 1997 بتونس على اعتبار المنظمات العربية لحقوق الإنسان خطراً على الأمن القومي.

لقد وظف هؤلاء جميعاً عقدة الخوف من الغرب توظيفاً انتهازياً وسيئ النية حيناً، وبسبب الجهل وتمحور الثقافة السياسية حول الفكرة القومية كشكل عدائي تجاه الآخر حينا آخر، والمحصلة كانت الإبقاء على أوضاع حقوق الإنسان واستمرار الاستبداد.

إن الصراع لا يدور بإطلاق بين العرب والغرب، فالغرب يظهر دائما كفضاء بالغ التنوع، ليس من الناحية الثقافية وحسب، بل ومن الناحية السياسية أيضاً، ولتؤكد الأحداث السياسية يوما بعد يوم أن صراعنا مع الولايات المتحدة هو صراع سياسي صرف، ولا شأن له بصراع الحضارات والثقافات. الاحتجاجات المدنية وحركات حقوق الإنسان في الغرب أوضحت كذلك هزالة ما حاولت تيارات فكرية سياسية قوله من وجود دوافع ثقافية وراء الحملة الأمريكية المعادية للعالم العربي وثقافته، وبالتالي لم يعد من الممكن الدفاع عن خطاب الهوية الأحادي الذي دفع مجتمعاتنا قسراً لرؤية متوجسة إزاء العالم ترفض التفاعل الخلاق مع الثقافات الأخرى، ليكون المآل الانكماش على الذات القومية أو الدينية أو تغليظ الحدود بيننا وبين الآخرين أو إثارة الكراهية والخوف من جميع الأنظمة الثقافية والمجتمعية الأخرى.

ب- خطاب الهوية إزاء خطر الخارج:

يطرح الفكر القومي التقليدي (البعث، الناصرية) دائماً وأبداً، وعلى الدوام، أهدافاً سياسية ساخنة، على الرغم من أن الهزيمة تعشش منذ وقت بعيد، ومازالت، في العظام.

ينتظم هذا الفكر مسألتان، الأولى ضعف مستواه الحداثي، والثانية عقدة إهانة كبيرة بسبب الهزائم المتكررة، يعبر عنها باهتزاز وتصدع كل أرجاء الشخصية والوجدان. تحت تأثير عقدة الإهانة يتم التمسك بجدول أعمال يدور أساسا ًحول الهوية القومية،أو بالأحرى حول أجندة عمل قومية،وهو سلوك سهل لا يتطلب الكثير من التفكير، يعتمد البحث عن العناصر القادرة على التعبئة والتحشيد والتجييش، ويكفي أن نقول “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” حتى تنتابنا مشاعر النصر ونصل إلى السماء، ومن ثم لترمينا الحقائق الواقعية للهزيمة رمياً على الأرض،و يا ليتنا نصحو، بل نعيد الكرَّة من جديد.

العجز الواقعي عن الفعل، والإهانة المضمرة التي يشكلها لنا وجود هذا الكائن القوي، أي الغرب، يجري مجابهتها والتعويض عنها بمواقف إنشائية كلامية، وبقدرات بلاغية هائلة، لاستنفار المخزون الروحي، ولكنها للأسف لا تتضمن أي إمكانية للتجسيد على أرض الواقع، وكلما زاد العجز زاد الإنشاء، وكلما كان حضور الخارج كثيفاً يجري التركيز على قضية الهوية والسيادة، بمعنى تسخير كل شيء من أجل الحفاظ على الهوية والسيادة.

هذه الأجندة القومية، دائمة الحضور، رغم عمق الهزائم، تؤدي إلى تشوه ثقافي عام في الثقافة السياسية، إذ تصبح المهمة الأعلى والمقدسة هي الانتصار على الآخر أو الخصم، وبالتالي إلقاء مهام إعادة البناء الداخلي، وما يرتبط به من استحقاقات كحقوق الإنسان والديمقراطية إلى الهامش.

استمرار هذا الوعي من الأسباب الأساسية لحالة الشلل على صعيد البناء الداخلي، وطالما استمر هذا التشوه الفكري سيظل ينظر لثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية باعتبارها وسيلة لاختراق مجتمعاتنا، أو على الأقل تأجيلها لصالح التعبئة والتجييش الضروريين لمعركة النصر ضد إسرائيل وأمريكا والغرب عموماً، في الوقت الذي لم تحدث حالة تعبئة وتجييش طوال نصف القرن الماضي ضد أي انتهاك لحقوق الإنسان في المنطقة العربية، والمثال القريب نظام صدام حسين السابق الذي نال بشكل مباشر أو غير مباشر كل التحشيد والتعبئة باسم أجندة العمل القومي الراهنة دائماً،في الوقت الذي لم تحدث من قبل تيار “الأجندة القومية” أي حركة احتجاج ضد انتهاكاته الفظيعة لحقوق الإنسان.

تأخذ “الهوية القومية” في هذا الوعي طابعاًً وسواسياً تجاه الآخر، وشكل تعيينات قطعية، مغلقة وثابتة، وهذا الفهم السكوني، بشكل أو بآخر، يعيق استقبال العناصر الإيجابية في الثقافات الأخرى؛ بسبب سيطرة هواجس ووساوس الغزو الثقافي. الهوية، هوية أي فرد أو مجموعة بشرية، هي كائن متجدد على الدوام، وينبغي إعادة بنائها في كل لحظة من أفق المستقبل، وليس النظر إليها باعتبارها شيئاً تكون في الماضي وانتهى.

يقولون: الهزائم تعلم الأمم، إلا أن تيار الأجندة القومية لا يتعلم، وهو مستعد لتكرار الهزائم إلى مالا نهاية طالما بقيت مرتكزاته ومقولاته ثابتة لا يطالها أي تغيير، فبعد أن ملأ هذا التيار الفضائيات العربية بتحليلاته وتوقعاته ووعيه الزائف والمضلل بنهاية الأمريكان أو المغول الجدد على أسوار بغداد، وبعد انكشاف الهزيمة والسقوط السهل لبغداد، نام قرير العين على اعتبار أن خيانة كبرى قد حدثت، ومن ثم تبرؤوا من صدام حسين، مع أن هذا الأخير لم يكن إلا تجسيداً فاقعاً لحركة قومية تقليدية هشة وغير ديمقراطية ولا إنسانية، ولم يكن وحده مهزوماً بل التيار القومي التقليدي برمته.

هذا التيار اكتفى عندما أعلن عن تشكيل مجلس الحكم الانتقالي في العراق بتوصيفه بالعمالة والخيانة. وهذا توصيف سهل،لكن يبقى من الواجب أن نتأمل في الأسباب والدوافع التي قادت آلاف الناس من اتجاهات سياسية عديدة للوقوف موضوعياً في صف العدوان، إذ لا يمكن أن نختزل الموضوع بهذا التوصيف، ويجب أن نلتقط بجدية الأسباب التي دفعتهم إلى هذا الموقف، والتي تكمن أساساً في أن الاستبداد الطويل قد مَزَّقَ العراق وشوًّه تياراته السياسية، حتى لم يعد من السهل توصيف الوطنية واللاوطنية استنادا إلى هذا الموقف.

أوضح ما يعبر عن هذا التيار هو رؤيته للصراع العربي – الإسرائيلي، والخطر الخارجي الذي تمثله إسرائيل على العرب، خاصة عندما وضع هذا التيار “القضية الفلسطينية”، ومازال، كقضية مركزية للعرب، وبالتالي تمحور وعيه ووعي الشارع الشعبي حولها. باعتقادنا إن قضية العرب المركزية هي الديمقراطية وحقوق الإنسان، وما عداها، على أهميته،سيجد مكانه اللائق عندما تعود للمواطن ثقته بذاته وبوطنه وبقضاياه القومية.

القضية المركزية والمهمة الحارة هي إعادة البناء الداخلي على أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذا ليس إنكاراً لمشروعية العمل القومي وضرورة إزالة الظلم القومي الواقع على العرب، لكننا ندرك هذه المهمة من منظور حقوق الإنسان والديمقراطية على اعتبار أن إنجازها رهن بتحديث وإصلاح المجتمع والسياسة والثقافة في الأقطار العربية،أكثر مما هي مرهونة بالوسائل العسكرية والتعبوية والتحشيد واستغلال العواطف القومية.

لقد فضحت الأحداث السياسية خطاب الأمن القومي العربي الذي استخدم لتبرير قمع الحريات العامة، فعندما آن أوان الدفاع عن الوطن أو مناهضة العدوان الأمريكي على العراق لم تقم الأنظمة العربية بواجبها، وتواطأ بعضها بصورة سافرة مع العدوان، وقامت هذه الأنظمة جميعها بقمع التحركات الشعبية القليلة والمتواضعة للتضامن مع الشعب العراقي وإدانة العدوان الأمريكي. حتى المعارضات السياسية عندما تطالب بالديمقراطية وحقوق الإنسان، فإنما تؤكد عليها من أجل مواجهة الخطر الخارجي وحسب، وليس لأن أهل البلد يستحقونها ويحتاجونها لإعادة احترام أنفسهم والثقة بذواتهم والتعبير عن إنسانيتهم.

ما يصدق على تيار الأجندة القومية، يصدق أيضاً على التيار اليساري الذي وضع الاشتراكية كأجندة راهنة، لتكون في مواجهة الديمقراطية وحقوق الإنسان على مدى نصف القرن الماضي من تاريخ المنطقة العربية.

 ج- خطاب “الخصوصية” في مواجهة الخارج

يكاد يكون خطاب “الخصوصية” في المنطقة العربية ومنها سوريا لسان حال جميع القوى الكابحة للتقدم، إن كان لدى الحكومات أو لدى التيار الإسلامي الأصولي أو لدى الفكر القومي التقليدي، ما يوحي بأن مجتمعاتنا لا تنتمي إلى مجتمعات البشر، وإنساننا ليس من أبناء الأرض، بل من المريخ.

نشأ خطاب “الخصوصية” مع بدء احتكاكنا بالغرب على شكل خطاب دفاعي محوره، كما قلنا، عقدة النقص تجاه الغرب والخوف منه، وهو ما زال حاضراً بقوة في فكر وخطاب جميع القوى والتيارات السياسية والفكرية الموجودة في الساحة، لذلك ما زالت النظرة لحقوق الإنسان والديمقراطية غير أصيلة، إذ ينظر لها بوصفها نتاجاً لثقافة الغرب وتعبيراً عن هيمنته، وهي بالتالي نقيض لثقافتنا وهويتنا.

يحمل خطاب الخصوصية ضمناً أو صراحة افتراض أن الثقافة، أي ثقافة، ساكنة وتحمل خصائص لا يطالها التغيير. هذا التفسير باعتقادنا لا تاريخي، ينظر للثقافات كجزر معزولة، وللهويات كحواجز ثابتة لا تتغير.

صحيح أن الثقافات تتمايز، فهذه حقيقة مشاهدة لا جدال حولها، ولكنها أيضاً تتلاقح وتتحاور، فالثقافات أجسام حية تنمو وتتطور وتؤثر وتتأثر، وفي مضمار هذا التلاقح تسقط بعض الترهلات من جسدها، وتكتسب بعض السمات التي لم تكن فيها.

خطاب “الخصوصية” ليس بريئا على الدوام، فمما لا شك أن الحكومات وقطاعاً واسعاً من النخبة الثقافية والسياسية (تيار الفكر القومي التقليدي وتيار الإسلام السياسي) يرفعون شعار الخصوصية كشعار أو واجهة لإخفاء الأوضاع المتردية من جهة، ولمواجهة ثقافة الخارج بغرائز الحفاظ على الهوية والثقافة الإسلامية.

ذلك لا يمنع ألبتة من وجود خصوصيات ثقافية وفكرية واجتماعية، بما في ذلك المجتمعات الغربية، غير أن هذه الخصوصيات لا يمكن فهمها إيجابياً إلا بجانب “التطورية” التي تعيد تشكيل تلك الخصوصية. بالتالي فإن ما يسمى ب “الخصوصية السورية” لا يحول دون تطبيق مبادئ حقوق الإنسان والسير في طريق التحول الديمقراطي، وإنما يجب أخذها بعين الاعتبار عند محاولة ترجمة المبادئ العامة للديمقراطية واقعياً في لحظة زمنية محددة، ولو وقفت البشرية عند حدود الخصوصيات لما توصلت إلى مجموعة من القيم والمبادئ المشتركة بين جميع البشر، والتي تجسدت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومواثيق الشرعة الدولية.

في الوقت الذي تقبلت فيه معظم السلطات المسلمات الليبرالية الغربية المعاصرة، لا سيما الخصخصة واقتصاد السوق، فإنها رفضت مسلماته السياسية وتبعاتها في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة وأساسيات النظام الديمقراطي، وفي الوقت الذي لم نتورع منذ اصطدمنا بالغرب في أواخر القرن التاسع عشر، وحتى لحظتنا الراهنة، عن استيراد كل شيء، فإننا نتردد إزاء الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ما لم يتم تجديد الثقافة العربية الإسلامية على أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة، وما لم يتم تجاوز الآليات الدفاعية في الفكر والثقافة والسياسة، ستبقى جميع المفاهيم الحداثية نبتة غريبة، تعصف بها اللحظات السياسية المتغيرة، ولن تقدم أو تؤخر في مسيرة شعوب المنطقة، هذا إذا لم نقل إنها ستظل تعيقها وتنقلها من خطأ سياسي إلى آخر في تعاملها مع العالم الخارجي.

الجزء الثاني

1- مقدمة: عصر بدون مقدسات يعيد اصطفاف القوى والبشر

2- تغيرات السياسة الأمريكية والنظام العالمي

3- إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج في تاريخ المنطقة

4- الداخل والخارج في الثقافة السياسية السائدة

أ- عقدة النقص تجاه الغرب والخوف منه

ب- خطاب الهوية إزاء خطر الخارج

ج- خطاب “الخصوصية” في مواجهة الخارج

د- الوطن والوطنية

هـ- العولمة

1)           العولمة: مستوياتها وآلياتها

2)           الأمركة والهيمنة….. وبناء الموقف من العولمة

3)           القومية والاشتراكية في إطار العولمة

4)           ثقافة العولمة والثقافات المحلية

5- إشكالية الداخل والخارج في الممارسة السياسية

أ- المنهج والخطاب السائدان سياسياً

ب- النظم الحاكمة وتعاطيها السياسي مع الإشكالية

6- الخروج من النفق المسدود

…………………………..

د- الوطن والوطنية

الوطن في تاريخنا وثقافتنا السياسية السائدة محدد بمجموعة من المفاهيم والتصورات، لعل أهمها عندما يشار إليه بـ “الحِمَى”، وهذا يعني أن الوطن محض جغرافيا، أو هو الجغرافيا الحاوية على الماء والكلأ والنار وحسب، ويتأسس على ذلك تقسيم العالم إلى “فسطاطين”: أهل الحمى والغزاة.

يتأسس على هذا الفهم تحديد سلبي للوطنية، لتصبح معادلة تماماً للموقف العدائي من الآخر، أي الغازي أو المستعمر، الذي يحاول انتهاك الحمى. وهذا يفسر لنا إلى حد ما ذلك الشعور بالنقص الذي ينتاب أغلب السياسيين في منطقتنا إزاء “المقاومة”، على اعتبار أن هذه الأخيرة هي أعلى مراتب الوطنية، بل ويشعرون بتفاهة أعمالهم ونشاطاتهم السياسية والثقافية إزاء قطرات الدم التي تضحي بها “المقاومة” ذوداً عن الأرض والحمى والجغرافيا.

ربما تكون “المقاومة” مقدسة لأسباب أخرى أيضا، فالفعل الميكانيكي (العضلي) عموماً في ثقافتنا، وأدبنا، وفي الوعي الشعبي عموماً، أهم بما لا يقاس من الفعل الفكري أو الذهني. هذا الأخير ربما يكون محتقراً عند البعض، ولطالما أشير إلى المفكرين والمثقفين والساسة بأنهم أصحاب كلام فقط، بينما جنود الحرب والمقاومة هم أصحاب الفعل الحقيقيون. من الأسباب الأخرى ربما لأنه في ثقافتنا وتاريخنا، ولأسباب بدوية، وأخرى دينية، الموت له قدسية أكبر، وهو مفضل على الحياة، ولذلك يشيع في ثقافتنا السياسية اليوم نشيد ثقافة الاستشهاد.

ما زال تحديد الوطنية يتم بشكل سلبي، أي بدلالة الآخر أو الخارج، وبالموقف العدائي منه، ولم يحدث للآن بناء الهوية الوطنية انطلاقاً من الذات وحاجاتها وأهدافها بالدرجة الأولى، ولذلك فهي تتطابق إلى حد ما مع “الشوفينية”.

خلال فترة مقارعة الاستعمار الغربي تطابق مفهوم الوطنية مع حركة التحرر وطرد المستعمر، ولم يكن في برامج معظم حركات التحرر العربية سوى نقطة واحدة هي تحقيق الاستقلال.

الجغرافيا ومقاومة الاستعمار هما العاملان اللذان يحددان هوية الوطن والوطنية في الثقافة السياسية السائدة، فهل كان هذا الفهم منتجاً في الأزمنة الحديثة لدى حركات التحرر العربية والفكر القومي التقليدي ؟ وهل كانت النهايات سعيدة ومشرفة ؟، وهل يمكن اليوم تحقيق الاستقلال الاقتصادي والتنمية المتمحورة على الذات، فيما لو تم تحقيق الاستقلال الجغرافي ؟

نعرف جميعاً أن عناصر الدولة أو شروط وجودها تتحدد بالشعب والأرض والسيادة، لكن هذا التحديد التقليدي للدولة بدأ يتغير، وهناك عوامل عديدة لعبت دوراً كبيراً في الحد من سيادة الدولة، فوجود الدولة في عالم واسع يتضمن دولاً متفاوتة في القوة يجعل من كل دولة بالضرورة ناقصة السيادة، كما أن تطور المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية خاصة أفقد السيادة مفهومها المطلق، مثلما حصل مع ألمانيا عندما منعت من التسلح، وبعض الدول منعت من امتلاك الأسلحة النووية، أو حتى من إرسال جيوش إلى الخارج (اليابان)، أما بالنسبة للبلدان المتخلفة فحاجتها إلى رؤوس الأموال وأزماتها المالية الدائمة جعل من معظمها خاضعة لمؤسسات عالمية، وبالتالي ناقصة السيادة من خلال الشروط الموضوعة لمنح المساعدات، خاصة ضغوط البنك الدولي والشروط التي يضعها لتقديم قروضه.

التطور التكنولوجي، خاصة في السنوات الأخيرة، أفقد السيادة الكثير من مقوماتها، وزاد من فعل الدول المتطورة في جميع شعوب العالم، كما اهتز مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وهو أحد القواعد الأساسية للمجتمع الدولي، على إثر حرب الخليج عام 1991 عندما أقرت الأمم المتحدة حق التدخل الإنساني.

هذا لا يعني أن الجغرافيا غير مهمة، إذ ستظل سيادتنا منقوصة طالما بقيت أجزاء من أرضنا محتلة، لكن السؤال المهم هو: هل السبب في نقص السيادة السورية مثلا هو فقط احتلال جزء من أرضنا، أي الجولان، أو غيره ؟

نكرّر هنا مع غامبيتا زعيم المقاومة الفرنسية عندما سئل عن إقليم “الألزاس – لورين” الذي اضطرت فرنسا للتنازل عنه لألمانيا في عام 1871، فأجاب “سنفكر بها دائماً، لن نتكلم عنها أبداً”، وبعد نحو خمسين عاماً عاد الإقليم لفرنسا، أما في المنطقة العربية يحدث العكس، فنتكلم كثيراً، ولا نفعل إلا قليلاً.

المعروف أن حدود بلادنا حددت من قبل السفير البريطاني في الهند في أوائل القرن الماضي ودون رأي أهل المنطقة، فلنفترض أن هذا التحديد تم بطريقة تختلف بضعة كيلو مترات في أي اتجاه وأي منطقة، فهل كان ذلك سيغير من طبيعة فهمنا للوطن والشعور الوطني ؟. الجغرافيا هي إطار الوطن، لكن الوطن أبعد من الجغرافيا. الأساس هو ماهية الوطن، أي محتواه ومضمونه، أما الحدود الجغرافية للوطن فهي نتيجته وتتحدد به.

لم يكن الاستبداد السياسي مرذولاً في تاريخنا السياسي، بل على العكس، إذ كانت فكرة “المستبد العادل” جزءاً رئيسياً من ثقافتنا السياسية. لذلك لا تجد تيارات سياسية عديدة أي حرج اليوم في الوقوف بشكل مباشر أو غير مباشر مع الاستبداد في اللحظات التي تتعرض فيها “السيادة الوطنية”، أو بالأحرى “الجغرافيا الوطنية”، للتهديد الخارجي. يؤكد ذلك أيضا الحماسة التي تبديها شعوبنا في مقاومة المحتل، في حين تتقاعس إزاء إبداء أي حالة احتجاج ضد ظاهرة الاستبداد.

كثيراً ما يشار للوطن أو الحمى بصفات المرأة، كأن يقال “سقطت بغداد العذراء”، و”انتهك الغزاة حرمة البلاد”، وكل هذه التعابير تشير إلى أهمية بعد الشرف الأنثوي وحضوره الطاغي في ثقافتنا، فالمجتمع الذي تقوم ثقافته في جزء كبير منها على “الفضيحة والعار” لا يستثيره شيء، كما تستثيره قضايا الشرف، وبدرجة تفوق الحرص على الأوطان.

قضايا الشرف يصبح لها أهمية قصوى عندما يأتي اختراقها من “الغريب” أو الخارج، في الوقت الذي يتقاعس فيه الغالبية لدى اختراقها من أهل البيت، ويصمت الجميع على فضائح “عدي صدام حسين” وغيره، وربما يكون لهذا الأمر علاقة بمنطق أهل القبيلة الذين يتقبلون، أو يصمتون على سلوك “شيخ القبيلة”، رغم أنه يسوسهم كالإبل.

إضافة للجغرافيا ومقاومة الاستعمار والحفاظ على الشرف، هناك محدد رابع للوطن والوطنية في الوعي السياسي السائد، هو الأيديولوجيا، فلا أحد يتخيل الوطن والوطنية بعيداً عن رؤيته الأيديولوجية. فكل أيديولوجيا تضع تصوراً أو فهماً محدداً للوطن والوطنية، ويصبح غير المنتمين لهذه الأيديولوجية غير وطنيين بالضرورة.

كل من هو غير مسلم، وبشكل أدق غير “سني”، مشكوك في وطنيته في فكر التيارات الإسلامية، وهنا أيضا يجري تقسيم العالم إلى “فسطاطين”، فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان، وكل من يحاول الاستفادة من علوم الغرب وثقافته بعيد عن الوطنية في فكر التيارات الشيوعية التقليدية، وكل من ينتمي للأقليات القومية (الأكراد مثلاً) هو عميل للخارج بشكل أو بآخر في الفكر القومي التقليدي، فهذه الأقليات ما هي إلا إسفين مغروس في مجتمعاتنا سيستخدمها الخارج في النفاذ إلينا في الوقت المناسب.

السيادة الوطنية في قاموس أنظمة الاستبداد تعني قانون الطوارئ والأحكام العرفية، واجتثاث المعارضين، وقطع الطريق على الحريات، واحتكار السلطة، وإلحاق الإعلام ومؤسسات الدولة بها، وتخويف البشر وامتهان كرامتهم، رغم أن هذا الفهم لم يحافظ – كما تشير تجارب عديدة – على الوطن والوطنية.

يضع النظام الاستبدادي معاييره الخاصة التي تتناسب مع استمراره ومصالحه في تحديد “الوطنية”، إذ يجعل منها، بشكل أو بآخر، معادلة للولاء له، ولتصبح كل حركة معارضة لوجوده واستمراره خارج السرب الوطني، فهل يعتد برأي الاستبداد في تحديد الوطنية ؟

الاستبداد من جهة ثانية يشوه التيارات السياسية والاجتماعية في المجتمع، ويشوه انتماءها الوطني، ويقدم فهماً سكونياً ثابتاً لمفهوم الوطن والوطنية، على عكس النظام الديمقراطي الذي يسمح في كل لحظة بإعادة اكتشاف الهوية الوطنية، باعتبارها هوية متجددة، وكائناً حياً ينمو ويتطور ويتفاعل مع الجديد والمتغيرات، وهذا يعني أنه لا توجد ملامح للوطن دون الديمقراطية.

لا وطن بلا مواطن، ولا تحرير أو استقلال بدون حرية المواطن. أليست التضحية بحقوق الإنسان على قربان “الوطن في خطر” و”الوطنية” المفصلة على مقاس أنظمة الاستبداد، هي التي قادت إلى هذه الحالة من “الهشاشة الوطنية” وتلك التشوهات في الانتماء الوطني ؟.

يتحدد المفهوم الجديد للسيادة الوطنية بمدى احترام حقوق الإنسان، فهي الأساس ليشعر المجتمع برمته بأن الدولة دولته، وأن الوطن وطنه. يسأل البعض سؤلاً ساذجاً هو: في حال تعارض الوطنية مع حقوق الإنسان، فلمن تكون الأولوية ؟ هذا السؤال ينطلق نظرياً على الأقل من وجود تعارض مبدئي بين الوطنية وحقوق الإنسان.

في الحقيقة لا يمكن أن يكون هناك وطن خارج إطار احترام حقوق الإنسان، فالوطن لا يعني شيئاً دون محتواه الديمقراطي.

مرجع الوطنية هو الدولة الوطنية، وهي فقط التي تمكننا من وضع محددات أو توصيفات حقيقية للوطنية والخيانة، باعتبارها دولة الكل الاجتماعي ودولة القانون واستقلال القضاء.

 هـ- العولمة وثقافة العولمة

أصبحت ظاهرة “العولمة” اليوم من المواضيع الرئيسة في الساحة الثقافية السياسية في المنطقة العربية التي تقام حولها الندوات المتعددة وجلسات الحوار المختلفة، وذلك بحكم الأسئلة الجوهرية التي تطرحها علينا، والتي نستطيع تكثيفها فيما يلي:

ما مفهوم العولمة ؟ وهل هي ظاهرة جديدة أم قديمة ؟ وما المستويات التي وصلت إليها اليوم على أرض الواقع سياسياً واقتصادياً وثقافياً ؟

هل العولمة حالة حتمية لا نملك حيالها كشعوب وكدول إلا أن نميل مع إيقاعها ؟ أم يمكن تجاهلها حفاظاً على استقلالنا الذاتي ؟

هل تقتضي مصلحتنا تجنب العولمة ؟ وهل تمتلك العولمة جوانب إيجابية بالنسبة لبلداننا الفقيرة والمتخلفة،أم أنها ظاهرة سلبية كلياً وبشكل مطلق غايتها اكتساح هذه البلدان وإفقارها المتزايد وتهديد هوياتها ؟

هل العولمة مرادفة للأمركة ؟ وهل تعني بالتالي السعي نحو تعميم النموذج الأمريكي في الحياة ؟ وهل ستقود آلياتها المجتمع الإنساني فعلاً في هذا الطريق أم ستقوده نحو الاعتراف بالتعددية الحضارية وتعميقها ؟

هل انتهت الخصوصيات الوطنية والقومية في ظل ظاهرة العولمة ؟ وهل فقدت هذه المطالب مشروعيتها بالنسبة للبلدان التي لم تنجز بعد مهامها الوطنية والقومية ؟

هل فقد المشروع الاشتراكي بريقه ؟ وهل أصبحت الرأسمالية بفضل قدراتها التجديدية سقف التاريخ ونهايته ؟ وهل انتهى دور الدولة السياسي – الاقتصادي ؟ وهل فقد القطاع العام أهميته وضرورته ؟ وهل يمكن إعادة إنتاج سياسات اقتصادية ذاتية التمحور وتحقق التنمية الاقتصادية ؟

هل من الممكن بالنسبة لبلداننا أن تواجه العولمة وتقاوم آثارها السلبية ؟ وما الشروط الضرورية لبلورة استراتيجية مجابهة على مستوى ما كان يسمى ببلدان العالم الثالث أو على مستوى القوميات والأقطار والقوى السياسية ؟

ما الموقف المطلوب من ظاهرة العولمة ؟ وكيف يمكن صوغ رؤية مقاربة لها ولتعاملنا معها ؟

كل هذه الأسئلة مطروحة للنقاش على جميع الأوطان والأقطار والقوى السياسية في مختلف بقاع العالم، خاصة في الدول الفقيرة والمتخلفة كبلداننا العربية، ولذلك يكتسب الحوار حول العولمة أهميته وضرورته. ونحن هنا سنحاول مقاربة هذه الأسئلة، لكن بالطبع هي مقاربة غير مكتملة وتسعى للتفاعل مع سائر الرؤى لأجل بلورة موقف ناضج واستراتيجيات فاعلة ومؤثرة وخطاب سياسي رزين وهادئ حيال هذه الظاهرة.

 العولمة: مستوياتها وآلياتها

إن الطموح نحو توحيد العالم ودمجه هو طموح قديم وقد ظهر في مختلف الأديان والفلسفات والأيديولوجيات على مر التاريخ، وظهر مع الاستعمار القديم ورأسماليته الصاعدة الطامحة لتحقيق هذا الهدف، لكن الفارق الذي يحدث اليوم هو توافر وامتلاك الوسائل والتقنيات القادرة على تحقيق هذا الدمج.

يقينا إن العولمة اليوم تتجاوز كل ذلك، من حيث أهدافها المرسومة، وطموحها إلى مرحلة أعمق من الاندماج العالمي، أي التوجه نحو إخضاع جميع المجتمعات لنمط اقتصادي واحد وموحد عالمياً وقيم وأنماط تفكير واحدة. أما المستويات التي وصلت إليها اليوم فهي:

– سوق واحدة لرأس المال / بورصة عالمية واحدة/ على الرغم من تعدد مراكز نشاطها.

– التقنيات الإعلامية ووسائل الاتصال، أي تعدد القنوات التلفزيونية العابرة للحدود الوطنية واكتساح المعلوماتية وشبكة الإنترنت لمختلف مظاهر الحياة ونشاطاتها.

– الهندسة الوراثية وخارطة الجينات البشرية (أو ما يسمى الرأسمالية البيولوجية).

على ما يبدو فإن العنصر الرئيسى البارز اليوم في العولمة هو كثافة انتقال المعلومات وسرعتها، أو كما يقال اليوم تحول العالم إلى قرية واحدة. وهذا بالطبع يجعلنا أمام مرحلة جديدة ونوعية مختلفة عما قبل التسعينيات أي مرحلة الدولة القومية والحدود السياسية والجغرافية الواضحة للدولة.

إن العولمة اليوم ليست ماهية منجزة ونهائية وثابتة، فهي – كغيرها من الظواهر – ينطبق عليها منطق السيرورة التاريخية، وبالتالي من الممكن التدخل في سيرها، لكن لا يمكن إيقافها، فهي اليوم الدينامية الرئيسة أو الآلية المحورية المحركة للعالم على الرغم من عدم ناجزيتها وتحققها، وعلى الرغم أيضاً من وجود معارضات لها ومعوقات وآليات دافعة ومحركة أخرى.

طالما أن العولمة ظاهرة غير مكتملة، وطالما أنها في طور التشكل، على الرغم من محوريتها، فإنها تحتوي في ثناياها على جوانب موضوعية¬ حتمية لا يمكن التنكر لها، مثلما تحتوي على جوانب ذاتية أي فعل المجتمعات المختلفة وتأثيرها فيها. فالعولمة ظاهرة كلية، فيها ما هو موضوعي خارج عن نطاق القبول والرفض، وفيها ما يتبع لفعل الذات وتأثيرها، أي وعي وفعل الأفراد والجماعات.

أما الجانب الموضوعي، فيتمثل بالثورة العلمية التكنولوجية التي فرضت نفسها على العالم بقوة، لذلك يغدو الاعتراف بهذا الواقع الموضوعي الحتمي في ظاهرة العولمة شرطا ضروريا وأساسيا كبداية للفعل والتأثير فيها، وذلك بصرف النظر عن المستفيد من هذه الثورة وثمارها.

في قضية العولمة تنطرح إذاً من جديد ضرورة وعي وإدراك ديالكتيك العلاقة بين الذات والموضوع، والتي كثيراً ما وضعنا فيها الذات معارضة ومجافية للموضوع. أي لا بد من فهم طبيعة العلاقة التي تربط الذات، بوصفها الفاعلية البشرية الاجتماعية، بالموضوع بوصفه المعطى الواقعي – التاريخي. هذه العلاقة المعقدة لها مستويات متعددة تبدأ من الخضوع التام للحركة الموضوعية وتنتهي بالتأثير الفاعل والمؤثر والمغير في مسار هذه الحركة الموضوعية لصالح الذات. أي باختصار ثمة شرطان أساسيان لفهم ظاهرة العولمة والتأثير فيها،الشرط الأول: التسليم بما هو موضوعي فيها وليس التغاضي عنه، فحرية الذات تبرز عندما تعترف بما هو قانوني في الطبيعة والمجتمع وليس التنكر له ومحاربته، والشرط الثاني هو الذات الفاعلة والمؤثرة وصاحبة الرؤية والمشروع المتكامل.

الأمركة والهيمنة….. وبناء الموقف من العولمة:

من البديهي أن نقول أن هذه المرحلة من تاريخ البشرية لا يمكن فهمها إلا على أنها استمرار وتعميق للمرحلة الإمبريالية السابقة بما فيها من علاقات هيمنة، أي أن ما وصلت إليه البشرية اليوم هو نتيجة لصراعات سياسية واقتصادية دولية وشركات متنافسة وغيرها. هذا يعني أن ثمة إرادات ومصالح مختلفة قادت البشرية بالترافق مع الثورة العلمية التكنولوجية إلى ظاهرة العولمة.

إذاً العولمة تحمل من دون شك إمكانية تجسيد نظام هيمنة أكثر شمولاً وقسوة من كل ما عرفته البشرية في السابق عن طريق امتداد نظام الهيمنة الأمريكية والعلاقات الإمبريالية بشكل أوسع، لذلك فهي تحمل معها مخاطر التركيز الهائل للثروة المادية والعلمية والثقافية في أيدي فئة قليلة من سكان العالم الذين يتوافر لديهم القدرات والمواقع والآليات اللازمة للهيمنة.

هذه الظاهرة، باعتمادها وارتكازها على حرية المبادلات المطلقة، وغياب أية عوائق تحول دون التفاعل بين المركز الإمبريالي والأطراف، ورفضها للاعتبارات السياسية والأخلاقية التي تحول دون حرية الأسواق والتجارة، تحمل معها مخاطر تعميم الفقر والبؤس والتهميش الجماعي لكتل بشرية كبيرة في العالم، وحصر الاختيار عندها وسد آفاق المستقبل، وتفاقم المضاعفات الناتجة عن هذه السياسات، كانفجار أشكال متجددة من العنف والحروب الداخلية، بالإضافة إلى تعميم الفساد والنهب غير المشروع لرأس المال الاقتصادي ضمن البلدان والمجتمعات الضعيفة، وفكفكة الأسوار الوطنية والقومية لهذه المجتمعات.

كل ما سبق صحيح عن مخاطر العولمة، لكن هذا لا يبرر الرؤية السائدة عربياً التي تنظر للعولمة على أنها غول أو استراتيجية إمبريالية أمريكية وحسب، وأن العولمة إنما هي أمركة للعالم وحسب، وليس من هدف لها إلا الإيقاع بالدول الضعيفة ونهبها وإفقارها. هذا الرأي على الرغم من التقاطه لإحدى الآليات المركزية في العولمة، إلا إنه مضلل على صعيد التعامل مع العولمة، إذ يخفي البعد الموضوعي والحتمي للعولمة، ويدفع بالتالي إلى إهمال ضرورة العمل على استيعاب وتمثل الجوانب التقنية والعلمية والمعرفية الضرورية للبقاء.

من الضروري أن نتفهم أن الأمركة ليست نتيجة للعولمة، كما أن عملية التوسع الرأسمالي ليست من منتجات العولمة، ولكن بالمقابل فإن أمريكا هي أحد الأركان الرئيسة للعولمة، وذلك بسبب أرجحية مساهمتها في الإنتاج المادي والثقافي والعلمي الذي يملأ العالم، وسيملؤه في المستقبل أكثر بفضل ثورة المعلومات المستمرة.

أما الرأي الذي لا يرى في العولمة إلا فرصة للتحرر والحرية وحسب، أي فرصة للتخلص من الاستبداد والتخلف وفرصة لرفع الإنتاج العالمي والفوائض المالية، فإنه رأي واهم أيضاً لأنه ينظر لهذه الفرصة وكأنها محققة في المستقبل وبشكل أكيد.

هذه الفرصة للتحرر والحرية موجودة، لكنها ليست عفوية أو تلقائية، أي أن هذه الفرصة لن تتحقق بمعزل عن دور الذات الواعي والفاعل، الذات التي تتوجه نحو بلورة استراتيجية يمكنها تحويل هذه الفرصة إلى حقيقة واقعية.

إن الرأي الذي لا يرى في العولمة إلا استراتيجية أميركية للهيمنة على العالم يبني موقفه من العولمة على أساس الصد والرفض، والرأي الذي يرى في العولمة فرصة للتحرر وتثويرًا للإنتاج المادي يبني موقفه منها على أساس من الانخراط السلبي بدون رؤية متكاملة أو مشروع خاص.

نقول هنا: إن احتواء العولمة لمشروع هيمنة أمريكية لا يبرر رفضها أو البقاء خارجها، فهذه ليست أول مرة يعرف فيها العالم عصر الهيمنة الدولية. الثورة الصناعية مثلا حملت معها مشروع هيمنة، لكن هذا لم يمنع الدول المتخلفة من الاستفادة من إيجابياتها ومن وضع مشاريع وطنية تستفيد من هذه الثورة.

إن رفض العولمة (الكلامي بالطبع) والاعتقاد بأن هذا الرفض يقود إلى مقاومتها وصد هيمنتها على مجتمعنا، إنما يقود في الواقع إلى التشجيع على الاستقالة السياسية من العالم وتعزيز وتعميق الهيمنة بالضرورة.

إن احتواء العولمة على مشروع هيمنة أمريكية لا يلغي فوائد الانخراط فيها، والفرص الإيجابية التي تحملها، كما أن البقاء بعيداً عن العولمة لا يعني أننا لا نخضع لقوانينها أو تأثيراتها، لكنه يعني تحمل عواقبها ونتائجها السلبية من دون الاستفادة من نتائجها الإيجابية.

المستقبل سيحمل معه بالضرورة إمكانية بقاء بعض المجتمعات خارج العولمة الفاعلة، أي بقائها على هامش عالم العولمة، لكن هذا لا يعني أن هذه المجتمعات لا تخضع لتأثير العولمة وعواقبها السلبية.

ثمة موقف رافض للعولمة يطرح إمكانية قيادة “عالمثالثية” (على شاكلة مؤتمر باندونغ) لعملية الخروج من نظام العولمة،أي إمكانية تشكيل قطب عالمثالثي مضاد ومناقض لعالم العولمة والانتقال نحو عالم خالٍ من آثار الهيمنة.

في الواقع اليوم لسنا حيال اختيار حر بين نظام هيمنة ونظام استقلالي تحرري، فضلا على أنه لا توجد في الواقع إمكانيات لتجسيد وتكوين مثل هذا القطب المضاد والمناقض لعالم الهيمنة، هذا إذا لم نجزم بفشل المشاريع السابقة التي استندت للمنطق ذاته، إن كان على صعيد تشكيل قطب عالمثالثي أو على صعيد تشكيل قطب اشتراكي من خارج الظاهرة الرأسمالية ومضاد لها، فالتناقضات لا تنمو إلا بالتدريج ومن داخل الظاهرة وليس بالتخارج معها، حيث إن النقيضين الاجتماعيين الجدليين لا بد أن يكونا في عالم واحد ويرتبطان ببعض القواسم المشتركة.

إن منطق الرفض إزاء ظاهرة العولمة وتوهم إقامة بديل سلبي مضاد بشكل مطلق للعولمة هو منطق واهم، فالدخول في العولمة وتقنياتها وحقولها وميادينها هو أمر حتمي ومفروض على كل مجتمع يريد أن يبقى في دائرة المجتمعات التاريخية، ولا يريد أن ينسحب من الفعالية الدولية المشتركة وينعزل ويعيش في عالمه الخاص. من الضروري أن نتفهم آليات الهيمنة الجديدة وأن نسعى بكل الإمكانيات إلى تعديل وتغيير أثرها علينا، وإبراز إمكانية مقاومة الهيمنة وشروطها من داخل العولمة ذاتها لتفكيك آليات الهيمنة والحد منها.

إن رفض العرب للعولمة اعتقادا منهم أن هذا الرفض سيبقي على حظوظ أكبر للاحتفاظ بمواقعهم في المجتمع الدولي هو اعتقاد واهم، لأن العكس سيحدث، أي الاستبعاد المتزايد من الدورة الاقتصادية الدولية ومن صيرورة التغيير العالمي والإفقار المتزايد والانهيارات الشاملة.

هل المخرج يعني الانخراط في العولمة والتسليم بها بدون مرتكزات ذاتية، أو بلورة استراتيجية ما إزاءها ؟

ثمة منطقان: منطق الانخراط السلبي في العولمة الذي يستند إلى طابع قدري أو تسليمي، ولا يرى أي دور ممكن للذات في تحسين الشروط وتغيير بعض السياسات والحصول على بعض المكاسب الإيجابية وتنحية بعض السلبيات. المنطق الآخر هو منطق التمني والرغبة الذي يأمل أن تؤدي العولمة لإنقاذنا بفعل آلياتها وحسب من الاستبداد والتخلف والفقر.

إن الإشارة إلى خطر الانقطاع عن العولمة لا يعني أن للانخراط فيها بالضرورة نتائج إيجابية مضمونة، إذ لا بد من توافر دور للذات القادرة على استثمار إيجابيات العولمة. هذا يعني أن الانخراط في العولمة دون بلورة استراتيجية ذاتية، لا قيمة له، وهو ينسجم تماما مع منطق الرفض ولا يفترق عنه. هنا يأتي المخرج الوحيد: أي الدخول الفاعل في العولمة من منطق الصراع من داخلها في سبيل تحسين وتعديل موازين القوى المتحكمة بها، وتحسين فرص السيطرة على جزء من آلياتها، وبالتالي الحد من الهيمنة الأمريكية فيها، وليس القفز فوقها، أو التسليم لها.

إن التحكم بالقرار العالمي في ظل العولمة يرتبط بتطوير المهارات التقنية والإدارية والتكنولوجية، سواء تعلق الأمر بشبكات الاقتصاد والمال، أو بالشبكات السياسية، أو بشبكة المعلومات والإعلام والاتصالات. وبالتالي فإن اكتساب التقنية الحديثة والمعلوماتية يشكل هدفاً رئيساً لكل قوة اقتصادية متفاعلة مع المنظومة العالمية، وغير ذلك يعني العيش على هامش المجتمع العالمي. بكلمة أخرى إن الأخذ بتقنيات العولمة شرط رئيسى للدفاع عن البقاء وضمان القدرة الاقتصادية والثقافية، وغير ذلك يعني الإهمال والتخلي عن جزء أساسي من آليات الاحتفاظ بالفاعلية التاريخية والمقدرة على الاستمرار، لكن الاستفادة من هذه التقنية غير ممكنة دون وجود استراتيجية ذاتية مبلورة، وهنا تأتي مهمة دول المنطقة في توفير الشروط التي تسمح بتفتح الإمكانات للتأثير على الطابع التقني للعولمة وتحقيق منتجات تقنية وعلمية جديدة من جهة، وبلورة استراتيجية ذاتية وخصوصية تسعى إلى وضع التقدم الموضوعي في خدمة أهداف التنمية المحلية، وصولاً إلى تنمية محلية مستديمة وقابضة على مرتكزات العولمة.

القومية والاشتراكية في إطار العولمة

إن الاستراتيجية العربية إزاء العولمة، والتي تضع هدفها بالتنمية المحلية المستديمة والقابضة على مرتكزات العولمة في المجال التقني والعلمي، لابدّ لها من توفير الشروط اللازمة لتحقيق هذا الهدف والتي تشكل “الديمقراطية السياسية” بكل مستلزماتها وأركانها الشرط اللازم لها في كل بلد عربي، لكنه بالطبع شرط غير كافٍ، وتأتي كفايته عبر خلق سوق اقتصادية عربية جديدة بآليات حديثة.

هنا يكتسب العمل القومي مشروعيته وضرورته، إذ إن دخول أمة موحدة في إطار العولمة (أو على أقل تقدير درجة ما من الاتساق بين أركانها وأجزائها) له حظوظه الأكبر في تعديل الموازين والحد من الهيمنة في إطار العولمة.

العولمة كما قلنا هي الدينامية المحركة الرئيسة في العالم اليوم، رغم أنها لم تحقق بعد أهدافها كاملة، لكن الواضح أن سيرورتها تتجه نحو مرحلة جديدة في التنظيم الاجتماعي والإنساني ومختلفة عن مرحلة الدولة القومية، وهذا لا يعني انتفاء دور الدولة القومية، إذ إنها ما زالت قائمة وتلعب دوراً رئيساً في الشئون الدولية وفي رسم صيرورة العولمة أيضاً، والواضح أنها ستظل تلعب هذا الدور إلى أمد بعيد، فالعوائق أمام الدمج والتوحيد الجغرافي والسياسي للمجتمعات الإنسانية ما زالت كبيرة ومتعددة، فضلاً على أن الخصائص التاريخية لهذه المجتمعات ستظل حاضرة بقوة في رسم السياسات العالمية وتحديد مسارات العولمة النهائية.

أما بالنسبة للأهداف التي وضعتها البشرية لنفسها، والمتمثلة بالمجتمع الاشتراكي كبديل للمجتمع الرأسمالي، فإنها أهداف مشروعة. الاشتراكية كفكرة، كبعد اجتماعي، كحلم بشري في العدالة، لم تنته، بل ستظل البشرية تبحث عن الطرق الموصلة لهذا الحلم، لكن بالطبع بتصورات جديدة وآليات مختلفة. الاشتراكية اليوم بحاجة لإعادة صياغة وبناء من داخل إطار العولمة وليس بالتخارج معها، وما يمكن تحديده بدقة اليوم هو فقط مطالب محددة في العدالة الاجتماعية، أما الاشتراكية كنظام عالمي بديل للنظام الرأسمالي، لا يمكن بلورتها دون العمل تحت سقف العولمة ذاتها، ودون أن تتحدد معالم هذه العولمة وحدودها ومرتكزاتها على مستوى العالم. العولمة الرأسمالية بآلياتها المعروفة هي التي تفتح المجال لعولمة أخرى بديلة، لأنها رغم كل أشكال الهيمنة فيها تحتوي داخلها على آليات تجاوزها.

يرتبط بالمفهوم الاشتراكي إعادة النظر بدور الدولة والقطاع العام الحكومي، خاصة في دول العالم الثالث التي تبنت الخيار الاشتراكي فيما مضى. إذ إن هيمنة الدولة على مجمل الفعاليات الاقتصادية في المجتمع قد قادت إلى أزمات اقتصادية متعددة، وإلى فشل عملية التنمية والنهوض الاقتصادي، فضلاً على الفساد والإفساد. لذلك تبرز اليوم ضرورة الحد من هذه الهيمنة وتحديد دورها بالتخطيط العام والإشرافي على البنية الاقتصادية، مثلما تبرز ضرورة إصلاح القطاع العام أو الحكومي، وتحديد المجالات الاقتصادية التي عليه أن يستثمر فيها والمجالات التي عليه أن يبتعد عنها.

إن الدولة سوف تظل إلى أمد بعيد من مرتكزات عمليات النهوض الاقتصادي، فلا يجوز القفز إلى المراحل الأخيرة والأهداف النهائية التي تطمح إليها العولمة، واعتبار أن العولمة بكامل مفاصلها وأركانها وأسسها قد تحققت،فدور الدولة والقطاع العام مازال قائماً حتى في ظل البلدان الرأسمالية الكبرى،خاصة في ميادين الاقتصاد الرئيسة ومجال الخدمات والضمانات الاجتماعية.

ثقافة العولمة والثقافات المحلية

ثمة مفاهيم أخرى درجت في ثقافتنا السياسية على علاقة وثيقة بمسار العولمة وبالعلاقة مع الآخر، كمسألة الغزو الثقافي وتهديد الهويات الوطنية والقومية، وطرح مفهوم “حوار الحضارات وتفاعلها” كمقابل لمفهوم “صراع الحضارات”. بعض هذه المفاهيم لا يمتلك أي فعل سياسي محرك سلبا أو إيجابا، كمفهوم “حوار الحضارات” فكل الكتابات العربية حول هذا الموضوع لم يكن لها أي رصيد واقعي، والأسباب معروفة، فمن جانب لا يوجد قوى تسند هذه الفكرة، ومن جانب آخر بقيت طريقة التعاطي مع الفكرة في حدود الأيديولوجيا والأخلاق. في حين ما كتبه صموئيل هنتغتون عن صراع الحضارات هو ما حدث على أرض الواقع ومازال يحدث، لأنه كتب بدلالة السياسة والتاريخ والواقع.

أولاً: نقول إن أي تهديد أو إلغاء للهويات الجماعية لا ينجم بالتأكيد عن توسع دائرة التفاعل والتشارك والتثاقف بين الثقافات، إنما ينجم عن غياب استراتيجيات فاعلة للمجتمعات الأقل تطوراً وللثقافات التي تحملها من أجل الاستفادة من حالة التفاعل الثقافي التي ترسيها العولمة بشكل موضوعي. وبالتالي، فإن الطرح الذي لا يرى في العولمة إلا محاولة لتعميم النموذج الأمريكي في الحياة، إنما يعكس مخاوف الجماعات الضعيفة أو العاجزة من المستقبل أكثر مما يساعد في الكشف عن تغيير الشروط غير المتكافئة التي يحصل فيها هذا التفاعل.

ثانياً: لن يكون لثقافة المجتمعات الضعيفة أي دور أو مستقبل فعلي، إلا إذا أدرك حاملوها طبيعة هذا النمط الجديد من السيطرة الثقافية وآلياته، وقاموا ببلورة الاستراتيجيات المناسبة التي تسمح لثقافتهم القيام بدور فاعل على مستوى المشاركة الإبداعية العالمية، وليس مجرد الإبقاء على الهوية الثقافية الخاصة بدون أي فعالية أو تأثير عالمي، ودون إعادة بناء سمة العالمية أو الكونية في الهوية الثقافية المحلية، وذلك ضد كل خصوصية منغلقة على نفسها.

وثالثاً: إن الثقافات على مر التاريخ قد وُجدت في حقل تفاعل وتأثير متبادل، وقد تحددت بينها على الدوام علاقات هيمنة وخضوع على درجات متباينة ومتفاوتة، بحسب عوامل متعددة منها القوة الاقتصادية والعسكرية، ومنها ما يتعلق بميادين الإبداع والثقافة، وبالتالي قد تكون العلاقة استلابية تجاه الثقافة الأقوى والمسيطرة، وتؤدي إلى سحق ثقافة المجتمعات الضعيفة، وقد تكون الهيمنة جزئية في أحد الحقول فقط كالمجال العلمي والتقني.

ورابعاً: إن السيطرة المادية (أي الاقتصادية والعسكرية والسياسية) هي العامل الحاسم في السيطرة الثقافية، أي أن هذه الثقافة السائدة أو المسيطرة لا تسود بالضرورة بسبب تفوقها القيمي والأخلاقي والإنساني على غيرها من الثقافات، إنما بسبب حملها من قبل المجموعات البشرية المتفوقة أو المسيطرة مادياً، ثم تأتي العوامل الأخرى لتلعب دوراً إضافياً في السيطرة الثقافية، كقدرة هذه الثقافة أو تلك على التجدد والإبداع المتواصل.

وخامساً: من الممكن بلورة استراتيجيات فعالة للحد من السيطرة الثقافية، أو الالتفاف عليها بطريقة تسمح لثقافة البلدان الأضعف الاستمرار والمشاركة في الإبداعات الحضارية، كما هو الحال بالنسبة للثقافات الأوربية في مواجهة الثقافة الأمريكية، لكن في حال غياب هذه الاستراتجيات الفعالة يصبح خطر الانسحاق والاستلاب والتماهي قائماً. هذا يعني أن السيطرة الثقافية الأمريكية لن تكون كلية وثابتة، فدرجتها تتبع شكل المجتمعات المتعاملة معها من جهة، وتتبع تغير موازين القوى المادية داخل إطار العولمة من جهة ثانية. وهذا التغير عندما يكون لصالح المجتمعات الضعيفة سوف يتيح لها إعادة بناء ثقافتها وهويتها الخاصة على أسس ومرتكزات جديدة تمكنها من الفعل والتأثير والحد من الهيمنة.

وسادساً: لا يمكن إلا أن نرى أن ثمة خطاً واضحاً لنشوء ثقافة عالمية، بحكم المتغيرات الهائلة في السياسة والعلوم والاقتصاد والتكنولوجيا، والتي تتناول جميع المستويات، أي القيم والسلوكيات وأنماط التفكير، وهذا أمر موضوعي لا يمكن لنا إلا التسليم به.

وسابعاً: إن أشكال الصراع بين الثقافات المحلية والثقافة الأقوى تتخذ أشكالاً متعددة، فإما أن تأخذ شكل التماهي بالثقافة القوية والاستلاب تجاهها والتسليم بها من دون شخصية ولا برنامج ولا مشاركة إيجابية، وإما أن تأخذ شكل الانغلاق على الذات وإعادة إنتاج ثقافة ماضوية ذات طابع هيمني رافض ومحتج على ثقافة العولمة وحسب. ويبقى التوجه الثالث الذي يشكل المخرج الحقيقي المأمول، أي المشاركة الإيجابية في التفاعل الثقافي من خلال رؤية واضحة وبرامج وهويات قابلة للتجدد ومترافقة مع تعزيز المواقع المادية في إطار العولمة.

أسئلة العولمة هي ذات الأسئلة في الجوهر التي طرحت في عصر النهضة العربية لدى تعرفنا بالكائن الجديد آنذاك، أي ” الغرب المتفوق، والتي كوّنا حولها إجابات ترتكز إلى عقد النقص وفقدان الثقة بالذات، فاستبد بنا تارة هوس الدفاع عن الذات، فبقينا كما نحن سعداء بجهلنا وتخلفنا، وتارة أخرى دوخنا الغرب بسحره وثقافته وعلمه حتى ذبنا فيه وفقدنا ملامحنا وهويتنا ولم ندرك عيوبنا ومشاكلنا.

إن الدفاع عن هويتنا لا يتحقق من خلال الحفاظ عليها كما هي، أي عن هوية الماضي، ولكن من خلال إعادة بنائها من أفق المستقبل، وفي إطار العولمة والثورة العلمية التكنولوجية، أي من خلال بناء العالمية فيها، والانتقال من حالتي الرفض والاستلاب المعيقتين لنمو هذه الهوية وتطورها، والتوجه نحو المشاركة الإيجابية في العالمية، والعمل مع القوى الأخرى، قوى المجتمع المدني العالمي، على تفكيك السيطرة الثقافية الأحادية، وإعادة بناء العالمية من أفق التعددية الثقافية الكونية، وفي إطار الاحترام والتعاون والتفاعل المثري.

إنه صراع مزدوج، صراع ضد السيطرة والهيمنة الخارجية في إطار العولمة، وصراع ضد ضعف الذات وعجزها وقصورها وعيوبها، صراع مزدوج يتجاوز الاستسلام للآليات الرافضة والدفاعية التي تقودنا نحو صراع خاسر، مثلما يتجاوز ردود الفعل السلبية والتنكر للذات ولدورها.

 5- إشكالية الداخل والخارج في الممارسة السياسية

 أ- المنهج والخطاب السائدان سياسياً

غني عن القول إن الخطأ السياسي أمر شائع، ويمكن تجاوزه في الممارسة السياسية، أما النهج السياسي الخاطئ فهو المصيبة أو المشكلة التي تولد على الدوام الأخطاء السياسية. للأسف، هذا النهج هو السائد في الثقافة السياسية لمختلف التيارات والقوى السياسية، وهو المسيطر في كل مقاربة أو تناول لإشكالية العلاقة بين الداخل والخارج.

السائد في تناول القضايا السياسية هو “التعميم والمواقف العامة” و”الشلف” و”الأحكام العامة والسهلة والمطلقة” و”الشعارات الأيديولوجية” و”العواطف الوطنية”، بينما يغيب “التدقيق في المستويات والمواقف”، و”معرفة الفوارق الطفيفة بين الأشياء والمواقف والسياسات”، و”قراءة الواقع كما هو بمعزل عن الرغبات والأماني والأهداف”. ما هو سائد ينشد راحة الضمير وعدم التعب وتأكيد سلامة الأيديولوجية وبناء مواقف شعبوية قادرة على التجييش والتحشيد.

تتكشف آليات النهج السائد في الممارسة السياسية لدى بناء الموقف إزاء الخارج، فهذه الآليات ثابتة لا تتغير، والخارج هو الخارج لا يتغير ولا يتحول. الموقف السياسي إزاءه ثابت في كل اللحظات السياسية، ومشحون بهواجس الخوف والشك والعجز والنقص. الخارج عدو مطلق، وكل تصرف أو سلوك يصدر عنه، لا يهدف منه إلا إلى سحقنا والقضاء علينا، وتحويلنا هباء منثوراً.

هذه المواقف والآليات تفتقد المرونة السياسية، ولا تعرف مصطلح التكتيك السياسي، ولا كيفية خدمة الأهداف الاستراتيجية العريضة سياسياً، مما يحول الاستراتيجية والأهداف عموماً إلى حالة بليدة غير منتجة أو مثمرة على أرض الواقع. وهذا ليس غريباً، فالمنطقة العربية فقيرة بالسياسيين، أي بالمفكرين السياسيين، أولئك الذين يحللون ما يجري على أرض الواقع، ويبدعون في خلق الاستراتيجيات الملائمة، وصوغ التكتيتات المنتجة التي تحول الاستراتيجيا إلى واقع معاش. المتوافر هم كتاب الأيديولوجيا أو رجال الشعارات.

الشعارات السياسية الدارجة التي تملأ الساحة السياسية صراخاً وعويلاً، تتلخص في طرح أهداف سياسية حارة في ظل واقع بائس ومحاصر، فالوحدة العربية أمر راهن، والديمقراطية يمكن أن تكون مؤجلة لصالح التعبئة العامة الضرورية لمقاومة المخططات الإمبريالية والصهيونية، و”الوطن في خطر”، وهذا يتطلب تكاتف جهود السلطة والمعارضة، من أجل حل التناقض الرئيسي في اللحظة الراهنة مع الإمبريالية العالمية والخطر الخارجي، وفلسطين هي قضيتنا المركزية، وما عداها ممكن بعد رحيل إسرائيل أو القضاء عليها، ولذلك من الضروري دعم المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح، والدعوة إلى “تعميم ثقافة الاستشهاد”، هذا الشعار الذي يستند إلى مخزون تراثي هائل، تحول بنتيجته البشر إلى مجرد دعاة للموت من أجل الموت. ومن الضروري أيضا جمع التواقيع على “مواثيق شرف” تؤكد عدم التفريط بالحقوق الفلسطينية، ولا بد أيضا من وضع اسم “إسرائيل” دائماً وأبداً بين قوسين، لأن هذين القوسين، ربما في اعتقاد البعض، هما اللذان سيلجمان إسرائيل عن التوسع، أو سيبقيانها على قائمة الدول غير الموجودة أو غير المعترف بها. بل لا بد أيضا من توسيع آليات محاصرة الخارج وإنهاكه عبر دعم ما يسمى “المقاومة العراقية” بشتى الوسائل الممكنة، فالأساس هو طرد الاحتلال، وبعدها لكل حادث حديث.

جميع الأهداف المطروحة فهمت بمعزل عن الديمقراطية. فالوحدة العربية ما هي إلا تجميع لأجزاء متناثرة، نتذكر معها قصة ذلك الرجل الذي أعطى أولاده عيدان ثقاب مفردة فكسروها، ثم أعطاهم إياها مجتمعة فعجزوا عن كسرها. المفهوم السائد للوحدة هو الفهم الميكانيكي، والنظرية السائدة في الفعل الوحدوي هي نظرية نديم البيطار في الانتقال من التجزئة إلى الوحدة التي تتطلب ثلاثة عوامل لتحقيقها، أولها الإقليم – القاعدة، وثانيها الشخصية الكاريزمية التي تستولي على قلوب الجماهير وتبهرهم بسحرها وذكائها وقدراتها، وثالثها الخطر الخارجي، أما اتجاه التقدم، أي الديمقراطية، فهو غير موجود في الفهم الوحدوي السائد. نحن نريد الوحدة ليس من أجلنا، بل من أجل تشكيل القوة اللازمة لمواجهة الخارج. الديمقراطية وحقوق الإنسان لا وجود أو أثر لهما، وحتى لو ذكرت، كما هو حاصل في جميع برامجنا السياسية، فهي لا تعدو أن تكون شكلا من أشكال إعداد مائدة وفيرة بالمصطلحات الحديثة، ولما تتحول بعد إلى منطلق وأساس، وإلى منهج للرؤية السياسية. عندما ننظر إلى جميع قضايانا ومشاكلنا السياسية (فلسطين، لبنان، العراق، الوحدة العربية، النظام الاقتصادي المطلوب، إسرائيل، مشكلتنا مع أمريكا…) من زاوية أو منظار الديمقراطية وحقوق الإنسان سوف تختلف رؤيتنا.

في فهمنا للوحدة وقضية فلسطين نستحضر دائما خطر الخارج، ونعيش حالة الأمة/الضحية، الأمة المطعونة، الأمة التي كذب عليها الآخرون وأخلفوا وعودهم معها وغدروا بها، لذلك يكون استنفارنا ضد الخارج غرائزيا، ويكون صراعنا معه صراعا على البقاء، وليس صراعا سياسيا.

البعض من دعاة الفكر القومي التقليدي فرح عندما اجتاح صدام حسين الكويت ظناً منه أن صيرورة الوحدة العربية قد بدأت، وخاف أن يوجه انتقاداً أو استنكاراً لفعل الاجتياح خوفاً من أن تحسب في الخندق الآخر، أي في خندق الولايات المتحدة. الغريب أن القوى السياسية في كل مرة تمر فيه بلحظة سياسية شبيهة تقف في الخندق الخطأ. هذا لا يعني الوقوف في خندق الولايات المتحدة، بل يعني الوقوف في خندق المواقف والسياسات الصائبة انطلاقاً من المصلحة الوطنية (أو القومية)، ولا يهم عندها إن كان ثمة تقاطع بين هذا الخندق وخندق الولايات المتحدة.

تلك هي أهم منطلقات ومواقف الحركة السياسية في سوريا، وفي الساحة السياسية العربية عموماً، وهي في معظمها ثابتة منذ نصف قرن تقريباً، على الرغم من التغيرات النوعية التي شهدها العالم، وعلى الرغم من أن الواقع اليوم لا يستجيب لأي منها. أسئلة عديدة تطرح هنا، أولها: هل خدم وضع هذه الشعارات والتوجهات على أجندة عمل الحركة السياسية القضايا التي قامت أو رفعت من أجلها ؟، وهل خدمت تجارب جميع حركات التحرر العربية، وحركات الاستقلال، قضايانا المصيرية وأهدافنا المرفوعة منذ نصف قرن، وهل وصلت بنا إلى وطن حر ومواطن حر وسعيد ؟

التوهان السياسي موجود، وإنتاج الأخطاء مستمر إلى ما لا نهاية: بعض الشعارات المطروحة في السوق السياسية تهدف إلى تحقيق أكبر حالة من التحشيد، ولذلك العنصر الدافع الرئيسي لتبني هذه الشعارات من قبل قوى سياسية عديدة هو مزاج الناس. السؤال هنا إذا كان حزب ما يبني سياساته انطلاقاً من مزاج الناس فما هي ضرورة وجوده كحزب سياسي ؟ إذا كان الحزب السياسي ينطلق من الحدس والمباشر والظاهر كما هو حال المزاج السائد، فأي معنى أو دور يبقى لوجوده ؟ إذا لم يكن الحزب السياسي رافعة لوعي الناس، وسبيلاً لتطوير مداركهم وتفاعلهم مع الأحداث السياسية، فما هي الوظائف السياسية والمجتمعية المتبقية لهذا الحزب ؟

بعض قضايانا المحقة (الوحدة العربية، تحرير فلسطين) لا يمكن خدمتها برفع شعارات تطبيقها في لحظة انكسار سياسي معمم، فهذا لن يزيد الحركة السياسية، والبشر عموماً، إلا إحباطاً وانتكاساً، فالعواطف والرغبات لا مكان لهما في عالم السياسة، وعلينا ألا نعتقد أن ثمة فائدة يمكن أن تكون في تكرار الحديث عن الوحدة وفلسطين، وفي التأكيد على التزامنا بهذه القضايا، فالعبرة ليست في الكلمات، بل في إمكانيات التحقيق الواقعية.

التقييم العام والأحكام الإجمالية لا يؤثران في الواقع السياسي، ويؤديان إلى بلادة سياسية، وفقدان القدرة على التعامل مع الفوارق الطفيفة في سياسات الدول، وبالتالي التأثير فيها. أمريكا قارة مليئة بأنواع وفئات مختلفة من البشر، وبتيارات سياسية متعددة، وبقوى مجتمع مدني غاية في التنوع والاهتمامات والتصورات المختلفة، ودون التعامل مع هذه الحقائق لن يكون بالإمكان تغيير سياسات الآخرين إزاءنا.

دون تغيير فهمنا السياسي سيبقى الخطاب السياسي، كما هو شائع، خطاباً ذاتياً،لا يقتنع به، ولا يسمع به، إلا أصحابه. ضعف المعارضة السياسية في سوريا لا يكمن فقط في محاصرة السلطة لها على مدار ثلاثة عقود، بل أيضاً في خطابها الذي لا يستطيع أن يجمع حوله حفنة من البشر في الداخل، ولا يستطيع أن يكسب المؤيدين والمتعاطفين معه في الخارج.

الموقف الأيديولوجي والغرائزي للمعارضة السورية تجاه الخارج يقودها إلى إلغائه من حساباتها ومن خطابها، الأمر الذي يعني للعالم عموماً أن هذه المعارضة تريد بناء وطن خارج هذا العالم، ومتخارج مع العصر، وليقتصر خطابها على محاورة نفسها أو استجداء النظام، واللعب على وتر تذكيره بالأخطاء المحدقة بالبلد التي تتطلب تكاتف جهود الجميع. لكن ينبغي الانتباه إلى أن هذا الإلغاء للخارج يقود هذا الأخير أيضاً في المحصلة إلى إلغاء المعارضة من حساباته، ولتبقى السياسة الخارجية بالتالي حكراً على السلطة، ولتصبح المعادلة السياسية الفاعلة هي بين النظام الحاكم والخارج وحسب، وليبقى الوطن لعبة بيد الطرفين في حالة غير مضمونة العواقب. تعفف المعارضة عن الحوار مع الخارج بمستوياته المتعددة، يشير إلى خوفها الدائم من اتهامها بالعمالة من قبل السلطة التي تخضع معارضيها على الدوام لابتزاز معنوي يتجسد في إنهاكهم بضرورة إثبات وطنيتهم على الدوام أمام السلطات ” الوطنية “. لا أحد يقول مثلاً لزعيم حزب معارض في فرنسا عندما يزور بلداً معيناً، كأمريكا أو بريطانيا، ليشرح رؤاه وتصوراته، بأنه عميل لهذا البلد أو ذاك. ويعكس هذا التعفف أيضاً حالة من عدم الثقة بالذات في حال جرى هذا الح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى