صفحات مميزة

تجويع مضايا –مقالات محتارة-

هنيئاً لك بهم يا “سيد”/ عمر قدور

لندع جانباً الاعتبارات الأخلاقية التي جرى تداولها مؤخراً في ما يخص حملة متضامن_مع_حصار_مضايا، وهي الحملة التي كما صار معلوماً أطلقها موالو حزب الله وموالو النظام السوري. ولندع جانباً البيان الركيك الذي أصدره الحزب، مدّعياً وجود حملة لتشويه صورة المقاومة، فلا الذين صاغوا البيان على قناعة بما ورد فيه، ولا قاعدة الحزب المنخرطة في الشماتة بضحايا التجويع مقتنعة به أيضاً. هو بيان يجوز ضمه إلى إشعارات القلق التي يبديها الأمين العام للأمم المتحدة بين الحين والآخر من حيث تقصّد عدم الفعالية وعدم الجدية.

هل ساءت صورة المقاومة وتعرّضت للتشويه حقاً؟

في الأصل ثمة خطأ في طرح هذا السؤال الأخلاقي، وكأن حزب الله مؤسسة خيرية، وكأنه ليس صاحب مشروع سياسي وأيديولوجي واضح، أو كأن ارتباطه العضوي المعلن بالحرس الثوري الإيراني غير معلوم للقاصي والداني. كأن عناصر من الحزب لم يوضعوا على قائمة المتهمين في اغتيالات سياسية في لبنان، وكأن قاعدته الشعبية لم توزع البقلاوة يوم سيطر مقاتلوه على مدينة القصير السورية، أو أن منشده لم يحرّض على أبناء مدينة يبرود على قاعدة العداء للسامية ووصفهم باليهود.

خلافاً للأسئلة الأخلاقية، ثمة “سيد” في مكان ما على دراية بحملة الشماتة الأخيرة، “سيد” تملؤه الغبطة بنجاحه الساحق، لا فرق إن كان هذا السيد موجوداً في لبنان أو في طهران. هذا السيد لا يكترث بالجدل الدائر حول الأخلاقيات، بل يزيده غبطة ألا يؤدي السجال سوى إلى مزيد من التطرف في الشماتة، وإلى مزيد من الغلوّ الذي سيظهره الشامتون بالمجوَّعين. ربما يقول السيد لنفسه: هذا جزاء أحفاد معاوية. يقولها ليزيد من غبطته قليلاً، وعلى الأرجح لمسايرة جموع الشامتين التي تعلنها على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن للسيد حساباته الآنية التي تتجاوز الحسين ويزيد، للسيد مشروعه المتكامل طائفياً وسياسياً، وربما قومياً!

قد نستدل بالمنطق للقول بأن شماتة أنصار إيران ستنقلب عليهم مستقبلاً، في جغرافيا سيبقون فيها أقلية مذهبية مهما بلغت عمليات إبادة الأكثرية المذهبية. قد يُقال “بل قيل حقاً” بأن ما يُصوّر على أنه ثأر مذهبي الآن سيستجر عمليات انتقام مذهبي لاحقة، الخاسر الأكبر فيها هو الأقل عدداً. السيد وأنصاره ليسوا غافلين عن هذا الاستدلال، هو فرح به إلى أقصى حد، وهم منذ تورطوا في توزيع البقلاوة والاحتفال بالعدوان على السوريين قطعوا خط الرجعة على أنفسهم، وصار التورط بالمزيد من إظهار الطائفية وسيلتهم لتوسل حماية أكبر من سيدهم في الخارج.

الخطأ واقع فقط من جهة المنطق الذي يحكمنا عندما نتحدث عن وطن واحد، وعن أبناء أو مواطنين في هذا الوطن. أما من الجهة المقابلة فما نعتبره خطيئة لا يفعل سوى أن يصب في المسار الصحيح، ففي المسار الصحيح للسيد أن يتفاقم عداء الشيعة في لبنان مع جيرانهم السنّة بدءاً من الأكثرية السنّية في سوريا، لأن العداء وحده كفيل بتحويل غالبية الشيعة إلى أقلية خائفة تتوسل حماية الأخ الطائفي الأكبر. بتوزيع البقلاوة في ضاحية بيروت الجنوبية، وبالشماتة بصور المجوّعين القادمة من مضايا، لا يخرج أنصار الحزب عن الخط المرسوم لهم. هم يمضون حثيثاً فيه ولا يُستبعد في مناسبات أخرى قادمة أن يكشفوا عن مفاجآت لا تخطر في البال أيضاً. العبرة هي في إثبات عدم وجود خط رجعة في كل مرة، وفي القول بأن التعايش لم يعد ممكناً بين الطرفين. العبرة هي في القول ضمناً: نحن الآن نحفر المستقبل بأيدينا، ونفعل كل ما سيجلب علينا ويلات الانتقام مستقبلاً، ولأن الانتقام قادم لا محالة نحن بحاجة إلى الحماية منه.

التبرؤ من أفعال طائفة الحزب قد لا ينفع الطائفة كلها إذ تهيمن الأولى على الثانية، وهذا نجاح آخر يُضاف إلى رصيد السيد. الصورة التي تُظهر شيعة لبنان كتلة عمياء صماء وراء الحزب باستثناء مجموعة معتبرة من المثقفين، لكن الذين لا فعالية مباشرة لهم، هي الصورة التي يريدها السيد، لا لإرضاء نرجسيته وإنما لجرّ بقية أبناء الطائفة إلى المستنقع نفسه، على قاعدة أن الانتقام القادم سيكون أعمى وأصمّ أيضاً، ولن يستثني أحداً منهم، على قاعدة أن التطرف والوحشية الآن هي بمثابة انتقام من الانتقام القادم. ولندع أيضاً كذبة الانتقام لمن قُتلوا قبل 1400 سنة من اليوم؛ أكثر ما يسيّر الغرائز الوحشية لدى الشامتين والمشاركين فعلاً في التجويع هو الخوف من المساءلة عن الجرائم التي ارتكبوها في السنوات الخمس الأخيرة.

نعم، مع وصول القاعدة إلى الدرك الأخلاقي الأكثر انحطاطاً من خلال حملة التضامن مع الحصار تكون ماضية في المسار السياسي الصحيح المرسوم لها. أي تحدّث عن الأخلاقيات، أو أية نزعة إنسانوية لا ترى ذلك، يتسمان بالسذاجة وبعدم الواقعية. علينا بدل ما سبق أن نقرّ بنجاح السيد وأن نهنئه على صفوة أتباعه من شامتي الأيام الأخيرة، فهم ثروته الأنفَس ومخزونه المعنوي والبشري للمجازر القادمة، وللمستقبل الذي لن يكون وفق ما نتمناه للجميع.

المدن

 

 

 

تشتت وجوع وتجويع/ فاطمة ياسين

يحلو للعالم أن يرى السوريين على هيئة ملل ونحل وطوائف وفئات متمايزة، تتلاقى مصالحُ بعضهم، فيتحزبون ضمن مجموعة في مواجهة مجموعات أخرى. وأصبحت الدول الداعمة تقدم هباتها الهزيلة للسوريين على أساسين: خلفية السوري الدينية أو العرقية، وموقفه من نظام الأسد. ولكل امتيازاته؛ فللعلوي المعارض من يدعمه، والسني المؤيد هناك دول تفاخر بوجوده، وتدفعه ليترأس الطوابير في المقابلات التلفزيونية، ذات الانتشار الواسع، أو في أثناء عقد المؤتمرات الخاصة التي تأخذ على عاتقها حل المعضلة السورية. أما الكرد فقد اتفقت غالبية الدول والقوى على إعطائهم توصيفاً خاصاً، يفصلهم عن باقي مكونات الشعب السوري، باعتبارهم كتلة خاصة، لا يوجد لديها مرجع ديني معترف به، أو حزب سياسي جامع يتحلقون خلفه.

تحركت الكتل والتيارات والمجالس والهيئات التي شكلها السوريون على إيقاعات الدول الداعمة، وبدأ الإعلام الخاص لكل منها يردد كلام مرجعياتها عن الحل السلمي، أو المؤتمرات المقبلة، ونامت في حضن التسريبات الخبرية التافهة، متناسيةً، إلى حد بعيد، الوضعَ الداخلي المهشم، ما أعطى النظامَ والقوى المتحالفة معه الوقتَ الكافي، والمدى المطلوب لإحكام الطوق حول قرية صغيرة، معلقة على قمة جبلية، تدعى مضايا، حتى فَتَكَ الجوع بأهلها، وأصبحت عظامهم الناتئة التي سببها سوء التغذية جداريات يزهو بها “فيسبوك”، بينما تسخر “موائد اللئام” من صياحات التضوّر التي تطلقها القرية، وتعرض نفسها بكامل فجورها على وسائل التواصل الاجتماعي نفسها في سقوط أخلاقي مريع، يكشف عن عمق الهوة التي تفصل مكونات بات المجتمع السوري يتشكل منها.

حاولت بعض التجمعات ذات الطبيعة الثقافية، في اجتماعات ونشرات وبيانات خاصة، التنبيه إلى خطورة الشروخ التي أصابت البنية السورية، وأحالتها إلى مستنقعات صغيرة منفصلة، وكل منها يمتلك رؤيته الخاصة التي لا تقبل المساومة أو النقاش، وهي مستعدة “للمناطحة” دفاعاً عما تؤمن به، وفي واقع الأمر يكون مجرد صدى لفكرة أو اجتهاد إقليمي.

ذهبت الجهود أدراج الرياح، وتناثرت سدى، كالغبار الذي يغطي شوارع الوطن، من أقصاه إلى أقصاه، ومضت المجموعات السورية التي يتربص بعضها ببعض، بعيداً في غيها الإعلامي، ففرضت إنتاجها السيئ على الشاشات والصحف وصفحات الميديا الاجتماعية، في تعزيز للولاء الزبائني الذي وصل إلى درك الاستجداء والتسول المباشر من أي جهة كانت.

يستفيد النظام الذي يزداد تراصاً واكتنازاً بفضل دعم مضبوط ومنتظم، من حالات الانقسام والتفكك التي وصلت إلى حد الانحلال في جسد المعارضات الكثيرة، فبدأ بتسجيل النقاط، بغض النظر عن الطريقة، مستنداً إلى ضعف الخصم وهزاله، وتبدد جهوده في مواجهات داخلية.. وتشكل مضايا التي ما زالت ترزح تحت غائلة الجوع والحصار، نموذجاً لمن يريد أن يقرأ بواقعية، فهذه القرية التي يحيط بها جنودُ حزب الله من جميع الجهات، تحت ما يشبه غيمةً تشكلها المقاتلات الروسية، ضحية لوضع متأزم تعيشه الجهات التي تواجه النظام، والتي سمحت وضعيتها المهلهلة للأسد، ومن يقف معه، ويدعمه، بالتمدد إلى أماكن كان يحلم بالوصول إليها، فها هو يضع قدمه في محيط مضايا، ملوحاً برغيف الخبز على مرأى ومسمع من البشرية كلها، من دون أن تطرف عين لأحد.

هذا هو واقع مضايا الجائعة التي تختصر الحالة السورية العامة، ونحن نغلق مصراع العام الخامس لثورةٍ بدأت بيافعين ملأوا الشوارع تمرداً، حتى أسقطوا جبروت الطاغية، بينما نراقب، بأمل خائب، مضايا، وقد لفتها الثلوج تضغط على أمعاء أهلها الخاوية، وعشرات المنابر الإعلامية “الثورية” تطلق الصراخ “رشاً ودراكاً”، ولا تصيب إلا أذن مستمع ملَّ من ترديد العبارات الجافة المفرغة من الداخل، وأصبح يرغب بنوعٍ مختلف من التعامل، لا يعتمد مكبر الصوت سلاحاً وحيداً يقود إلى النصر.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

عن الشامتين بجوع مضايا/ ماهر مسعود

نُشرت خلال الأيام الماضية مجموعة كبيرة من الصور والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، لداعمين لـ «حزب الله» اللبناني، المتدخل في سورية والمُحاصِر بلدة مضايا يداً بيد مع النظام الحليف في دمشق.

الجامع بين تلك الصور والتعليقات والفيديوات، هو الشماتة بالمحاصرين الجائعين، والتشفي بإذلالهم وموتهم، والتهكم الساخر عليهم وعلى المتعاطفين معهم أو الداعين لفك الحصار عنهم.

مما لا شك فيه أن الموجودين في مضايا يمثلون عدواً غير تقليدي، بعدما أصبح العدو «منا وفينا» لأولئك الشامتين أو الفرحين بالحصار، لا سيما أن الممانعة وذيلها المقاوم في لبنان يعدون المحاصَرين أعداء وإرهابيين. كما ليس بغريب على جنود الممانعة المدنيين في سورية أن يطالبوا نظامهم بإبادة المناطق الثائرة، وتحويلها «مزارع بطاطا» مثلما تكرر على مسامعنا منذ بداية الثورة السورية.

لكن اللافت في الشامتين هذه المرة ليس فحسب كون معظمهم إعلاميين ومراسلين ومصورين، ولا كون معظم الصور القادمة من تحت الحصار لأطفال ومسنين جفت عروقهم من الجوع ونقص التغذية، بل في كون نوعيتهم تزيد المأساة السورية الحاصلة لمن يقع عليهم الحيف والظلم والموت والدمار والتشرد مأسوية. إنه العدو البالغ ذلك الدرك من الانحطاط النفسي والوضاعة الأخلاقية، وكون تلك السمة النفسية التي يُعمل دائماً على ترجمتها سياسياً، أصبحت سمة ذات حامل اجتماعي وسياسي كبير، يمتد من طهران إلى لبنان، ويشمل، ضمن من يشمل، نخبة ممن يُفترض أن يكونوا أعداء رسميين، من أصحاب الأعلام السوداء والسجلّ الأسود.

والحقيقة أن التشابه بين «داعش» والنظام السوري و «حزب الله»، لا يقتصر على طبيعة الفعل الإجرامي القائم على أرض الواقع، بل يتعداه نحو الجنود المدنيين المقتنعين فعلاً بصوابية أسيادهم، وشرّية أعدائهم المطلقة. واللافت حقاً في تصوير الطعام كتضامن هزلي مع محاصري مضايا، أنه تعبير مدني عن القسوة والانفصال الاخلاقي والنفسي عن الضحايا، متشابه الى حد التطابق مع ذات القسوة والانفصال النفسي اللذين يمارسهما مرتكبو الجرائم الداعشية من صلب وقطع رؤوس لضحاياهم، ومع الشبيحة ورجال الأمن السوري الذين ملأت الصور والفيديوات التي صوروها هم أنفسهم غالباً، وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وهم يستمتعون بتعذيب ضحاياهم بأشد أنواع القسوة، من دون أن يرف لهم جفن، بل غالباً بضحك واستهتار بآلام الضحية، ما يدل على المتعة السادية المريضة وانعدام القدرة المطلق على تمثل الضحايا أو التفكير بهم انسانياً.

التعبير العلني عن المتعة بموت الأطفال جوعاً، هو القول صراحة إن ما يبطنه هؤلاء هو ما يفعله صراحة أسيادهم وممثلوهم على الأرض، والعكس صحيح، أي أن ما يفعله الشبيحة وجنود ولاية الفقيه، بالإضافة الى جنود الخلافة أيضاً، ليس سوى ايصال ما يبطنه هؤلاء المدنيون إلى نهايته.

لكن هذا البلاء المبتلية به منطقتنا، والذي أصبح واقعاً يفوق الخيال، لا تكمن أهميته في حصوله وانقضائه أو الوصول إلى مستوياته وحسب، بل في ما يثيره من فزعٍ، ما يجعل كل كلام عن حلول سياسية كلاماً عن عودة للتعايش الإكراهي، أو التعايش غير القابل للعيش الذي كان يخفيه الاكراه أو يلجمه بقيوده المكروهة. ذلك أن هذا النوع من التعايش ولاّد للخراب أكثر من كونه منتجاً للأوطان القابلة للحياة، أو للتعايش والاندماج الوطني المأمول أو المُتخيل.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

الركوع أو الجوع سياسة ممانعة/ سلامة كيلة

الصور التي تتسرّب من مضايا مرعبة، وتشي بمدى الحقد الذي يوجه ضد سكان الزبداني ومضايا وبقين، المجمعين فيها، بعد أن كسرت الزبداني جبروت حزب الله والحرس الثوري والفرقة الرابعة. كما أن الاستغاثات الآتية من تعز مرعبة كذلك، حيث تسير نحو مصير مشابه لمضايا، بعد أن أحكم الحوثيون وقوات صالح الحصار عليها، وهو أمر يشي، أيضاً، بالحقد على المدينة التي كانت منطلق الثورة التي هزت النظام، وأبعدت علي عبدالله صالح، وظلت مستعصية على الحوثيين.

في الحالين، من يحاصر هو قوى تابعة لإيران، حزب الله في مضايا، والحوثيون في تعز، مع أتباع من قوات صالح والنظام السوري. ولهذا مغزى مهم، فإذا كان النظام الإيراني، نظام الملالي، ليس معنياً بمصير الشعب، وقد مارس القتل والتدمير والحرق في العراق قبلاً، ولا زال يحاول ذلك هناك، فإن سياسة الأتباع تشير إلى أنهم ليسوا من الشعب، وأن أحقادهم عليه كبيرة، ومن ثم إن دورهم يتمثل في سحقه، بغض النظر عن كل القيم و”الدين”، وكل ما يدعون في خطاباتهم. هم قتلة الشعب، ويريدون السيطرة عليه، حتى وإنْ أدى ذلك إلى إبادته، كما يفعل نظام الأسد ونظام بوتين.

ولا يقتصر هذا الدور في سورية على مضايا، ربما هي الآن الحالة الأبرز لوحشية هؤلاء، بل طاولت مخيم اليرموك، والغوطتين الشرقية والغربية، وحمص ودير الزور، ومناطق كثيرة تستطيع قواتهم حصارها، فشعارهم الركوع أو الموت جوعاً. وذلك كله إضافة إلى كل أشكال التدمير والقتل التي يمارسها النظام في كل سورية، وأكملته الطائرات الروسية، ومارسها الحوثيون وقوات صالح في اليمن، وكلها جرائم حرب مكشوفة، وتمارس علناً وبالصور.

تجري هذه الوحشية تحت أنظار العالم، و”الدول الكبرى” و”منظمات حقوق الإنسان”، والمحكمة الجنائية الدولية، وكل المحاكم الخاصة بالحروب، من دون أن تعني لها شيئاً، أو تلفت انتباهها إلى ما يجري من قتل وتدمير وتجويع واعتقال، وكذلك استخدام أخطر الأسلحة، بما فيها الأسلحة الكيماوية والصواريخ البالستية والقصف الجوي. إنها مجزرة تجري تحت أعين العالم، من دون أن تلقى انتباهاً، أو تهزّ الضمير.

يحتاج الأمر هنا إلى تحليل “النظام العالمي”، أو وضع الرأسمالية بالخصوص التي تعيش أزمة منذ زمن طويل، انفجرت سنة 2008. لكن علينا أن نلمس المنظور الذي باتت تفكّر به هذه الرأسمالية منذ عقود، وهو منظور وحشي، حيث أنها باتت ترى أن هناك شعوباً زائدة عن الحاجة، فلا بد من أن تموت. هذا ما شرحته سوزان جورج في كتابها “تقرير لوغيانو” الصادر منذ سنوات، حيث أشارت إلى ميل الطغم المالية، ومالكي الشركات الكبرى، إلى افتعال الحروب الطائفية والدينية والقبلية والمحلية مساراً يعمم القتل ويفكك المجتمعات، ويودي بملايين البشر. وهذا ما عمّمته الطغم المالية، بعد أحداث “11 سبتمبر”، تحت عنوان “الفوضى الخلاقة” التي بدأت بتعميم الصراع الطائفي والقتل والمتفجرات في العراق، وكانت تعمل على تعميمه في “الشرق الأوسط الموسّع”. ومن أجل ذلك، اخترعت تنظيمات “جهادية” مثل القاعدة، والآن داعش، من أجل أن تكون مدخلاً لهذه الفوضى والحروب والصراعات الطائفية، لكن هذه الطغم تريد الآن تدمير الثورات، وتحويلها إلى مجزرة، لكي تتعظ الشعوب الأخرى.

هذا القتل والتدمير حدث في سورية، وأيضاً في اليمن، ويظهر أن الحصار والتجويع هو سياسة موحدة لكل المجموعات التابعة إيران، كما هي التعبير عن حقد النظام السوري، وكذلك حقد علي عبدالله صالح. ولأن الأمر يخدم “المنظور العالمي”، نجد أن سياسة الأمم المتحدة تصبّ في خدمة التجويع، وتغض النظر عن القتل والتدمير، فهي التعبير عن سياسة الطغم الإمبريالية المضادة للشعوب.

ما يجري الآن، في سورية واليمن وليبيا، يصبّ في المسار نفسه. لهذا، تبدو الإمبريالية الأميركية “متفرجة”، في وضع باتت القوى التي تقول إنها تقاوم أميركا هي التي تمارس كل هذه الوحشية، وتؤدي ممارساتها إلى القتل والتدمير والفرز الطائفي.

العربي الجديد

 

 

 

مضايا البداية والنهاية/ بشير البكر

حين دخلت أول أربع شاحنات من مواد الإغاثة إلى بلدة مضايا السورية، مساء الإثنين الماضي، ساد الاعتقاد بأن الأزمة في طريق الحل النهائي، لكن رئيس المجلس المحلي أعلن أن الشحنة خالية من الطحين. وبعد ذلك بقليل، تحدث آخرون عن عدم وجود حليب، ونقص في كمية الدواء والمواد الأولية، ثم تلا ذلك تصريح أحد مسؤولي الأمم المتحدة بأن مضايا مهددة بكارثة إنسانية، وكشف عن وجود 400 شخص في وضع صحي سيىء للغاية، يحتاجون إلى عملية إخلاء فوري من المدينة، وفوق هذا كله، فإن المساعدات لا تكفي أكثر من 15 يوماً.

كانت عملية إدخال المساعدات الإنسانية إلى مضايا بمثابة مدخل للمفاوضات، التي قرّرتها الأمم المتحدة بين وفدي المعارضة والنظام في 25 يناير/كانون الثاني الحالي. ولذا، جرى النظر إليها من الأوساط المواكبة للأزمة السورية على أنها بادرة حسن نية من الطرفين، على القيام بخطواتٍ تخفف من حدة التوتر، وتشيع أجواء من الثقة، لا سيما وأن وفد المعارضة طرح أمرين مهمين، بعد اجتماع هيئة التفاوض في الرياض. يدعو الأول إلى فصل المسارين، الإنساني والسياسي، والثاني رفض البدء في المفاوضات، في ظل استمرار عمليات القتل التي يمارسها النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون.

ما يمكن استنتاجه من التصريحات الأكثر حكمة، في الأيام الأخيرة، أن مضايا يمكن أن تفتح باب الحل السوري، وفي وسعها أن تغلقه في الوقت نفسه، مع الأخذ في الاعتبار أن حرب التجويع ليست ملفاً كسائر الملفات الأخرى التي يمكن وضعها على طاولة المفاوضات، وإنما هي أحد مؤشرات المصداقية الأخلاقية التي بدونها لا يمكن بناء الثقة.

مبدأ فرض الحصار هو المستنكر، وقد برهنت الطريقة التي أدخل بها النظام السوري المساعدات إلى مضايا عن وجدانٍ بربري مريض، فأسلوب تقنين المساعدات من اختراع طغاة مرضى، والمحتلين الذين اتبعوه لتركيع وكسر مقاومة شعب محاصر، ذلك أن الماء والدواء والحليب والطحين مستلزماتٌ لا يمكن أن تكون محل مساومة في أي ظرف، ومن الطبيعي أن يتحرك قطاع واسع لإدانة هذه السلوكيات الوحشية، فحصار مضايا ليس مشكلة سكانها وحدهم، ولا مصير بضعة ملايين من السوريين، ما زالوا يتشبثون بالبقاء في بلدهم على الرغم من حرب الإبادة متعددة الأطراف التي يواجهونها. كل ما في الأمر هو بقاء البلد من عدمه، فإذا استمر الروس والإيرانيون بقيادة السفينة السورية في هذا الاتجاه، فمعنى ذلك أن سورية انتهت كبلد. أهالي مضايا يواجهون اليوم خطر الانقراض، ويعانون، كسائر السوريين، من مفاعيل الجنون القاتل المسلط على سورية المطحونة بين فكي البربرية الروسي الإيراني من أجل إعادة تأهيل نظامٍ يتحمل المسؤولية التامة عن تدمير وطن 22 مليون سوري.

ليست مضايا فقط مقياساً للحساسية الإنسانية والأخلاقية لدى النظام السوري وحلفائه الإيرانيين والروس، وإنما هي ميزان لمدى ميلهم نحو السير جدّياً في مفاوضات السلام. وفي الحقيقة، لا يبعث على الأمل الأسلوب الذي يتعاطون فيه مع أحوال أربعين ألف شخص محاصر تشهد المنظمات الدولية أنهم سيموتون جوعاً ومرضاً. من يحتجز مواطنين عُزّلاً لا يمكن التعويل عليه في دخول مفاوضاتٍ من أجل الوصول بسورية إلى بر الأمان.

من الواضح أن رعاة النظام السوري من الروس والإيرانيين لا يريدون حلاً سلمياً في الفترة الراهنة، وقد كان السفير الأميركي السابق في سورية، روبرت فورد، صريحاً في حديثه مع “العربي الجديد”، حين قال إن الأسد يريد استسلام المعارضة، لا الحوار معها، الأمر الذي يتحدث عن نفسه على الأرض، بعد التدخل الروسي.

صحيح أن السوريين تعبوا من التشرد والجوع والحصار، لكن الغالبية منهم تفضل المنفى والهجرة على الحياة في سورية تحت حكم الأسد.

العربي الجديد

 

 

 

 

سوريا استمرار معاناة المحاصرين/ ميسرة بكور

نتيجة تغييب تطبيق قرارات مجلس الأمن بين ترحيب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية، وما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية .تستمر معاناة الأهالي في بلدات مضايا والزبداني ومعضمية الشام بسبب الجوع الناجم عن الحصار الذي تفرضه ميليشيا حزب الله اللبناني على المنطقة وما فيها من حجر وبشر.

بكل سذاجة الكون يفتح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية مزاداً يقول فيه وافقت على السماح بوصول المساعدات إلى مضايا في ريف دمشق وبلدتي كفريا والفوعة في ريف إدلب المواليتين لنظام بشار السد وايران.

وأعلن المكتب الإنساني لتابع للأمم المتحدة ترحيبه وسروره بهذه الاستجابة من قبل «الحكومة السورية .. .» وتستمر تقارير المنظمات الحقوقية والمؤسسات الطبية في اصدار تقاريرها المروعة التي أفادت أن قرابة خمسين حالة إغماء بسبب نقص التغذية تصل يوميا إلى المراكز الطبية، في حين بلغ عدد الوفيات « 23» والحبل على الجرار.

هنا علينا أن نطرح سؤالا عريضا حول ترحيب الأمم المتحدة بموافقة نظام الأسد، ومن ثم سؤالا آخر لماذا تتسول الأمم المتحدة وتستجدي حكومة الأسد في الموافقة على ادخال المساعدات الإنسانية للمحاصرين في مدن وبلدات سوريا وما أكثرهم .

قد يتبجح أحدهم بالقول أن المنظمة الدولية لا يمكنها القيام بأنشطة على أراضي إحدى دولها الأعضاء إلا بموافقة حكومة هذه الدولة. هنا نقطع الطريق عليه ونذكره بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة «2139 والقرار، 2165»الذي يجيز للأمم المتحدة التحرك من دون موافقة الحكومة» المعنية.

ونزيدكم من الشعر بيتا ووفقا للمادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة «يتعهد جميع أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها .

ترى ألم يسمع مكتب الأمم المتحدة الإنساني بهذا القرار رقم 2165 الخاص بإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا عبر أربع نقاط، اثنتان منها في تركيا (باب السلام وباب الهوا) وواحدة في العراق (اليعروبية) وواحدة في الأردن (الرمثا) ؟

ألم يصرح دبلوماسي كبير في الأمم المتحدة -طلب عدم الكشف عن اسمه- قال لرويترز «نحن لا نتوقع أي مشاكل كبيرة، من الواضح أن قدرتها «الحكومة السورية «على تعطيل وصول المساعدات محدودة، حيث أنها لا تسيطر على المناطق التي ستتوجه إليها هذه المساعدات». ؟ ومما يزيد الطين بلة ويفتح المجال واسعاً عن حقيقة الدور الذي تلعبه الأمم المتحدة في المأساة السورية التي قاربت على الخمس سنوات .حيث نقلت الأمم المتحدة عن «تقارير موثوقة» أن الناس يموتون من الجوع ويتعرضون «للقتل» أثناء محاولتهم مغادرة مضايا التي يعيش فيها نحو أربعين ألف شخص.

نعيد تذكير الأمم المتحدة ومجلس «قتلها الدولي» بالقرار الصادر عنه «2042» الذي، نص القرار على إرسال بعثة مراقبين عسكريين غير مسلحين، وذلك لمراقبة وقف إطلاق النار على أن لا يتعدى عديدهم الثلاثين مراقبا. كما جاء في القرار أيضاً أن مجلس الأمن يحتفظ لنفسه بحق «اتخاذ أي إجراءات يراها مناسبة» في حال لم يتم تطبيق هذا القرار. يبدو أن مجلس الأمن لم ير أن تعريض ما يزيد عن « 42ألفا» من سكان مضايا للإبادة الجماعية جوعاً أمر ملح لاتخاذ «ما يراه مناسباً»؟.!.

ثم عندما تقر الأمم المتحدة بأن ميليشيا «حزب الله لبناني» هي من تحاصر بلدات ريف دمشق «الزبداني . مضايا . بقين « وغيرها . وقد سبق لها أن أشرفت ورعت اتفاقا بين أحرار الشام «السورية» وميليشيات إيران وحزب الله .

أليس هذا اعترافاً صريحاً بأن هذه الميليشيات المدعومة ايرانياً وروسياً . قد خرقت قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2170 الذي تضمن فرض عقوبات ضد كل من يمول أو يزود بالسلاح الجماعات الإرهابية في العراق وسوريا وهو أول قرار يتخذه مجلس الأمن حيال الأوضاع في سوريا تحت الفصل السابع من ميثاقه، ما يعني إستخداما للقوة العسكرية في تطبيقه. بالإضافة إلى الطلب من جميع الدول وقف تدفق الإرهابيين الأجانب للإنضمام إلى تنظيم الدولة والنصرة و»غيرهما «ومنع تنقل الإرهابيين أو تجولهم أو عبورهم في أراضيها بالإضافة إلى حث الدول على وقف ومنع تدفق السلاح والأعتدة أو نقلها أو بيعها إلى الجماعات الإرهابية في كل من سوريا والعراق… كل ذلك قد بات عرضةً للمحاسبة الدولية بالقوة.

ألا ترون معي أن الأمم المتحدة وما يتبع لها من مكاتب تبدو، خارج التغطية تماما ومنفصلة عن واقع الحال وأنها تقول أي كلام خبط عشواء تصريحات تتناقض مع ما تم اقراره في مجس الأمن، يأمل مصدرو هذه التصريحات أن يصيبوا بها موقفا يحفظ ماء وجه الأمم المتحدة؟ أم تراهم يظنون أن كلاماً إنسانياً معسولاً، تجعلهم يداعبون عقول المحبطين من شعبنا السوري.

أم المقصود من هذه التصريحات وعبارات الشجب والإدانة والاستنكار التي سئمت الشعوب العربية سماعها إبقاء مشعل الأمم المتحدة متقداً دون أي فعل حقيقي يقف نزيف دمائنا.

كاتب وباحث سوري

 

 

 

مضايا وكلّ هذا الحقد!/ حازم صاغية

لم تعد مأساة مضايا تستدرج المزيد من الأوصاف والتعريفات، ولم يعد تجويعها والعمل على ردّ المقيمين فيها إلى سويّة التوحّش سرّاً يُلحّ على الفضح والإشهار.

لقد أُشبع الوصف وأُشبع التعريف وكلّ شيء صار مكشوفاً. لكنّ بيئة سوريّة – لبنانيّة لا تني تستخفّ بتلك المأساة، أو تنكرها أصلاً، أو، وهذا أسوأ الأسوأ، تسخر ممّن يعانونها وتشمت بهم.

والحال أنّ السذاجة فحسب هي التي تقترح علينا اعتبار البشر تجسيداً لنبل خالص ودائم. إلاّ أنّ ردود الفعل المذكورة هي ممّا لا يكفي الذكاء ولا الخبث لجعلها مفهومة، خصوصاً أنّ أصحابها يجهرون بها مثلما يجهر البشر العاديّون بحاجاتهم العاديّة إلى الهواء والغذاء وسواهما.

وراء ذلك تقيم بالطبع الدرجة القصوى التي بلغها تفتّت مجتمعاتنا وتكارهها، بحيث سقطت أوراق الحجب والتخفّي والتورية جميعاً. لقد صار واضحاً، بل فاقع الوضوح، كيف أنّ إرادة عدم العيش المشترك تفوق بلا قياس إرادة العيش المشترك، وكم أنّ الحاجة ماسّة لمراجعة أشكال الاجتماع الوطنيّ وصيغه في سائر بلدان المشرق المتنابذة.

لكنّ هذا الانشطار النوعيّ يأتي محمّلاً بأثقال وخلفيّات يسعها تفسير بعض الأوجه السوداء لردود الفعل تلك.

فبيئة الإنكار أو الشماتة لن تستطيع، حتّى لو ربحت حروبها عسكريّاً، أن تنفي خسارتها الكبرى لمعناها ولعلل وجودها. ذاك أنّ الثورة السوريّة وباقي الثورات العربيّة، حتّى بهزيمتها وبالتغيّر الذي طرأ على طبيعتها، نجحت في أن تنتزع مفهوم «الثورة» من تلك البيئة «الثوريّة». ويكفي أدنى الإلمام بالعقود الأخيرة لمعرفة أنّ «الثورة» كانت أهمّ ممتلكات تلك البيئة وأهمّ تجاراتها الرابحة. وكان من الممكن، في هذا الاستحواذ على «الثورة»، إيصال الكذب إلى مديات قصوى، كأنْ يصنّف نظام كالنظام الأسديّ نظاماً «ثوريّاً»، وُلد من رحم «ثورة»، أو كأنْ تُخترع قضيّة كمزارع شبعا، وتتعرّض للنفخ المتواصل، من أجل تبرير بندقيّة «حزب الله»، وهو أيضاً «ثورة» بطريقته.

وما فعلته الثورات العربيّة، لا سيّما منها السوريّة، أنّها أنهت هذا الاستحواذ الكاذب والمتجبّر، فيما غيّرت معاني «الثورة» ومضامينها، منعطفةً بها عن تزوير المعاني التقليديّ الذي جعل «الوحدة والحريّة والاشتراكيّة» و»تحرير فلسطين» النسغ المغذّي لـ «الثورة». وهذا إنّما يفسّر الاحتقان والتوتّر اللذين يرفدان المشاعر الطائفيّة ويؤجّجانها. فكأنّ ما أصيبت به البيئة الممانعة، وما تردّ عليه بهذه الجلافة وهذا النقص في الحساسيّة، إنّما يرقى إلى فقدان عالمها الحميم وشرط بقائها الشارط.

والأمر اليوم يفقد كلّ طابع نظريّ أو افتراضيّ لمصلحة انقشاع وشفافيّة هائلين. فحين يكون «حزب الله»، حزب الثورة مدفوعةً إلى سويّة المقاومة، هو مُجوّع مضايا ومحاصرها يكون كتاب الكذب قد أتمّ فصله الأخير.

الحياة

 

 

 

المُمانعون أصدقُ من المُمانعة/ زيـاد مـاجد

تُثبت “الممانعةُ” حكوماتٍ وأحزاباً أنها تكرّس يوماً بعد يوم منظومةً أخلاقية لا تحتكر الوضاعة، إذ ثمّة بين خصومها من قد يجاريها فيها، لكنها تُحوّلها الى سمةٍ لقسمٍ كبير من جمهورها ومُريديها.

وليس أشدّ دلالةً على الأمر سوى تعاطي معظم المُمانعين منذ سنواتٍ مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها نظام الأسد، والتي صار لحزب الله بعد تجويع مضايا نصيبٌ من المسؤولية المباشرة عنها.

فبعد نفي الحزب مُحاصرتَه البلدة السورية واتّهامِه “المروّجين” للموضوع بالسعي “لتشويه صورة المقاومة”، وبعد تحويل نفيِه الى اتّهامٍ للمسلّحين المُحاصَرين بالتسبّب بِالحصار، راح إعلامُه يبحث عن صُوَر مزوّرة أو منسوبة زوراً الى مضايا ليُبرزَها، علّه يخفّف بواسطتها هَولَ الجريمة أو يُرخي ظلال شكٍّ على حدوثها.

ولم يكن من الصعب الوقوع على هكذا صُوَر منشورةٍ في مواقع التواصل الاجتماعي. فهي كثيرةٌ، ويظنّ مركّبوها – إن لم يكونوا مخابراتيّين – أنهم في استخدامها (البائس) و”تدويرها” كلَّ فترةٍ قد يستدرّون عطفاً إضافياً تجاه الجِياع الحقيقيّين.

على أن جزءاً واسعاً من الجمهور المُمانع لا يكترث بِكلّ هذا. فلا النفي يهمُّه، ولا مقولة “تشويه صورة المقاومة” يأخذها على محمل الجدّ، ولا حتّى الصور المزوّرة تستثيره ليُكذّبَ خصومَه. فهو يعرف جيّداً أنها جميعُها مجرّد ردودٍ إعلاميةٍ لِمُعسكرهِ لا أكثر، ويعلم أن التجويع واقعٌ ويشمتُ بضحاياه، ويردّ على حملات التضامن معهم بحملات دعمٍ لحصارِهم مُرفقةٍ بصُوَرِ أطعمةٍ وبرّاداتٍ مليئةٍ بالمآكل، للهزء بوجعهم وبموت أطفالهم البطيء.

وتُذكّرنا خِسّتُه السافرة والصريحة هذه، بمقولاتٍ ردّدها مُمانعون آخرون مجّدوا ألوف البراميل المتفجّرة التي يقذفها طيران الأسد على المدنيّين السوريّين، في الوقت الذي كان الأسد نفسه ينفي امتلاك طيرانه لها. وتذكّرُنا كذلك بمسيرات طلّاب “البعث” السيارةِ في دمشق احتفالاً بالقصف الكيميائي للغوطتين الشرقية والغربية صيف العام 2013، رغم أنه قصفٌ نفاه أركان نظامهم يومها وقالت الناطقة باسمه إن الأطفال المخنوقين بسببه هم أطفالٌ اختطفهم “الإرهابيّون” من قرى الساحل السوري واقتادوهم الى الغوطتين حيث قتلوهم وعرضوا جثامينهم لاتّهام النظام بخنقهم وتشويه سمعته.

هكذا، تحوّل احتفاء معظم المُمانعين بالجرائم الى طقسٍ دائم، الى منظومةٍ أخلاقية تُوالي القتل بوصفه رداً سياسياً على الخصم، لا همّ إن حاولَ فاعلُه التنصّلَ منه لاحقاً أو حاول حتى نفيَ وقوعه.

فكذبُ القاتل قبل القتلِ وبعده ليس سوى “ديكور” ضروريّ لمهمّته أو مسرحةٍ خطابيّة ترافق فعلتَه. والأخيرة، مهما سفكت من دماء، لا تروي غليلَ هؤلاء الممانِعين كفايةً، إذ يُريدون إبادة شاملةً لِخصومِهم. أو بالأحرى يُريدون، تماماً كما قالوا بصدقٍ وفجور منذ اليوم الأول، تطبيقَ شعار “الأسد أو نحرق البلد” معطوفاً على “الجوع أو الركوع”. فهذه هي بالتحديد أخلاقهم وأخلاق من يناصرهم. أما الباقي كلّه، من جيوستراتيجيا ومقاومة وإمبريالية ومؤامرات وأقلّيات وتكفيريّين، فلا تغدو كونها تفاصيل، أو عدّة شغلٍ إعلامية…

موقع لبنان ناو

 

 

 

 

المقاومة في مضايا/ حـازم الأميـن

وأخيراً قرّر حزب الله أن يردّ على “الحملة التي استهدفت المقاومة في مضايا”!، ومن هنا تحديداً نبدأ، أي من “المقاومة في مضايا”!

هل من جملة تستحقّ أن تُختم بعلامة تعجّب أكثر من هذه الجملة؟ “المقاومة في مضايا”، والحزب وجَد لهذه الجملة كُتّاباً لا تستوقفهم كلماتها، كما وجد صوراً ووجوهاً يُدافع فيها عن “المقاومة في مضايا”، وصحفاً ونواباً رؤوساء تحرير وأئمة مساجد من الطائفة السنّية أيضاً، ناهيك عن مطربين وفنّانين مسيحيين، جميع هؤلاء يؤمنون بأن هناك “مقاومة في مضايا”، وأن لا تجويع استهدف أبناء البلدة المحاصرة بـ”عشق المقاومين” على ما ردّد شاعر غير شيعي.

والحال أن الأمم المتحدة كاذبة في قولها إنّ 400 من أبناء البلدة “غير المحاصرة” بحاجة لإخلاء سريع منها. كاذبة حين قالت إنّ البلدة محاصرة، وحين قالت إنّ 400 من أبناء البلدة بحاجة إلى إخلاء. الإعلام الدولي كاذب أيضاً، ومتواطئ مع العدو الصهيوني، فالتقارير التي حملتها كبريات صحف العالم هي جزء من حملة تشويه لصورة المقاومة مموّلة من دوائر الصهيونية العالمية، تلك التي تصليها المقاومة ناراً ورصاصاً في مضايا.

لم يُشر الإعلام العالمي إلى أن المقاومة سمحت في شهر تشرين الأول الفائت بدخول شاحنات إغاثة إلى الأهالي غير المحاصرين في مضايا في شهر تشرين الأول من العام 2015. ثلاثة أشهر أيها الجاحدون بدور المقاومة، فهل استهلكتم خلالها كل المساعدات؟ ثلاثة أشهر كانت مضايا فيها غير محاصرة إلا بـ”عشق المقاومين”، وكانت القصائد عن سهل الحولا وإصبع الجليل وبحيرة طبريا تصل إلى أطفال مضايا مخترقة حالة اللاحصار المضروبة حول البلدة. فهل وثّق مندوب الأمم المتحدة ذلك؟ طبعاً لا، فهذا عميل صغير لا تعنيه القصائد ولا يطرب لأغاني جورج وسوف، ومنشغل بصغائر من نوع حليب الأطفال، ومساحيق مشابهة لا تساوي الغبار الذي على حذاء مقاوم.

قررت المقاومة أن تباشر حملة في مقابل الحملة التي تُشنّ عليها. قال سوسلوف المقاومة إن تضامن فؤاد السنيورة مع أهل مضايا لا يكفي لأن يكون المرء مع حصارها، لكنه (أي تضامن السنيورة) يلقي شكوكاً حول حقيقة الحصار.

سوسلوف وجد ضالته أخيراً وأدلى بدلوه. الأطفال ليسوا جائعين في مضايا، والدليل أن فؤاد السنيورة تضامن معهم. هذا رقص ديالكتيكي يصعب دحضه أيها الرفاق. ثم إنّ العدو الصهيوني الذي يمدّ التكفيريين في البلدة بالمساعدة سيُهزّم مرة أخرى على رغم الغارات التي يشنّها على المقاومة وقادتها في البلدات السورية. الدرس الكبير الذي لقمته إياه المقاومة في أعقاب اغتياله سمير القنطار سيتكرر وراء كل غارة.

وفي هذا الوقت… المقاومة لا تحاصر مضايا، إنما تحتضنها. ولا جائعين في البلدة، وما قاله ممثل الأمم المتحدة هو كذب وتضليل ودعاية صهيونية.

موقع لبنان ناو

 

 

 

 

مضايا… الإرهاب بالتجويع/ داود الشريان

نهج التجويع المميت الذي ينفّذه النظام السوري و «حزب الله» اللبناني ضد أهالي مضايا، يُعدّ سابقة في التجرُّد من الأخلاق والقيم الإنسانية. الإرهاب بالتجويع في مضايا تجاوز في وحشيّته تجويع الصوماليين في أوغادين في سبعينات القرن العشرين على يد هيلاسيلاسي. إنه جريمة إنسانية تفوق في فظاعتها الجرائم التي مورست عبر تاريخ البشر.

حصار مضايا وتجويع أهلها يؤكدان مجدداً أن نظام بشار الأسد وميليشيا «حزب الله» يحاربان الشعب السوري، وبطرق تُعتبر سابقة في الانتقام والقسوة والتوحُّش، ويؤكدان أيضاً أن الجيش الروسي، وبقية الجيوش التي تحارب في سورية، تمارس الإرهاب ضد السوريين، وتجاهلُها المتعمّد لهذه الكارثة الإنسانية يشير بوضوح إلى أن الحلفاء الكبار ماضون في تحقيق أهداف النظام السوري، وتسهيل العبث بتركيبة السكان، والتبادل السكاني بين البلدات السورية لتعزيز قبضة النظام على المناطق المحاذية للحدود مع لبنان، وصولاً إلى عملية تقسيم سورية.

هذه الجريمة التاريخية الكبرى سترتد، حتماً، على الوضع في لبنان. الشعب اللبناني لن يغفر لـ «حزب الله « دوره الظالم في هذه المجاعة البشعة التي جاءت متعمّدة لأسباب مذهبية وطائفية، وبأساليب تذكّر بحروب العصور الهمجية. وسيُواجَه الحزب برفض شعبي لبناني غير مسبوق، وربما وجد نفسه في حرب مع مواطنيه، يصعب عليه الخروج منها. هذه المرة لن تنقذه شعارات «المقاومة والممانعة»، فمن يقتل الأطفال والنساء والمرضى السوريين بالحصار والتجويع، ما عاد قادراً على إقناع أحد بأنه جيش للمقاومة، وحماية الحدود واستعادة الأرض المحتلة، لأنه فاق في وحشيته، همجية الاحتلال الإسرائيلي.

جريمة مضايا المأسوية تشير بوضوح إلى حقيقة الوضع في سورية، والتي تشهد تعتيماً عليها. فحين تصبح كارثة بحجم قتل الناس جوعاً مغيّبة عن وسائل الإعلام، وعلى مدى ستة أشهر، فهذا يؤكد أن ما يحصل في مضايا واحد من مشاهد أشد نكالاً وقسوة.

الكاتب البريطاني ديفيد بلير تساءل في صحيفة «صنداي تلغراف» «إذا كان بمقدور سلاح الجو الملكي البريطاني إسقاط القنابل، فلماذا لا يُسقط مساعدات لإنقاذ المتضوّرين جوعاً في مضايا؟».

هذا التساؤل، المنطقي والأخلاقي، يكشف بوضوح عن أن جيوش الروم والتتار والفرس التي تصمت عن إرهاب التجويع وهي تدّعي الحرب على الإرهاب، إنما جاءت لتصفية بقية السوريين وما تبقى من سورية.

الحياة

 

 

 

 

من مضايا إلى آخرنا/ الياس خوري

غداً بعد أن ينجلي هذا العماء الذي يضرب العقول والقلوب، سوف يشعر جميع من بقي حياً في بلادنا بالعار والخجل والمهانة. لم يسبق للغة أن أهانت نفسها مثلما يفعل اللبنانيون والسوريون اليوم بلغتهم. نجح الناس في تحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى مرايا للعار، بحيث صارت المجاعة مادة للتندر، والموت مجرد نكتة، والبشر الذين تحولوا إلى هياكل عظمية صاروا اليوم رسوماً كاريكاتيرية يتفنن البعض في التلاعب بها، كاشفاً عن عنصرية وطائفية وصلت إلى آخر المطاف.

الغريب أن شعباً ذاق أهوال المجاعة خلال الحرب العالمية الأولى يفقد اليوم إحساسه بذاكرته المأسوية. ما هذا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ ومن حوّلنا إلى وحوش ضارية تتلذذ بنهش البقايا.

مضايا جائعة، هناك أطفال ورجال ونساء يموتون من الجوع. هذه هي الحقيقة. الواجب الإنساني يفترض بالجميع أن يهب لنجدة هؤلاء الجائعين. قبل السياسة وقبل الصراع على السلطة، هناك حقيقة اسمها المجاعة. ومن الواجب الإنساني انهاء المجاعة واغاثة الناس. قبل القيام بهذا الواجب يكون كل نقاش ومحاججة مشاركة في الجريمة.

هذه الحقيقة البديهية لم تعد بديهية، سياسيون وإعلاميون يتنطحون للتحليل والتبرير والتسويغ، هؤلاء المحللون قتلة وسفاحون. وهم لا يقتلون أهل مضايا فقط بل يقتلوننا جميعاً، ويقتلون لغتنا محولين الكلام والصور إلى ادوات للقتل.

كيف نقرأ هذا العار الذي يحاصرنا؟

ومن هو المسؤول عن رمينا في هذا الجبّ العميق من التوحش؟

لم يرمنا أحد، فالمسؤولية منا وفينا. المستبد استباح البلاد جاعلاً منها حقولاً للموت، وحلفاء المستبد واعداؤه من الأصوليين قادونا من هاوية الحرب الطائفية إلى هاوية الحروب الدينية.

في الماضي حين بشرونا بحرب الحضارات، قلنا إنها خدعة هدفها شيطنة العرب والمسلمين واختراعهم كعدو لأمريكا والغرب. وكانت قراءتنا دقيقة وصائبة، حرب الحضارات فخ يريد المحافظون القدماء والجدد دفعنا إليه كي تبقى آلة الحرب تعمل.

لكن انظروا ماذا فعلنا بأنفسنا، بدل أن نسقط في حرب الحضارات سقطنا في الحروب الدينية. جاء من اراد اقناعنا بأن الدفاع عن طاغية سورية هو دفاع عن مقام السيدة زينب، ونبت إلى جانب هذا الخطاب خطاب داعشي حوّل التوحش إلى نمط حياة.

الغرب يتفرج علينا، ونحن نتذابح إلى ما لا نهاية. الروس يقصفون بالحمم والأمريكيون يقصفون بالكلمات، دول الاستبداد الاقليمية تندفع إلى الحرب على أشلاء سورية، والطاغية ابن الطاغية يتفرج على الحرائق المشتعلة مبتهجاً بقدرته على دفع البلد إلى النار.

هذه الحرب المستعرة لا تشبه الحرب الأهلية التي شهدناها في لبنان. فالطوائف مؤسسات مدنية تتوسل الغرائز الطائفية من أجل تحقيق أهدافها في التسلط. قادة الطوائف في معظمهم ليسوا متدينين، انهم كائنات عنصرية كريهة يمكن في النهاية أن تتوصل إلى تسويات فيما بينها.

لكننا نشهد في سورية وانطلاقاً منها مؤشرات حرب من نوع آخر، انها حرب سنية – شيعية، أي حرب قبلية تتوسل الدين جاعلة منه شعاراً وممارسة.

والحروب الدينية هي أكثر الحروب بشاعة في التاريخ، لأنها تنطلق من مطلقات لا مكان فيها للتسويات أو أنصاف الحلول. هذا المنزلق الذي تذهب اليه المنطقة من السعودية إلى إيران، ينذر بحرب طويلة ومدمرة لا منتصر فيها. فهذا النوع من الحروب قادر على أن يتوالد إلى ما لا نهاية. إلى جانب القاعدة ولدت داعش وإلى جانب داعش قد يولد شيء أكثر تطرفاً في أي لحظة. من ولاية الفقيه إلى الخليفة، ومن إدارة التوحش إلى تنظيم المجاعة، وقائع تعصف بنا، وتجعلنا نخجل من كوننا قادرين على الاستمرار في حياة صارت فاصلة داخل تضاريس الموت.

الحرب الدينية تذهب بأبطالها إلى أقسى القسوة، فكيف إذا اجتمعت معها العنصرية الطائفية وجنون الاستبداد والخوف والتخويف.

نعود إلى مضايا، كي نشهد على هذا البؤس الهمجي الذي يحولنا جميعا إلى وحوش. الذين يطربون لمشاهد الجوع والعاجزون عن وضع حد لهذه المقتلة يتشاركون في التوحش. غير أن السؤال الكبير الذي أحار في الاجابة عليه هو سؤالي إلى الذين يحاصرون البلدة السورية المنكوبة، سواء أكانوا من جيش النظام أو من الحرس الثوري الإيراني أو من جنود حزب الله. سؤالي لهم لا علاقة له بمنطق من سيخرج منتصراً أو مهزوماً من المقتلة السورية، بل يتعلق بنظام القيم الذي ينتمون إليه. أي قيم هذه؟ ومن قال لهم إنهم يمتلكون الحقيقة؟ وما هي ماهية هذه الحقيقة التي تسمح لهم بأن يعتبروا بأن هناك قيمة تعلو على قيمة الانسان، وبأن هناك ما يبرر تجويع الآخرين حتى الموت؟

ألا يعرفون أن الهمجية سوف ترتد عليهم وأنهم حين يتوحشون يقومون بتوحيش الآخر، ويطيحون بانسانيتهم وانسانيته معاً.

البلوى الكبرى التي تنزلق إليها بلادنا هي بلوى الحروب الدينية التي تتفوق على جميع الحروب هولاً. كأن بلادنا صارت مسرحاً لتصفية حساب الهمجية مع العمران، وإطاراً لتدفيعنا ثمن كل الفشل المتراكم منذ قرن.

في لحظات البلاء يلجأ الناس إلى حكمائهم، لكن أين نجد الحكمة في هذا الزمن.

أين نجد شاعراً كالمتنبي يحول كلماته إلى صفعة في وجوه الأدعياء الكذبة معلناً:

«سادات كل أناس من نفوسهم/ وسادة المسلمين الأعبُدُ القزمُ/ أغايةُ الدين أن تحفوا شواربكم/ يا أمةً ضحكت من جهلها الأممُ».

وأين شاعر المعرة الأعمى يقف في وجه جيش ابن مرداس الذي ضرب الحصار على معرة النعمان. يومها خرج أبو العلاء وحده إلى العساكر التي تحاصر المدينة وطلب من قائدهم فك الحصار وسحب الجنود. احتكم فيلسوف المعرة إلى العقل وانتصر. لكن جحافل المغول انتظرت إلى أن استطاعت في هذه الأيام السوداء أن تجز عنق تمثال الشاعر. الرأس الذي تدحرج ابتسم بسخرية وقال حكمته عن علاقة العقل باللاعقلانية التي تتستر بالدين، وسقط على الأرض المصنوعة من تراب جثث الضحايا.

كنا ونحن نشهد زمن هذا الألم نتعب من تعداد أسماء المدن والقرى المنكوبة فنقول إلى آخره…، على أمل أن يكون هناك آخر لهذا البؤس. أما في مضايا فان عبارة إلى آخره لم تعد ملائمة. أشعر اننا نذهب من مضايا إلى آخرنا، من دون أن نمتلك القدرة على انتظار ضوء ينقذنا من هذه العتمة الشاملة.

القدس العربي

 

 

 

 

أطباق التخمة السادية الإلكترونية/ فاطمة العيساوي

صور أجسادٍ عاريةٍ هزيلة، جوّعها حصار نظام الأسد وحلفائه في مدينة مضايا السورية، افتتحت أهوال العام الجديد، والتي بات العالم العربي ما بعد الثورات المصدر الرئيسي لها. الأشد رعباً من هذه الصور التي احتلت الشاشات العالمية صور أطباق الطعام التي اختارها أنصار حملة إلكترونية “تضامناً مع حصار مضايا”، تشفيّاً بالأمعاء الفارغة للجياع عبر الاحتفال بالتخمة، والتي تستحق، بجدارة، جائزة التفوق في استعراضات السادية. أثارت الحملة قرف الإعلام في العالم، يساراً ويميناً، عبرت عنه عناوين بالخط العريض لكلمات مثل “عشاء” أو”طعام” في وصف الدهشة من مستوى سادية المتشفين من الجياع، في حين لم تلق أي اهتمام في وسائل الإعلام الداعمة لنظام الأسد، حيث لا يوجد أساساً جوع، ولا جياع، في مضايا، أو غيرها من المناطق التي يحاصرها الجيش السوري.

سادية القتل والقمع في العالم العربي ما بعد الثورات ليست جديدة، وليست إلى انحسار مع العام الجديد، بل باتت شعبية هذه الانتهاكات لدى مجموعات واسعة تتخذ من وسائط الإعلام الحديث منبراً مفضلاً للتعبير عن أشكال العنصرية والسادية بطرق مبتكرة، من دون خجل. ليس هؤلاء من العامة الجهلة، كما تفسر عادة هذه التعبيرات. القسم الأكبر من هؤلاء هم من أصحاب الشهادات الجامعية، بل يوقع بعضهم مقالاتٍ في صفحات الجرائد، ويتحدث إلى الإعلام باعتباره محللاً لشؤون المنطقة. بعض هؤلاء قادة للرأي العام، رجال ونساء سياسة، أساتدة جامعيون، صحافيون…

على بشاعة تعبيرات الإعلام الحديث، يشكل استكشاف هذه السادية الإلكترونية واستعراضها فرصة أكثر منه خطراً. هل كان يمكن أن يُخيل إلينا أننا نعيش، إلى جانب أفرادٍ فقدوا إنسانيتهم إلى حد التشفي بالجياع، لو لم يعبروا عنها بهذا الشكل الفج؟ على قباحتها، تشكل التعبيرات، الفجة في ساديتها، في وسائط الإعلام الحديث، فرصة للتعرف على هذه الظواهر، استكشافها، إدانتها، وربما الحض على انكفائها، على طريقة معالجة الطفح الجلدي.

تراجع، في العام الفائت، الزخم حول قدرة الإعلام التقليدي (ورغبته) على تغطية ما يعتبر

“انتقلنا من الحديث عن اعتقال صحافيين إلى الحديث عن اختطافهم، أو اختقائهم من مكاتبهم” محظوراً، أو واصل تراجعه على الأحرى. عاد الإعلام الحديث ليقوم بدوره منصةً رئيسيةً للتعبير عن أصواتٍ لم يعد لها مكان في منصات الإعلام، أو لكشف المستور من انتهاكات الأنظمة والمجموعات. شهد العام الفائت أرقاماً قياسية في الاعتداء على الصحافة، وأنماطاً جديدة في تقييدها. انتقلنا من الحديث عن اعتقال صحافيين إلى الحديث عن اختطافهم، أو اختقائهم من مكاتبهم. ممارسات مثل توقيف صحافيين، بحجة العمل من دون تصريح، أو المنع من العمل الميداني، أو إتلاف المواد التي تم تصويرها، باتت ظواهر معهودة. بات القضاء السلاح الأمضى في تقييد عمل الصحافيين: بلاغات وملاحقات في حق صحافيين، بتهمة نشر أخبار كاذبة، لنشرهم تحقيقات استقصائية عن فساد مسؤولين. قوانين مكافحة الإرهاب تقيّد أي رواية صحافية، تتناقض مع الرواية الرسمية للعمليات العسكرية. محاكمات أمام القضاء العسكري لصحافيين، بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، لأخطاء ارتكبوها، وفي بعض الحالات، لمجرد قيامهم بعملهم.

في مناطق النزاع، بات عمل الصحافة أشبه بالإقدام على الانتحار، حيث احتلت سورية والعراق واليمن وليبيا مراتب متقدمة في إحصاء منظمة “مراسلون بلا حدود” للاعتداءات على طواقم الصحافة للعام الفائت، من اعتقال إلى اختطاف وقتل.. إلى هذا الحصار، يُضاف حصار من نوع آخر، يتمثل بتعميم نموذج الصحافي “الوطني” البوق، تحت عنوان الدفاع عن المصلحة الوطنية، في وجه أعداء الداخل والخارج. سقوط مهني لعل أبرز تعبيراته وأحدثها عنوان صحيفة الأخبار الحكومية المصرية أن مرشد جماعة الإخوان المسلمين، محمد بديع، في السجن “اتفتق”، في إشارة إلى خضوعه لعملية جراحية لمعالجة الفتاق. أمضى المصور الصحافي المصري محمود أبو زيد الملقب شوكان أكثر من 850 يوماً في التوقيف الاحتياطي، لمجرد قيامه بعمله. في رسالته الأخيرة من سجنه، يقول “تحولت إلى شخص فاقد للأمل كلياً”. يترافق ذلك مع تصاعد التضييق على الحريات العامة. الموت البطيء في السجون بات وسيلةً جديدةً للإعدام في مصر. المفوضية المصرية للحقوق والحريات أحصت 340 حالة اختقاء قسري لمدنيين بين أغسطس/آب ونوفمبر/تشرين الثاني 2015.

عاد الإعلام الحديث، إذن، ليشكل المتنفس الوحيد لمن لم يعد له مكان في الإعلام التقليدي، إلا أنه لم يعد حكراً على هذه الأصوات، بل بات مجالاً متاحاً للجميع. تفوقت داعش على الجميع في ابتكارات الدعاية الإلكترونية. آلاف المواقع الإخبارية أطلقتها وتمولها أنظمة للدعاية لسياساتها، وشتم أعدائها، وبشكل رئيسي “أعداء الداخل” من صحافيين وشخصيات معارضة وحقوقيين. يواجه هذا المتنفس الأخير خطر الانسداد، إذ تسعى بعض مسودات تنظيم الإعلام إلى فرض رخصة على إطلاق مواقع إخبارية، أو حجبها بحجة الأمن القومي وغيرها..

سجلت أطباق طعام المتخمين تشفياً بالجياع تفوقاً غير مسبوق، في استعراض السادية عبر وسائط الإعلام الحديث، في براعة لا تقل عن “إنجازات” داعش في إدهاشنا… إلى أن تتفتق قريحة أحدهم في تسجيل رقم قياسي جديد في سباق السادية الإلكترونية.

العربي الجديد

 

 

 

مضايا… شهيدة الجوع وموت الضمير/ د. مثنى عبدالله

■ تحركت الأمم المتحدة أم لم تتحرك.. وافقت الحكومة السورية أم لم توافق.. سمح حزب الله أم لم يسمح، فالامر سيان لأهلنا في هذه المدينة المنكوبة.

فلم يعد الغذاء والدواء يعنيان لهم شيئا، بعد أن حصلت الجريمة وبات كل شيء منسوجا في الذاكرة. تصوروا في القرن الواحد والعشرين، يتجول الجوع والموت يدا بيد في أحياء المدينة وأزقتها، ويزوران بيوتها بيتا بيتا. ينزع الجوع اللحم عن عظام أهلها واحدا تلو الآخر، ويقدمهم إلى الموت المتبختر بجلجلة لقمة سائغة. عيون جاحظة مملؤة بالأسى وآلاف الأسئلة، وجلود شفافة تحسب من ورائها الأضلاع ضلعا بعد آخر، وأوجاع وآمال مؤجلة. حتى الموت تقزز من المشاهد في مضايا.. حتى العار خجل من جريمة مضايا، فلا شيء يمشي أو يحبو أو ينبت فيها بعد اليوم، فقد قضى أهلها على كل القطط والكلاب والحشرات والديدان وأوراق الشجر وجذوعها وجذورها وحتى الحشائش، بل حتى النفايات أكلها اهلنا في مضايا، أملا في أن تستر العلب الفارغة والأكياس البلاستيكية عظامهم كي لا تذوب، وعندها لن يستطعوا أن يحبوا على الأرض ويظهروا على العالم كمادة إعلامية دسمة.

من المسؤول؟ لم يعد لهذا السؤال الأحمق أي معنا بعد اليوم. فالعالم المتحضر منشغل أن لا تحدث «شارلي إيبدو» مرة أخرى في باريس أو في عواصم غربية أخرى، وأن لا تحدث حالات تحرش في احتفالات رأس السنة في العام المقبل، وأن تحضيرات مؤتمر جنيف المقبل، وكيف يتقاسم الامريكان والروس والايرانيون سورية هو الاهم. فأهل مضايا ليسوا أقلية دينية أو عرقية، كي يستثمرها الغرب فيلقي علينا دروسا في الثقافة الأوروبية وحقوق الإنسان والحيوان والأشجار, فيهب إليهم ويلقي ملء أوديتهم وسهولهم أغذية وأغطية وأفرشة وملابس، ولا لزوم كي يرسل إليهم طائراته وعناصر قواته الخاصة، كي تحط على جبالهم وتحمل المرضى والنساء والأطفال إلى أماكن اللجوء الأوروبية والأمريكية، كما ليسوا بحاجة لترشيح أحد منهم لجائزة نوبل، لأنه قاوم الجوع والموت أشهرا طويلة، وحافظ على أضلاعه بازغة في عيون الحضارة، باصقة في وجوه كل من شارك في الجريمة. إن برنامجهم بحاجة إلى من يقص على العالم حكاية كيف يذبح المسلمون الآخرين، وكيف يسبون النساء ويحتجزوهن في المغارات والكهوف، وكيف يبيعوهن في سوق النخاسة. ليس المهم إن كانت القصص صادقة أم مفبركة، حقيقية أم من صنع شركات العلاقات العامة. المهم هو أن يبقى الغرب يعلن أنه في حالة حرب مع عدو، لأنه لا يستطيع العيش بدون عدو خارجي. لقد انتهوا من العدو الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق، والاحتفالات التي كانت تعقد للمنشقين عنه، والقصص والروايات التي كانت تكتب وتقرأ عن مظالم الشيوعية، وبات اليوم العدو الجديد هو العرب والإسلام، والاهتمام الجديد هو صنع النموذج الغربي الذي يساعد وينتصر وينتخي للأقليات الدينية والإثنية من ظلمنا. هي صناعة جديدة لقيم غربية يجب أن تعلو، وقيم عربية يجب أن تداس. والهدف جعل أجيالنا تتيه في زحمة التغريب والاستلاب واللاوعي وجلد الذات إلى ما لانهاية.

يقينا أن مأساة أهلنا في مضايا تبيح لنا أن نكفر ببشار الأسد حتى لو كان نبيا، رئيسا شرعيا أم غير شرعي، وأن نكفر بحزب الله حتى لو كانت دماء مقاومته تخر من بين يديه وأذرعه، وأن نلعن كل الساكبين الزيت على النيران السورية، وأن نبصق في وجه الحضارة الغربية، وكل القيم الإنسانية التي يتشدقون بها. واعجبا على الأعماق العربية التي تجمدت فيها العروبة، حتى بات المسؤول العربي ينام ملء جفنيه ولا تتراءى له العيون الجاحظة التي انطفأت فيها الحياة، ولا يرى الأضلاع البارزة في الصدور. فمن لا يرى بضميره لن تسمح له جدران القصور الرئاسية السميكة أن يرى مأساة أهله، ولن تسمح له الحاشية والتابعون سماع آهاتهم، فهم حريصون على أن لا يتعكر مزاجه. وحده الضمير الحي هو الذي يتحول إلى حبال قوية تربط القلوب والمشاعر مع الناس، فيصبحون موجودين مع المسؤول بآمالهم وأحلامهم ومشاعرهم.. وحده الذي يتحول إلى نسغ صاعد ونسغ نازل بين المسؤول الشريف وشعبه، فينقل إليه الآهات والمظالم وينقل منه إليهم النصرة ورفع الظلم والنخوة.

أما عكس ذلك فعلينا جميعا أن نتحسس أضلاعنا، وأن ننظر في وجوه أطفالنا مليا، لأن أضلاعنا سيحسبها الآخرون لنا كما نفعل مع أهل مضايا اليوم، وأن عيون أطفالنا ستجحظ أيضا كما أطفال مضايا، فالنهاية التي وصلوا اليها تتربص بنا جميعا. من يعصمنا من هذه المأساة إن بقينا نتكيف مع الظلم والجوع وهدر الكرامة، من دون الشعور بأننا نفقد جزءا من ذواتنا. إنه إعلان أكيد بأن دواخلنا علاها الصدأ فبتنا لا ننتفض مع كل صرخة ألم في سوريا والعراق واليمن وفلسطين. كيف لا تتمدد بقية نخوة أو ذرة شرف أو ثلمة كرامة، فتتجمع وتصبح جمرة تجعلنا ننتفض من سبات طال زمنه، فتهتز القلوب والعقول وتنطلق من عقالها المتحنطة فيه زمنا طويلا. هل حقا يمكن للانسان أن يدمن الحزن والظلم وهدر الكرامة، فيلوذ بالصمت حتى يؤاخي الحجر؟

يا مضايا، أكاد أسمع الأنين غير المسموع من كل أهلنا هناك، فلقد خارت كل قواهم حتى باتوا لا يستطيعون الأنين، حتى أنفاسهم باتت تتردد مملؤة بالحزن، الذي يبصق في وجه الفرح الغامر لكل المقامرين بسوريا وأهلها. عيونهم وحدها التي بقيت تتكلم، وبعضها وجدت أن لا جدوى منه فغادرت الحياة، محملة بأحلام وأمان صغيرة أو كبيرة كلها لم تتحقق. كانوا يريدون من الآخرين أن يمدوا يدا كي ينقذوهم مما هم فيه، لكن الآخرين كانوا مشغولين بحسابات الحقل والبيدر، فتثاقل عليهم الألم حد اللامعقول. كانت أمنيتهم أن يصرخوا متسائلين، عمن هو الذي نصب له خيمة في حدود سورية حين ألمت به عاصفة اللجوء. كان لسان حالهم يقول، إسألوا الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين وغيرهم من العرب. إسألوهم هل نصبوا خيمهم على الحدود، وهل جاع أحد منهم، أو تعذر عليه العلاج حين مرض، أو لم يستطع أولاده الالتحاق بالمدرسة؟ لا أحد. إذن لم كل هذا الجحود مع أهلنا في سوريا، إلى الحد الذي ركبوا فيه البحار، نساء وأطفالا وشيبا وشبابا كي يصلوا إلى آخر الدنيا، بعد أن وجدوا أنفسهم في هذا المدى اللامتناهي مع الصمت العربي، فهبط عليهم اليأس وملأ عليهم الحياة، بعد أن اقتحم بيوتهم وعقولهم وقلوبهم حزنا وجحودا.

أكاد ألمس حزنكم يا أهلي وأشقائي وأولادي في مضايا، فلقد أصبحتم مجرد خيال تدلنا الملامح والاضلاع على أنه إنسان، فلا عاصم لنا بعدكم، بعد أن بتنا نقلب صوركم سريعا كي لا نرى مأساتكم التي تلطخ ملامحنا بالعار.

٭ باحث سياسي عراقي

 

 

 

 

نفي العار.. معركة حزب الله الخاسرة/ بتول خليل

مع محاولات التملّص من تبعات فرض الحصار على مضايا تحولت وجهة “المقاومين” نحو معركة نفي العار وإنكاره، فيما تواصل وسائل إعلام حزب الله، وعلى رأسها قناة “المنار”، البحث والتنقيب عن صور مفبركة، منسوبة إلى مضايا، وراجت في مواقع التواصل، مع السعي إلى دحضها بالدليل ضمن ما أطلقت عليه “حملة التضليل الإعلامي”، واعدة بأنّ “الرد الموثق من داخل مضايا قريب”، علّ “إنجازها” في هذا الإطار، يشيح بأنظار العالم عما يحصل في تلك البلدة، ويحقق بعضاً من التعويض عن انتكاسات عسكرية على الأرض.

ففي مقدمة نشرة أخبارها المسائية، السبت، وضعت “المنار” حملات التضامن مع أهالي مضايا في إطار “التحريض ونكء جراح السوريين”، قائلة إنّه “رغم كل الدلائل والوثائق فإن الكذب عندهم ما زال سلاحاً، لكن نجاح محاولات تلميع صور المسلحين أمر محال”. على أنّ قيام “المنار” وغيرها من وسائل الإعلام بإثبات عدم دقة مجموعة من الصور المتداولة في مواقع التواصل حول ما حلّ بالمدنيين في مضايا، إثر الحصار المفروض عليهم، ومنها صور الطفلة مريانا يوسف مازح، التي تبيّن انها ليست سورية، بل من جنوب لبنان وتعيش في بلدة طيرفلسية الجنوبية، واستُغلت صورتها في هذه القضية بعدما سرقت من حساب أحد أفراد عائلتها في “فايسبوك”، لا يعني بأي شكل من أشكال المنطق، بأن الحصار والتجويع غير قائم، وأن ما يتسرب من حقائق ومعلومات ليس إلا من نسج خيال “المتآمرين الأشرار”.

حسناً فعلت “المنار” وغيرها من وسائل الإعلام بكشفها مصدر الصور وزمانها ومكانها الحقيقيين، لكن يبدو أن ما فاتهم هو القول إنّ سنوات الصراع السوري لطالما كانت زاخرة بصور ولقطات مفبركة، تطلقها وتروّج لها جهات ناشطة في وسائط التواصل الاجتماعي، إما لضرب التضامن مع قضية معينة، أو الدفع نحو التشكيك في أحقيتها. لكن الوقائع عادت وأثبتت في كثير من الأحيان أن إنكار الحدث وإحاطته بالفبركة والتزييف لا يلغي وجوده وحصوله. وليست الخدمات التي تطلقها كبريات الشبكات الإخبارية، أبرزها “مراقبون” التابعة لـ”فرانس 24″، سوى منصة أثبتت سنوات عملها الطويلة، أن أكبر الأحداث وأهمها في سوريا وخارجها، رافقتها حملات تضليل لمآرب سياسية أو عسكرية أو دعائية، واستغلتها الأنظمة القمعية وداعموها أسوأ استغلال.

وفي حين ترى وسائل إعلام حزب الله أنّ “آخر الحملات التي يجري تسويقها بقوة في مواقع التواصل، تحت عنوان حصار مضايا، وتقودها قنوات داعمة للإرهابيين في سوريا، تندرج في سياق الكذب المبرمج لتشويه الحقائق بغية كسب الرأي العام والتأثير في المنظمات الحقوقية والدولية زوراً لحثها على التحرك”، تشير أيضاً إلى أن الصور المتداولة مستعادة من صور أخذت سابقاً في اليرموك ودير الزور وغوطة دمشق والمعضمية. وهي بذلك، من حيث تدري أو لا، تقرّ، وسط كل هذه المعمعة لنفي التهم عن حزب الله، بإجرام النظام الذي يسانده الحزب بالسلاح والدم وبأسلوب عسكري يسير به بشروط النظام وقواعده. فيما تعكس “زلة اللسان” هذه حجم وثقل الخسارة من الناحية القيمية بعد الغرق في عار تجويع المدنيين، حيث صار الدفاع عن النفس والتبرير ونقل المعارك لجبهات الإعلام ومواقع التواصل هاجساً لرد تهم “الحصار والسقوط الأخلاقي”، الذي فرضته وطأة سقوط مقاتليه في الجبهات الأمامية.

ولما يدرك حزب الله أهمية النفي وتصويب الخطاب الإعلامي نحو كل ما يقلل من شأن قضية مضايا، لما قد يستتبعها من عواقب قانونية وأخلاقية يمكن أن تترتب عليه لاحقاً إثر الممارسات بحق المدنيين، قد تصل إلى حد اعتبارها “جرائم حرب”، فإنّ السؤال عن موقف الحزب من تلاعب حليفه النظام السوري وفبركته لكثير من الصور والحقائق منذ لحظة انطلاق الثورة السورية، يصبح ملحاً اكثر من أي وقت. فكيف يمكن تفسير تسريبات تكشف فبركة التلفزيون السوري لاعترافات تتهم ثواراً بارتكاب جرائم غير أخلاقية لا تتوقف عند الاغتصاب. وماذا يمكن القول عن عشرات الصور المسربة التي عرضها مطلع العام 2014 فريق من المحققين في جرائم الحرب وخبراء في الطب الشرعي، تظهر جثثاً لمعتقلين سوريين تم قتلهم بطريقة وحشية على يد النظام السوري، بعد تعذيبهم وتجويعهم حتى الموت. وهل صار إنكار الواقع فعلاً ملازماً لمواقف الحزب والنظام، بعد وضع الصور والمعلومات، حول استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة ورمي البراميل المتفجرة على رؤوس المدنيين والمجازر في حمص العام 2012، والتي وصفها الأمين العام لحزب الله بـ”شوية إطلاق نار واشتباكات” وغيرها من الفظائع والانتهاكات، في إطار “الافتراء والكذب الذي لا أساس له من الصحة”!

وضمن أسلوب ازدواجية التعاطي مع قضايا السوريين، يصدر حزب الله مؤخراً بياناً حول إعدام الشيخ السعودي نمر باقر النمر، يرى من خلاله أن “السلطات السعودية أعدمته لأنه صدع بالحق وجهر بالصواب وطالب بالحقوق المهدورة لأبناء شعب مظلوم، محكوم بالجهل والاستبداد ومسلوب الحقوق والثورات”، ويعتبر أن إعدامه “سيبقى وصمة عار تلاحق هذا النظام الذي قام على المجازر والمذابح منذ نشوئه وحتى الآن”. وفي حين يرفع الصوت عالياً بشأن مظلومية الشيخ النمر، فإن الحزب نفسه، الذي يدين “نظام القتل والمذابح” يحكم اعتباطياً بإعدام الآلاف من السوريين.

لكن الأدهى من ذلك، هو ما يظهره قسم من جمهوره ومناصريه من تقدم بالعدواة للشعب السوري، وكأنه يلحق بتوصيف بشار الأسد لمعارضيه بـ”القوارض والسحالي والجرذان”، حيث تكشف الحملات المضادة لتلك المتضامنة في مواقع التواصل نزعة مخيفة لنزع الإنسانية حتى عن المدنيين. وليس إطلاقهم هاشتاغ #متضامن_مع_حصار_مضايا، وإرفاقه بصور لموائد طعام وصور هياكل عظمية وتعليقات ساخرة، سوى مزايدة رخيصة باللاانسانية وتماهٍ مباشر مع من فقد صوابه العسكري والأخلاقي.

المدن

 

 

 

مضايا أم اليرموك ؟/ عبده وازن

حال من الخزي تعتريك عندما تشاهدهم على الشاشة الصغيرة أمامك. أنت جالس على الكنبة في ما يشبه الاستراحة بعد عشاء أو غداء، أما هم فيتضورون جوعاً ويحتضرون بصمت خانق. تعتذر من نفسك أمامهم، خجِلاً ومتألماً، يؤنبك وخز ضمير. لكنك تعلم جيداً أنك براء من هذه المجاعة التي تحصد الأطفال والنسوة والعجائز في مضايا. تعلم أنك عاجز كل العجز حتى عن هجاء القتلة الذين يحاصرون البلدة السورية وسكانها الذين يتجاوزون الأربعين ألفاً. وعاجز أيضاً عن فضح جريمة العالم الكبير والأول الذي يصمت إزاء مثل هذه المجزرة الرهيبة. العالم الأول المتعجرف الذي لا يضيره البتة أن يجوع الأطفال وأمهاتهم في سورية وأن يموتوا ما داموا بنظره أعداداً فقط، لا يهم إن تناقصت في عالم هو الثالث وما دون.

تنظر إليهم على الشاشة وتحاول أن تغض الطرف من شدة هول المنظر: طفل رضيع تناوله أمه الماء والملح وليس الماء والسكر ولا الحليب. حتى حليب صدرها جفّ من فرط الجوع الذي يضرب أحشاءها. طفل آخر يستغيث طالباً كسرة خبز، شفتاه يابستان، الحشيش الذي اجتزه من الحقل لم يخمد نار تضوره. رجل عجوز امتص الجوع جسده ولم يبق منه سوى عظام وفم ما عاد قادراً على إغلاقه من شدة الهزال. صدور لم يبق منها سوى أقفاص وضلوع ناتئة كأنها هياكل عظمية تتنفس في رمق أخير.

هل مسموح في عصر الألف الثالث أن يموت أناس أبرياء مثل هذه الميتة الشنيعة؟ هل مسموح أن يُحاصر مثل هؤلاء الناس ويُقطع عنهم الخبز والماء، لئلا أقول الدواء وسائر حاجاتهم كبشر؟ أليس من حق هؤلاء أن يأكلوا ولو خبزاً؟ ألم تخصهم الطبيعة بهذا الحق؟

لا أخال حكام العالم الجديد وأباطرته يفهمون ماذا يعني أن يمكث طفل أو امرأة أو عجوز بلا طعام أياماً وأياماً، أن يصبحوا كـ»الحيوانات» يرعون العشب في البراري. إنهم يبصرون ولكن لا يريدون أن يبصروا. لتتناقص أعداد البشر، يقول هؤلاء، وهي يجب أن تتناقص كما يفيد علماء الأرض والبيئة في مختبرات الحداثة الأوروبية أو الأميركية، لئلا تتفاقم أزمات العالم الأول. هؤلاء الحكام والأباطرة الذين يغمضون عيونهم على المجازر والمقتلات الرهيبة التي تحصل في شرقنا العربي هل سيفتحونها على مجاعة تحصد أطفالاً وعجائز؟ فليتمادَ المجرمون في جرائمهم وليسقط الأبرياء عشرات ومئات…

كل ما حمل إلينا الغرب من أفكار ومبادئ وأخلاق «إنسانوية» وعقود اجتماعية ودعوات إلى الإصلاح… كلها تسقط حيال هذا المشهد المأسوي في مضايا. أمام مجازر التجويع هذه تفضح الحداثة الغربية نفسها، وكذلك الثورات العلمية التي كان هدفها خدمة الإنسان. الغرب عنصري وفئوي، متعجرف ولئيم، نرجسي وأناني، لا همّ له سوى نفسه ومصالحه وأرباحه وسباياه… أما مؤسسات حقوق الإنسان فتبدو كأنها من كرتون. مشاهد التجويع لم تبق ممكنة وليس مسموحاً بها. ونظام دكتاتوري مثل نظام البعث السوري ومن لف لفه من أحزاب مذهبية يجب ألا يكون له ولو زاوية في هذا العالم. وكذلك كل التنظيمات الإرهابية الظلامية التي لا تولي الإنسان طفيف قيمة.

هذه فضيحة رهيبة يضيفها النظام السوري إلى سجلّه الإجرامي الحافل. هذه المرة يغتال النظام الأطفال تجويعاً وبهدوء تام وليس كما فعل من قبل مع غاز السارين الذي يخنق للتو. ويمارس النظام جريمته هذه بتؤدة ورخاوة بال، فهو كما أفادت وسائل الإعلام تباطأ كثيراً في إصدار قرار السماح لقافلة المعونات التي أرسلتها الأمم المتحدة، في الدخول إلى مضايا المحاصرة. يريد النظام وأحزابه الحليفة أن يطيلوا أمد التجويع والقتل أقصى ما يمكنهم.

أما ما يدعو إلى الاستغراب والعجب فهو سعي إعلام النظام وحزب الله إلى تكذيب أفعال التجويع، تلفيقاً وتزويراً. وقد لجأ هذا الإعلام إلى الخديعة المكشوفة لطمس الجريمة الشنعاء، فوقع في الفخ. صرّح أحد إعلاميي الصمود والتصدي أنّ صور الأطفال الجائعين التقطت في مخيم اليرموك فترة حصاره وليس في مضايا، وهذه طبعاً فضيحة الفضائح. كأنّ أطفال اليرموك غير أطفال مضايا.

الحياة

 

 

حذارِ مضايا يا “حزب الله”!/ علي بردى

يسود اعتقاد في أوساط دولية أن “حزب الله” لا يملك قرار وقف تورطه في الحرب الأهلية السورية. بل أن قيادته لا تدعي ذلك. تسلّم أن مربط هذه الفرس في يد الولي الفقيه. عبث يذهب بأي جهد الى غير مكانه.

قد لا تجد قيادة “حزب الله” في الأمم المتحدة “جهة صالحة” للنصح. بيد أن التمعّن الهادئ في سياسات طهران يكشف أن المنظمة الدولية كانت ضرورة ملحّة لرفع العقوبات عن الجمهورية الإسلامية. لا علاقة لهذا الأمر بمدى مشروعية أو قانونية أو حتى أحقية هذه العقوبات. لا ضير إن كانت هذه قدوة حسنة لحزب لا تمنحه عقائده ومبادؤه واجتهاداته هوامش واسعة لسماع نصائح لبنانية. يعتقد مصيباً أن كثيرين يناصبونه العداء. يؤمن مخطئاً بأنه أكبر من لبنان. لا يقتصر هذا التحذير على مقاتلي “حزب الله”، بل يشمل أيضاً لبنانيين آخرين ضلعوا في المقتلة السورية، وبخاصة المنخرطين في صفوف الجماعات المصنفة دولياً أنها إرهابية، مثل “القاعدة” و”الدولة الإسلامية – داعش” و”جبهة النصرة”. سيأتي يوم يجد فيه هؤلاء أنفسهم أمام العدالة على ما تقترفه أياديهم.

كان “حزب الله” ولا يزال رأس حربة في ما تراه الجمهورية الإسلامية مشروعاً للشيعة في أنحاء العالمين العربي والإسلامي. راهنت على حصان رابح: العداء لاسرائيل التي أرغمتها المقاومة المسلحة على الإنسحاب قهراً من لبنان. حاولت أن تظهر لأكثريات أهل السنّة أن صعود الشيعة ينبغي ألا يكون مستفزاً، على رغم دعم عدد من الدول العربية لعراق صدام حسين في حربه على ايران.

آلت استراتيجية طهران الى “نشوء” ما يعدو كونه “هلالاً شيعياً” يبدو الآن ملتهباً ودامياً. بل إنها لا تجد ضيراً في أن يكون لها نفوذ ما في “البدر السنّي”. لم يعطها الإتفاق النووي تفويضاً للتدخل في شؤون دول أخرى حتى لو فيها أكثريات أو أقليات شيعية.

لا يمكن أن تقبل دولة مثل السعودية أن تقارع ايران واقعاً مكرساً منذ عقود. يجب أن تفعل ايران أكثر كي لا تتحوّل الحرب على الإرهاب في سوريا والعراق، وربما لبنان، حرباً سنّية – شيعية. يمكن قيادة “حزب الله” أن تسلّي جماهيرها بأن طريق القدس تمر من حلب وحمص والزبداني أو من حيثما تشاء. غير أن الذرائع التي بدأت بالدفاع عن قرى لبنانية شيعية داخل الحدود السورية، ثم عن مقام السيدة زينب لئلا تسبى مرتين، انتهت بعمليات تطهير لـ”الشوائب السنيّة” في “الهلال الشيعي”. ما بدأ بحمص قد لا ينتهي بمضايا.

تفيد تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن 394 ألف انسان يعيشون حالياً تحت الحصار في سوريا. يقيم 181 ألف شخص في مناطق تحاصرها الحكومة، و200 ألف تحاصرهم “الدولة الإسلامية – داعش”، و12500 تحاصرهم قوى المعارضة المسلحة في بلدتي الفوعة وكفريا الشيعيتين.

الدفاع عن شيعة الفوعة وكفريا ليس ذريعة لحصار قد يرقى الى جريمة حرب في حق سنّة مضايا. حذار يا “حزب الله”!

النهار

 

 

 

الأمم المتحدة ومضايا.. “إنها لعبة نلعبها/ فادي الداهوك

أربك حضور قضية مضايا المكثف في الإعلام حزب الله والنظام وأنصارهما، الذين انفلتوا خلال الأيام الماضية وتفتّقت في أذهانهم أفكار سادية، متوحشة، لإغاظة الجوعى في مضايا، والمتضامنين معهم خارجها، فالتقطوا صوراً مع أطباق الطعام. كان من اللافت، في سياق التقاط صور “سيلفي” مع أطباق الأرز والدجاج المشوي! قيام عدد كبير من الكتّاب بالاستفاضة بتكذيب قصّة مضايا. أولئك طرحوا أيضاً أسئلة محقة عن دور المجتمع الدولي والأمم المتحدة في هذه الأزمة.

أين هي الأمم المتحدة فعلاً؟

“مؤسسات الدولة السورية ما زالت تعمل، وتقدم الخدمات لأعداد كبيرة من المدنيين حتى في المناطق التي هي ليست تحت سيطرتها”. هذا الكلام هو اقتباس من مقابلة مطوّلة، أجراها منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في سوريا السفير يعقوب الحلو، مع قناة “الإخبارية السورية” في مايو/أيار العام الماضي. مما قاله أيضاً “لا يمكن التلاعب ببلد مثل سوريا، لأن أي تلاعب بسلامتها وأمنها هو تلاعب مباشر بأمن وسلامة العالم”.

عُيّن الحلو في سوريا عام 2013، بعد اعتماد أوراقه من قبل وزير الخارجية السورية وليد المعلم، وتسلّم منصبه في سوريا مع تفاقم الأزمة الإنسانية بسرعة ملحوظة، نظراً لاشتداد التدخل الإيراني، وتدخل حزب الله، واعتماد النظام تجربة البراميل المتفجرة كسلاح رخيص وفتّاك.

قبيل قدوم الحلو، كانت الأمم المتحدة قد أطلقت نداءها الإنساني الأضخم في تاريخها “خطة الاستجابة الإنسانية”. وقتها، كان النظام يبرم اتفاقاً مع المنظمة يضمن له الحصول على ثلث ما ستحققه من ندائها ويخصص لعمليات إغاثية داخل البلاد، مقابل السماح لها بالعمل رسمياً في مجال الإغاثة في سوريا. ومن أجل ذلك، كان أحد شروط حكومة دمشق أن تختار الأمم المتحدة 44 منظمة من أصل 110، سجلتها الحكومة في قائمة أطلق عليها تسمية “الشركاء المحليين”. كانت مهمّة تلك المنظمات، وكلّها مرخّصة من قبل النظام وتعمل تحت رقابته أو تحت جناح مؤسسات تابعة لزوجة الأسد، تمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى المحتاجين في سوريا من خلالها.

خضعت المنظمة الدولية لشروط النظام، وفي مقدمتها أن أي قرارات استراتيجية أو لوجستية تتخذها الأمم المتحدة في سوريا، كتوزيع للمساعدات أو إنشاء مكاتب ومواقع ميدانية في سوريا “ينبغي اتخاذها بعد الحصول على إذن وتراخيص من الحكومة السورية”.

تعززت العلاقة بين النظام السوري والأمم المتحدة بعد الخرق الفارق ل”خطة الاستجابة الإنسانية”، إذ أعطت حكومة دمشق، للمرة الأولى، إذناً لـ”برنامج الأغذية الإنمائي” للعمل في سوريا، وعلى هذا الواقع تقاس لحظات كثيرة، واتفاقات أخرى.

في تلك الفترة، وإلى الآن ربما، بدا وكأن سفير الأمم المتحدة هو الحل السحري لملفات المناطق المحاصرة. وللأسف، دائماً ما يكون اتفاق “تفريغ حمص” هو المثال الأبرز للدلالة على حجم “الجريمة الدولية” التي ترتكب في سوريا. فالحلو كان وسيط الأمم المتحدة في الاتفاق الذي أنجز في 2014، وأفضى إلى تفريغ الأحياء القديمة في حمص، من سكانها ومن المقاتلين، وإخراجهم إلى الريف الشمالي. وقد عمل على هذا الملف مع مستشاره الأمني محمد ندى، ومساعده ويليام سترينغيو، بتكليف من مبعوث الأمم المتحدة، آنذاك، الاخضر الإبراهيمي.

من المفترض أن يبدأ، اليوم أو غداً، إدخال مساعدات غذائية إلى مضايا في ريف دمشق، ومساعدات غذائية ومحروقات إلى كفريا والفوعة في ريف إدلب، بحسب مصادر عديدة. هذا الإعلان جاء في بيان، الأسبوع الماضي، لسفير الأمم المتحدة، الذي كان قد أشرف في وقت سابق أيضاً على اتفاق إخلاء الزبداني.

للوهلة الأولى، يبدو الحديث عن أن الطعام إلى مضايا، مقابل الوقود إلى كفرية والفوعة، نسخة مصغّرة عن برنامج “الغذاء مقابل النفط” الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق سنة 1996. هذه الإشارة بالطبع ليست تلميحاً إلى أن أهل مضايا، المتظاهرين بالجوع- على رأي أهل “السيلفي”- يخفون تحت أسرتهم سلالم تقود إلى آبار للنفط، لكنها لحظة تاريخية واحدة من سجّل حافل بلحظات الفساد، تطبّعت به الأمم المتحدة بطبع من عملت معهم، وهي بالأمس القريب اعترفت بتوزيعها 320 طرداً من البسكويت المنتهي الصلاحية على المحاصرين في الزبداني ومضايا. كان ذلك في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهذا يعطي إجابة على أسئلة المستهجنين: لماذا الآن بدأوا يقولون إن مضايا محاصرة؟

في أواخر العام 2011، أجرى الأسد أول مقابلة مع الإعلام الأميركي عقب اندلاع الاحتجاجات ضد نظامه. سألته الإعلامية الأميركية باربرا والترز في مقابلة لصالح شبكة “اي بي سي” الأميركية عن تقرير أصدرته الأمم المتحدة حينها، تضمّن شهادات لأشخاص تعرضوا للتعذيب في سوريا. ردّ الأسد “من الذي قال إن الأمم المتحدة هي مؤسسة ذات مصداقية؟ هي ليست شيئاً جديداً، بل هي من قبل جيلي، وهي شيء ورثناه كمفهوم..”، فسألته والترز “لكن لديكم سفير في الأمم المتحدة”، فأجاب “إنها لعبة نلعبها، وهذا لا يعني أن نصدقها”.

لا شك أن لكل لعبة نهاية، إلا أن نهاية لعبة الأم المتحدة لا تزال تأتي على ما يهوى الأسد. ففي العام الماضي اختيرت سوريا من قبل الأمم المتحدة لكتابة رسالة إدانة في مؤتمر “إنهاء الاستعمار”، ورسالة إدانة في مؤتمر لمكافحة “استعباد الشعوب”. وقبلها بسنة اختيرت أيضاً لتكون قاضية في لجنة حقوق الإنسان الخاصة بمنظمة اليونسكو.

هل صدرت تلك القرارات عن منظمة الأمم المتحدة حقاً، أم عن إحدى منظمات زوجة الأسد الخيرية التي اختارتها الأمم المتحدة لتنفيذ برنامجها الإغاثي في سوريا؟

المدن

 

الكارثة السورية الإنسانية/ رندة تقي الدين

مشهد أطفال مضايا المحاصرة منذ أشهر وهم يظهرون كهياكل عظمية بسبب الجوع هو مشهد مريب ومعيب للأسرة الدولية والعالم. تركت الأمم المتحدة هذه الكارثة الإنسانية تحصل من دون التحرك منذ أشهر واستيقظت بالأمس. اين مسؤولية هذه المنظمة العالمية التي تدّعي أن لها مهمة انسانية؟ سمعنا أن بان كي مون لم يكن راغباً في عرقلة المفاوضات في جنيف لذا تأخر في التحرك حرصاً على إبقاء نظام بشار الأسد على قرار المشاركة في المفاوضات. روسيا تقصف المدارس والأطفال في سورية بحجة أنها تحارب الإرهاب. ويمر الخبر من دون أي رد فعل عنيف. إدارة السيد أوباما الكارثية للوضع في سورية لا تبالي بصور أطفال مضايا المحاصرين. إن بلدات أخرى في سورية محاصرة من المعارضة السورية وهذا خطأ ولكن الحصار فيها تخرقه طوافات النظام التي تبعث الى المدنيين المحاصرين المواد الغذائية في حين أن حصار مضايا مأساة.

لقد انتظرت الأمم المتحدة حتى أمس لإدخال المساعدات الإنسانية بعد ستة أشهر وموت أكثر من خمسين شخصاً من الجوع ومحاصرة المئات. كان في إمكان طوافات التحالف الدولي او الأمم المتحدة أن تنقذ أهل مضايا من المجاعة وترسل لهم المواد الغذائية من الجو. معيب رد فعل العالم على هذا الحصار الانساني. إن الحرب السورية أظهرت منذ بدايتها أن أطفال سورية هم ضحايا بشار الأسد ونظامه. وكيف ننسى حمزة الخطيب ابن الـ 13 سنة الذي تم تعذيبه وقتله في درعا في بداية الإحداث على يد شبيحة النظام السوري في حزيران (يونيو) 2011. حمزة كان في عمر أحد أبناء بشار الأسد. كيف يرى هذه الصور المريعة لجرائم النظام الذي يحكمه ويديره؟ وكل هذا القتل والتجويع في سبيل بقائه واستمراره في القتل والتهجير للبقاء على رأس بلد خربه ومزقه وأدخل اليه قوات أجنبية، في الجو روسيا وعلى الأرض ايران و «حزب الله». لم يعد بشار وحده صاحب قرار الإجرام والقتل فله شركاء عازمون على إبقائه، روسيا لأنها تبحث عن بديل يؤمن لها مصالحها وبقاءها في المنطقة ولم تجده بعد. وإيران و «حزب الله» وكيلها على الأرض في سورية ولبنان لأنهما في حاجة اليه للمزيد من التخريب والهيمنة وزعزعة دول المنطقة.

إن مفاوضات جنيف لن تؤدي الى نتيجة طالما أن الأوضاع الدولية لم تتغير. فإدارة أوباما ووزير خارجيته جون كيري تتنازل للجانب الروسي باستمرار لإظهار أنها تتحرك وتعمل لإنجاح مفاوضات لا يمكن ان تؤدي الى نتيجة طالما هي بعيدة كل البعد عما يحصل على الأرض في سورية. ووحدها بعض الدول الغربية من اصدقاء سورية وفي طليعتها فرنسا لها مواقف مميزة وناشطة لدعم المعارضة والتغيير في سورية. ولكن هذه الدول غير قادرة على تحريك ديبلوماسية جون كيري المستعجل لأي حل لدفعه الى اتجاه صحيح. فبان كي مون ايضاً وهو في السنة الأخيرة من ولايته مستعجل لتسجيل أي انجاز ديبلوماسي عبر مبعوثه المرموق ستيفان دي ميستورا. فكارثة سورية ستستمر ولا أمل من مفاوضات جنيف التي سيقودها من الجانب الأميركي كيري المتفائل الساذج وسيرغي لافروف ثعلب الديبلوماسية الروسية المحنك.

الحياة

 

 

 

عن مضايا والذاكرة الجمعية/ عباس سعد

في الفصل الثاني من روايته “عصفور من الشرق”، يروي توفيق الحكيم عن الطفل الفرنسي “جانو” وهو يصوّب مدفعه نحو أعدائه الوهميين الذين هم الألمان أو “البوش”، كما تسمّيهم جدّته وهي تحرّضه على مقاتلتهم. هكذا تربّى “جانو” على كره “البوش” بسبب العداء التاريخي بين الفرنسيين والألمان الذي احتاج وقتاً ليزول، وبدأ بالإنتهاء مع توقيع “معاهدة الإليزيه” في العام 1963 ليفتح باب الصداقة والتعاون بين البلدين.

هكذا، سينتج تدخّل “حزب الله” في الصراع الدموي في سوريا، الذي تجسّدت أبشع مظاهره في حصاره لقرية مضايا التي بدأ أهلها يموتون جوعاً منذ أيّام، شرخاً جمعيّاً بين شيعة لبنان وسوريا من جهة وسنّة لبنان وسوريا من جهة ثانية، خصوصاً سكّان القرى السوريّة المجاورة للحدود الشرقيّة للبنان والتي من ضمنها القلمون والقصير والزبداني ومضايا وغيرها. هذا الشرخ سينتج ذاكرة جمعية تجعل أطفال مضايا المستقبليين (إذا ظل أهلهم أحياء ليخبرونهم) يتصرفّون مثل “جانو”: يوجّهون مدافعهم نحو أعدائهم، أي شيعة البقاع والجنوب والضاحية والفوعة وكفريا. فيضحي السؤال: هل سيتخلّص أطفال مضايا المستقبليين من الكراهيّة كما تخلّصت منها الأجيال التي جاءت بعد “جانو”؟

إذا كانت ألمانيا وفرنسا قد إستطاعتا فكّ الوعي الكاره تدريجاً، بعدما تشكّلتا كدول-أمم وقامت فيهما الديمقراطية بناءاً على الهويّات الوطنيّة، فإنّ الإتّكال على ذلك لفكّ الكراهية التي ينتجها “حزب الله” اليوم لا يبدو ممكناً في السنوات المقبلة. فشعبا سوريا ولبنان لا يزالان على عداء مع فكرة الدّولة-الأمّة وفكرة التشكّل السياسي الديمقراطي، وهما عالقان في الوهم الإيديولوجيّ، ويعودان إلى الأصوليّات الدينيّة والمذهبيّة متى أثبت الوهم وهميّته.

على أن حلّ النزاعات الأهليّة التي تنتج عن الحروب يتطلّب وجود السياسة كوسيلة للتسييس وحلّ المشاكل، وهذا ما نبدو بعيدين عنه. فالإيديولوجيا التي يضخّها النفوذ الإيراني مستمرة، وهي تجسد للكثير من السنّة “بعبعاً” شيعياً، فتكوِّن في وجهها تطرّفاً سنّياً تفجّر في سوريا، بعد انهيار الأسد لأسباب عديدة. هذا التطرّف الذي لم يعد بالإمكان السيطرة عليه بالمال، استفاد منه “حزب الله” في لبنان ليعزّز تأييد مناصريه له ويضاعف “شيعيّتهم” ضد “الإرهاب والسلفية”، ويعزّز بالتالي الشرخ الأهلي.

العجز عن تحقيق سلم أهلي في ظلّ الوقوع في الثنائيّة التي يطرحها “حزب الله” بين “الخمينية المقاومة الشريفة” و”السلفية العميلة الخائنة” يزداد يوماً بعد يوم، وهذه الثنائيّة أضيف إلى قاموسها اليوم ثقافة التجويع، التي تنتج عنها مشاهد تتغلغل في الوعي الجمعي أكثر من أي شيء آخر. واذا كان “حزب الله” قد طرح مبرّرات وأكاذيب للمجاعات، فإن هذا يعكس عنصراً جوهرياً في ثقافته السياسيّة التي يعاني منها المجتمع العربي بشكل عام، حيث يرى الحقيقة في كل ما يفعله ويصوّب كل أفعاله نحو قضيّة مركزيّة هي تحرير فلسطين (تقليدياً) أو محاربة الإرهاب (حديثاً)، وكل ما تبقى من مجاعة أو طائفيّة أو شرخ بين الشعوب والجماعات، يضحي تفصيلاً بسيطاً. وهنا يتشارك “حزب الله” في القباحة مع من يدّعي محاربتهم عندما حاصروا غزّة وبرّروا الحصار، ويعكس الفاشيّة بحذافيرها، حيث لا شيء يقف في وجه القضيّة، حتى المجاعة.

هكذا، شكّلت سخرية جمهور المقاومة من مجاعة مضايا عبر أبشع المواقف اللاإنسانيّة منعطفاً تاريخيّاً يصعب محوه، جاعلة من مشاهد مائدات الأكل والبرادات صوراً باقية في ذاكرة ومستقبل مضايا. وهكذا يضحي “الأمن القومي”، الذي طرحه النائب حسن فضل الله في كتابه “حزب الله والدولة في لبنان” بإعتباره ذريعة تبرّر تدخّل “حزب الله” في سوريا، السبب الأساسي وراء تفكّك “القوم”. من مضايا وما قبلها، يثبت “حزب الله” مرّة تلو الأخرى فشل إيديولوجيته الممانعة عبر ضربه بعرض الحائط واقعنا وتاريخنا وتكوين مجتمعاتنا بإسم القضايا الكبرى التي تدّعي الوحدة والتحرير، في حين أنّها لا تنتج سوى الشرخ وادامة السجن في زنزانة عنوانها: ثقافة الموت.

المدن

 

 

 

مضايا.. من لم يمت بالجوع/ سعدية مفرح

من لم يمت بالبراميل المتفجرة مات بالصواريخ البالستية، ومن نجا من الإثنين مات تعذيباً في المعتقلات أو تصفية في بلاد الهجرة، أو قصفاً بطائرات العدو الذي أصبح صديقاً، أو تفجيرات في السيارات المفخخة، أو غرقاً في البحار المؤدية إلى بلدان اللجوء. ومن كتبت له النجاة من كل ذلك الموت المتعدد اعتصاماً في قريته، بعيداً عن أسلحة الموت المباشر، ها هو الآن يموت جوعاً.. نعم جوعاً حقيقياً، وفي القرن الحادي والعشرين.

وفي أحوال الموت السوري وأهواله ما هو أبعد وأقسى من ذلك، ما دام السيد الرئيس قد قرّر البقاء رئيساً إلى أبد الآبدين، فكل شيء يهون في سبيل حفاظه على كرسيه المتعفن، والطافي على أنهار جارية من دماء شعبه المنكوب.

لكن، لا أسوأ من الموت السوري غرقاً على شواطئ اللجوء الذي ودعنا به العام 2015 سوى الموت جوعاً في قراهم المحاصرة مع بداية العام 2016.. و”للموت وجه على علاته حسن”، ولعل أحسن ما في وجه الموت السوري أنه كشف القناع الأخير لمن ما زال يراهن، بحجج مختلفة، على شرعية النظام السوري وأعوانه.

ولا أسوأ من هذا الموت، بكل أشكاله الآنفة الذكر، سوى شماتة الشامتين بضحاياه، والذين تباروا في استعراض صور أطباقهم الشهية عبر مواقع التواصل الاجتماعي في مهرجان من الدناءة الإنسانية في أحط مستوياتها وأكثرها وضاعة، تحت شعار مناصرة حصار الجوعى، في سبيل مزيد من التجويع، من أجل السيد رئيس النظام “العلماني”، ورفيقه السيد رئيس الحزب “الديني”.

منذ ستة أشهر، وأهل بلدة مضايا السورية، المحاصرة من النظام وحليفه حزب الله، عقاباً لهم باعتبار مضايا من أوائل البلدات السورية التي أعلنت تأييدها الثورة ضد النظام منذ البداية، يتآكلون حرفياً، بعد أن نفد كل ما لديهم من زاد، وبعد أن اضطروا لأكل الأخضر واليابس، وما يؤكل وما لا يؤكل. ولم ينتبه العالم إلى أن هناك بشراً يموتون بفعل الجوع الحقيقي، إلا بعدما انتشرت تلك المقاطع المصوّرة لأطفالٍ بعظام بارزة، وأعين غائرة، وأصوات واهنة، يناشدون بها العالم أن ينقذهم، ولو بكسرة خبز. وقبل التوصل إلى اتفاقٍ يوصل كسرة الخبز هذه إلى بلدة الجوع أخيراً مات العشرات، إن لم يكن المئات، من سكانها فعلاً، ليكونوا شهوداً، بموتهم، على أن الجوع ما زال سلاحاً قاتلاً للبشر الذين وصلوا إلى القرن الحادي والعشرين، ولم يتخلصوا بعد من شهوتهم الأولى في القتل.

ذاق السوريون، على مدى الأعوام القليلة الماضية، ومنذ قرّروا مواجهة طاغيتهم، في سياق ثورات الربيع العربي، كل أنواع الموت تقريباً، حيث أبدع نظامهم في ابتكار ما لا يخطر على بال القتلة المحترفين من أساليب غير مسبوقة على الصعيدين الفردي والجمعي. وفي كل مرة، يشعر هذا النظام أن أدواته في القتل استهلكت، ولم تعد تبهر العالم، استعان برفاقه في الداخل والخارج، أرضاً وسماءً، ففي الوقت الذي طمأنه حزب الله على استمرار قوافل الموت الشعبي على الأرض، تكفلت روسيا، باستمرار، بالموت المرسل على هيئة قنابل وصواريخ.

يحدث هذا على مسمع العالم ومرآه ومراقبته، بمنظماته الحقوقية والإنسانية وبكل نظرياته الأخلاقية التي لم تستطع الصمود أمام نظرات الأطفال الجائعة في قراهم المحاصرة، ولا صرخاتهم المخنوقة تحت الأنقاض، بعد كل غارة جوية، ولا دموعهم التي كان ينبغي لها أن تغرق العالم خجلاً، لو كان هذا العالم يعرف ما هو الخجل.

ويحدث هذا في سبيل حسابات سياسية معقدة، لا نتيجة حقيقية لها، في نهاية الأمر، سوى بقاء حكم الطاغية بضع سنوات إضافية، يحلم إما أن تكون إلى الأبد أو لا أحد. وليس مهماً بالنسبة له إن كان سيحكم وطناً حياً بشعب من لحم ودم، أم مقبرة مليئة بالجماجم والعظام.

العربي الجديد

 

 

 

 

مضايا: كربلاء هذا العصر/ ميـرا عبـدالله

منذ تموز 2015 والبلدة السورية مضايا يحاصرها جيش بشار الأسد وحلفاؤه، “حزب الله”، كما يُقال. حيث مُنِع وصول المساعدات إليها منذ تشرين الأول 2015، والمدنيون المحاصرون في مضايا يموتون جوعاً.

ولم تظهر هذه الأزمة الإنسانية في الإعلام حتى الأسبوع الماضي عندما شارك ناشطون صور الأهالي الذين تُرِكوا لأشهر بدون طعام وماء. وقبل يومين، قالت صحيفة غارديان البريطانية إنّ العائلات في مضايا، حيث يبلغ ثمن كيلو الأرزّ 250$، باتوا يأكلون اليوم أوراق الشجر، والأعشاب والماء المنكّه بالبهارات. وقام بعض الأهالي كذلك بقتل حيواناتهم الأليفة وأكلها في محاولة للنجاة بأرواحهم. وقد شبّه الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، والصحافيون، والسياسيون اللبنانيون، ما يفعله نظام الأسد وحزب الله في مضايا بمعركة كربلاء، المعركة التاريخية التي تشكّل الذاكرة الجماعية للشيعة وجذر الخلاف بين الطائفتين السنّية والشيعية.

وفيما تحدثت اليوم معلومات صحافية عن دخول قافلات من المساعدات إلى البلدة، لا يزال جيش النظام يحاصرها ولا يوحي “حزب الله” والسياسة الإقليمية بوجود أمل في حل قريب. ويحاول ناشطون الضغط على المجتمع الدولي لكسر الحصار.

ويقول ناشطون سوريون إنّ معدّل عدد الموتي وصل الى ثلاثة أشخاص في اليوم، بسبب الجوع بشكل أساسي، ولكن أيضاً بسبب الألغام والقناصة الذين يصطادون كل من يتجرأ على ترك البلدة الى الحقول المجاورة بحثاً عن الطعام. ويواجه أكثر من 800 ولد خطر الموت جوعاً بسبب ثمن الحليب الذي يصل الى 500$. وبدأ عدد كبير من الناس يعانون من أمراض مختلفة. فبعض الأهالي يبيعون سياراتهم من أجل بضعة كيلوغرامات من الأرز، وآخرون يقتلون كلابهم وقططهم لأكلها.

ميرا عبدالله تغرد على تويتر @myraabdallah

هذا المقال ترجمة للنص الإنكليزي

(ترجمة زينة أبو فاعور)

موقع لبنان ناو

 

 

 

كي لا تتكرّر مأساة مضايا/ كلوفيس مقصود

نتيجة الوساطات الدولية، ومساعي الأمم المتحدة الحثيثة، تقرر أخيراً أن تدخل شاحنات محملة بالمواد الغذائية إلى داخل بلدة مضايا السورية المحاصرة أكثر من ستة أسابيع؛ حيث قضى جوعاً أكثر من 23 شخصاً. كما ظهرت في وسائل إعلام عديدة عربية ودولية صور لبعض الأهالي بانت عليهم مظاهر الضعف الجسدي الواضح، كما أن أكثر من عائلة حاولت الخروج، لكنها قتلت بالألغام المزروعة حول البلدة.

ومع ترحيبنا المبدئي بهذا الانفراج المتجسد بدخول المواد الغذائية، وإن تأخرت، إلى المدينة الجائعة، لا بد لنا من التساؤل، من ناحية إنسانية بحتة، كيف أننا وصلنا إلى وضعٍ يستعمل فيه تجويع السكان المدنيين أداة للجبهات المتصارعة، ما جعل مضايا رمزاً للامبالاة غير المسؤولة.

حتى الآن، هناك أكثر من أربعة ملايين مواطن سوري غادروا سورية، هرباً من الحرب، وأصبحوا لاجئين في دول مجاورة أو بعيدة. وهناك حوالى خمسة ملايين مهجرين داخل سورية خارج مدنهم وقراهم، وكأنهم أصبحوا بمثابة غرباء في وطنهم.

نشير إلى هذا الواقع الأليم الذي يتنافى مع تاريخ سورية وتقاليدها، كما عرفناها، وكما نتمنى لها استرجاع وحدتها، مثلما كانت دائماً “قلب العروبة النابض”.

السنوات الخمس الماضية حرمت سورية من دورها المميز في ترسيخ عروبة الأمة، ونتمنى لها استعادة هذا الدور الرئيسي في رسالتها الموحدة، لا لسورية فحسب، بل للوطن العربي كله. وإذا كانت هذه الرغبة تستوجب صلابة الالتزام للعمل في هذا الاتجاه، فمن الضروري تسريع الحل السياسي الذي ترعاه الآن روسيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة، والسعي إلى إبعاد الأزمة في العلاقات بين السعودية وإيران، بحيث يأتي الحل السوري في منأى عن هذا الخلاف الذي ينبغي أن يكون عابراً، مع الأخذ بالاعتبار تاريخ سورية ومستقبلها، ومعالجة الأسباب التي أدت إلى هذا الواقع في الداخل السوري، والذي استمر هذه السنوات. كما يجب أن لا يكون هذا من باب التمني، بل ينبغي اتخاذ خطوات سريعة، ولكن غير متسرعة، من أجل ضبط الأوضاع وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، لتسريع إعادة البنى التحتية فيها.

وعلى الرغم من صعوبات الأوضاع وتعقيداتها، والمعاناة الحاصلة في هذه السنوات الطويلة، علينا كلنا أن نحتضن النقلة النوعية التي تخرج سورية من وضعها المأساوي، لكي تعود إلى استقرارٍ يمكّنها من استعادة رسالتها القومية.

كما علينا أن ندرك أن استعادة العافية لن تكون سهلة أو سريعة، لكن هذه الاستعادة يجب أن تحصل، وأن تكون الجهود، في هذا السبيل، مدعومة من سائر الدول العربية، مع الاستعانة بالمفكرين والملتزمين العرب الموجودين بكثافة، أولاً لتأمين قواعد الحلول السلمية، وثانيا لعودة البناء والشعور بالمواطنة ومسؤولياتها، بعيداً عن كل الانقسامات والسلوكيات المذهبية والطائفية والعرقية، التي ساهمت في استفحال الأزمة وتعقيد الحلول. هذا يجب أن يحصل في أقرب وقت ممكن، حتى نتمكّن من إعادة التنسيق الملزم بين الدول والمجتمعات العربية بفعالية، ما يمهد للتكامل العربي الذي بدونه تبقى الأمة بدون البوصلة التي تهدي إلى السبيل المؤدي إلى الحلول، ليس في سورية فحسب، بل على المستوى العربي بأسره.

وفي الختام، لا بد من أن نطالب، وبإلحاح، الدول المعنية مباشرة بالشأن السوري، والتي لها تأثير على مجريات الأوضاع القائمة، بأن تأخذ في الاعتبار الأوضاع الإنسانية التي يعاني منها الأبرياء، بحيث لا تتكرر مآس جديدة، كالتي حصلت في جميع أنحاء سورية، وأبرزها مأساة مضايا وغيرها من البلدات والقرى التي جرت محاصرتها، ومحاولة تجويعها، والتي دخلتها المساعدات في الأيام الأخيرة.

صور الجوع والانهيار والمجاعة، خصوصاً صور الأطفال، واضطرار السكان للجوء إلى أكل الأعشاب، تبقى عاراً، علينا جميعاً مَحْوُه، والالتزام بمنع تكراره في أي مكان من سورية والأمة. فما حصل في سورية مسؤولية عربية شاملة، ودولية، والتعهد بعدم السماح بتكرارها هو أيضاً مسؤولية عربية أولاً ودولية.

العربي الجديد

 

 

 

 

تجويع مضايا والمشروع الإيراني في سوريا/ خيرالله خيرالله

أبعد من حصار مضايا، ثم سماح النظام السوري و»حزب الله» بادخال مواد غذلئية اليها، الإصرار لدى جهة معيّنة تقف وراء الحزب على الربط بين مضايا السنّية وقريتي كفريا والفوعة الشيعيتين. هناك نيّة واضحة لدى ايران في اعطاء الصراع الدائر في سوريا طابعا مذهبيا، على الرغم من انّه صراع بين شعب يسعى الى استعادة كرامته من جهة ونظام يعمل من اجل استعباده.

من هذا المنطلق، لم يكن الحصار الذي استهدف مضايا تجويع اهل البلدة القريبة من الحدود اللبنانية والذين يقدّر عددهم بنحو اربعين الفا، مستغربا. انّه حصار يأتي في سياق عمليات التهجير والحصار التي مارسها النظام السوري منذ قيامه، اي منذ تفرّد حافظ الأسد بالسلطة في خريف العام 1970.

الجديد الآن البعد الذي اخذه حصار مضايا. يتمثّل هذا البعد في الإنتقال من افقار سوريا والسوريين… الى تجويع البلدة. لم يتغيّر شيء في نصف قرن. كان مطلوبا في كلّ وقت اخضاع السوريين بكلّ الوسائل المتاحة، بما في ذلك تيئيسهم وتحويلهم الى عبيد في خدمة النظام الأقلّوي. لذلك استُحضر علويون لإستيطان مناطق خاصة بهم في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص وحماة وفي طول الساحل السوري وحيث وجدت مدينة سورية ذات شأن.

حيث لا وجود لكثافة سكّانية علويّة ، خصصت احياء جديدة في المدن الكبرى لهؤلاء. شغل هذه الإحياء جنود وضباط ينتمون الى حاميات مرابطة في تلك المدن او في مواقع قريبة منها. اما القرى الجبلية التي جاء منها العلويون الى المدينة ليكونوا السلطة الأمنية فيها، فقد اشترى اراضيهم فيها المتمولون الكبار من ابناء الطائفة. وبين هؤلاء عدد لا بأس به من كبار الضبّاط المعروفين.

استطاع حافظ الأسد، منذ احتكاره السلطة، تغيير طبيعة المدينة السورية وذلك في ظلّ كرهه لأهلها وحذره منهم. كان هدفه الدائم، هو البعثي القديم المؤمن بحلف الأقلّيات، ترييف المدينة وفي باله كبار الضباط السنّة، الآتين من المدن الكبيرة، الذين تخلّص منهم الواحد تلو الآخر بعدما استطاع اعادة تركيب الجيش على طريقته وبما يتلاءم مع النظام الأمني الذي اقامه.

خضع اهل دمشق الذين يمتلكون مزاجا مسالما، فيما جرى تطويع حلب وحمص وحماة بالحديد والنار. كانت هناك انتفاضة في حلب في العام 1980. بلغت حصيلة تلك الإنتفاضة التي لم يعد يتحدّث عنها احد ما يزيد على خمسة آلاف قتيل.

وفي العام 1982، انتفضت حماة فأزيلت احياء كاملة من المدينة عن بكرة ابيها وشرّد اهلها. امّا عدد الضحايا، فزاد على عشرين الف قتيل. هناك عائلات كاملة ابيدت على يد قوات تابعة للنظام. كان كبار الضباط العاملين في خدمة النظام، على رأسهم رفعت الأسد، يتبارون في مجال ممارسة الوحشية في المدينة وحيال اهلها بحجة ان القتال دائر مع «جماعات اسلامية متطرّفة لجأت الى الإرهاب».

امّا حمص، فكانت موضع ضغوط مستمرّة. كان مهمّا للنظام تعزيز الوجود العلوي فيها، على حساب السنّة والمسيحيين ايضا، نظرا الى موقعها الإستراتيجي على الطريق الذي يربط بين دمشق والساحل السوري حيث الثقل العلوي.

كان الهدف من تدجين المدن الكبرى، ايّام الأسد الأب، تدريب المواطن السوري على الإنصياع والرضوخ لشعار «سوريا الأسد»، اي لسوريا التي تمتلكها العائلة الحاكمة.

ما يحصل في مضايا التي تعرّضت ولا تزال تتعرّض الآن لحصار يشارك فيه «حزب الله» اللبناني، لم يعد يستهدف الترويج لـ»سوريا الأسد» وفرضها كواقع على السوريين الإنصياع له. ما يحدث اليوم يأتي في سياق اقامة الدويلة العلوية المرتبطة بممرّ الى قسم من الأراضي سهل البقاع اللبناني يسيطر عليها «حزب الله». يحصل ذلك بعدما حوّل الحزب نفسه وصيّا على الدولة اللبنانية وعلى شؤون اللبنانيين.

المخيف ان العالم، على رأسه الإدارة الأميركية، يتفرّج على المأساة السورية، وهي مأساة تتمّ فصولا وتشمل عمليات تطهير ذات طابع مذهبي.

المؤسف، ان لا وجود لأيّ رد فعل دولي على الجرائم التي يتعرّض لها السوريون يوميا. من الواضح انّ هناك مشاركة روسية وايرانية في عملية تهجير السوريين من ارضهم وتنفيذ عملية تبادل سكاني من منطلق مذهبي. كان ملفتا مسارعة ايران والناطقين باسمها من لبنانيين وغير لبنانيين الى الربط بين حصار مضايا من جهة والقرى الشيعية، مثل الفوعة وكفريا، القريبة من حلب من جهة اخرى. الهدف الإيراني بات مكشوفا. خلاصته انّه ما دام ليس في الإمكان السيطرة على سوريا كلّها، خصوصا في ضوء سقوط النظام، ليس ما يمنع القيام بعملية جراحية تؤدي الى تقسيم الكيان السوري باشراف بشّار الأسد الذي فقد منذ فترة طويلة قدرته على اتخاذ ايّ قرار ذي شأن.

مفهوم لماذا تريد ايران ذلك وتسعى الى تحقيقه عبر «حزب الله» وميليشيات جاءت بها من العراق وغير العراق. هناك مشروع توسّعي ايراني يقوم اساسا على اثارة الغرائز المذهبية، ولكن ما ليس مفهوما اين مصلحة روسيا التي تستهدف المعارضة المعتدلة في تقسيم سوريا؟ هل التغاضي عن تجويع مضايا يمكن ان يفيد موسكو في شيء؟

يعتقد فلاديمير بوتين ان في استطاعته استغلال السياسة الأميركية المتسمة باللامبالاة تجاه المأساة السورية لإثبات انّ روسيا استعادت مواقعها في الشرق الأوسط. انه تفكير ينمّ عن قصر نظر في احسن الأحوال. يمكن ان تربح روسيا في المدى القصير، خصوصا انّها تنسّق عن كثب مع اسرائيل. ولكن هل سينسى اهل المنطقة من العرب، خصوصا اهل سوريا من وقف معهم ومن تعمّد تجويعهم وتهجيرهم؟

لن يصنع تجويع مضايا من روسيا قوّة عظمى، ولن تحقّق ايران اي هدف من الأهداف التي تسعى الى تحقيقها، مهما طال الزمن ومهما تفنّن «حزب الله» في تطوير اساليب الحصار للقرى والبلدات السنّية السورية القريبة من الحدود اللبنانية.

سيبقى تجويع مضايا وصمة عار على جبين كل من ساهم في الحصار وكلّ من عمل من اجل تقسيم سوريا. صحيح انّ هذا التقسيم صار واقعا، لكنّ الصحيح ايضا انّ المأساة السورية لا يمكن إلا ان ترتدّ على الذين اشعلوا نارها. من كان يصدّق ان الشعب السوري مستمرّ في ثورته منذ اربعة اعوام وعشرة اشهر. من كان يصدّق ان السوريين سيصمدون كلّ هذا الوقت في وجه «داعش» وكلّ الدواعش السنّية والشيعية… وفي وجه الإمبريالية الروسية التي تدّعي قتال «داعش» في حين انّها في الواقع شريك فعّال في الحرب على الشعب السوري لا اكثر ولا اقل؟

هذه الإمبريالية الروسية تبدو اكثر من ايّ وقت شريكا في عملية التبادل السكّاني التي تشهدها الأرض السورية والتي هي جزء لا يتجزّأ من المشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة.

المستقبل

 

 

 

تضامن إنساني وهوى سياسي/ دلال البزري

الحملة التضامنية مع أهالي مضايا المحاصرة كانت ناجحة. أفضت إلى دخول قوافل مساعدات إلى البلدة، ولكنها كشفت أيضاً ان قوافل أخرى كانت تحمل المساعدات نفسها إلى قريتين أخريين، كفريا والفوعة، الشيعيتين، واللتين يحاصرهما “جيش الفتح”، وتعانيان من الجوع نفسه. فالمعلومات الدقيقة التي خرجت من القريتين أفادت عن ظروف لا تقلّ قساوة عن تلك التي عانت منها مضايا؛ مع ان فداحة هذه الظروف لم تنلْ قسطها المتوجب من تضامن.

فكانت الأسئلة التي لا بد منها. من جهة المعسكر “الممانع”، المصْطف مع الجيش النظامي السوري وميليشياته، وفي طليعتها “حزب الله”: فأهل القريتين الشيعيتين موالون بمجملهم لهذا الجيش، وهم، عكس مضايا، لا يحاصرهم هذا الجيش وميليشياته، إنما مسلحون معارضون له، ينتمون إلى “جيش الاسلام”. لماذا لم يبادر “حزب الله”، بعد تصاعد حملة التضامن مع مضايا، إلى تنظيم حملة تضامن مضادة من أجل أهل الفوعة وكفريا؟ وهذا أضعف الايمان في علم سياسات الميديا… هل لأنه كان مشغولا بالدفاع عن “صورته” التي لطّختها حملة التضامن مع مضايا؟ أم ان تلك الحملة، المنطلقة مثل الصاروخ، فاجأته، وسبقته بأشواط، بحيث أن أي لحاق بها، سوف يكون ميؤوساً منه؟ أم ان النجاحات التي حقّقها الحزب، بفضل بشار وبوتين، لا تنسجم مع حملة مظلومية، وقد تُبْهت إنتصاراته؟ أم أن هناك قطْبة مخفية، سبب ما، نجهله، إختار الحزب، على ضوئه، السكوت الإعلامي عن القريتين؟ ما من يقين يُركَن إليه حول هذا اللاموقف؛ ولكن تخيَّل لو حصل، ذاك الموقف، وشمّر الحزب عن ساعديه، وانطلق بحملة تضامن مع الجائعين المحاصَرين في الفوعا وكفريا: المشهد الإعلامي سوف يكون، ساعتها، منقسماً إلى معسكرين من المتضامِنين: متضامنون مع الجائعين في مضايا، ومتضامنون مع جائعين آخرين من الفوعة وكفريا…

الآن السؤال نفسه مطروح على المعسكر الذي أطلق حملة التضامن مع مضايا: هل القائمون عليها كانوا على علم بحصار كفريا والفوعة، وبتدهور أحوال أهلها؟ أقول “القائمين”، لا المتجاوبين، بحسِّهم الإنساني، مع الأهالي. الأرجح نعم، كانوا على علم بذلك. كان يكفيهم أن يتابعوا التقارير الدقيقة عن أحوال القريتين: كانتا تتلقيان المساعدات الغذائية عبر الجو، قبل أن يتمكّن “جيش الاسلام” من إسقاط المروحيات والطائرات “المعادية”، ومن السيطرة على ناحية استراتيجية من القرية، الصواغية، كانت أرض نبات وهبوط الغذاء. وفي حال كان تقديرنا صحيحاً، يبقى السؤال: لماذا لم يضمّوا إلى مضايا كلاً من الفوعة وكفريا؟ هل لأن أهل القريتين يناصرون النظام و”حزب الله”؟ ام ان هناك سبباً آخر، أكثر وجاهة من ان يعلن على الملأ؟ ولكن، مع ذلك، تخيّل الحالة النقيض: أن يبادر القائمون على حملات التضامن مع مضايا إلى ضم الفوعة وكفريا إلى لائحة الأماكن المحاصَرة. لكن هذا المشهد هو مجرد خيال. وفائدته الوحيدة هي قياس قدر الهوى السياسي الكامن في حملاتنا التضامنية.

بشار الأسد هو الذي اخترع التركيع عبر التجويع. والمتمردون المسلحون، إرهابيين كانوا أم معتدلين، نسخوا عن النظام طريقته، وباتوا هم أيضا يحاصرون الأهالي الذين يفترضون انهم معارضون لهم، أو معادون.

لذلك، باتَ يجوز السؤال عن القرى أو البلدات أو المدن المحاصرة على يد واحد من الإثنين (الآن حصار مدينة دير الزور من قبل “داعش”)، وعن تنظيم حملات التضامن معها كلها، بصرف النظر عن حظها الجغرافي. والسكوت عن بعضها وإعلان “الفزْعة” من أجل بعضها الآخر، لا يعني سوى توقيع الموافقة على قتل مدنيين عزل؛ وهذه أبسط الخروقات الرمزية لحق الإنسان بالحياة.

بيّنت الخاتمة الإيجابية لحملة التضامن مع مضايا بأننا أصبحنا نتفاعل مع الحدث بطريقة أوتوماتيكية، من دون تفكير أو تدبير، مع كل من ينتمي إلى معسكرنا السياسي. مع ضحايا الموت والجوع والحصار إذا كان عدونا هو الجلاد، مقابل صمت مطبق ازاء ضحايا صديقنا، أو أحد المنضوين في معسكرنا.

تماماً كما يحصل في حملات تضامن أخرى، كالحريات الإعلامية مثلاً. وقد شهدنا منها الكثير خلال العام الماضي: يتعرض إعلامي أو صحافي لملاحقة من طرف، يتضامن معه خصوم ذاك الطرف، باسم الحرية الإعلامية. والعكس بالعكس يحصل أيضاً: يتعرّض قلمٌ من المعسكر النقيض لملاحقة، فيهبّ التضامن معه من بين صفوف هذا المعسكر، وباسم الحرية ذاتها. بحيث اننا أصبحنا نعيش بين معسكرين معاديين، ينشدان الهدف ذاته، “حرية الاعلام”. مثلهم مثل أشدّ الأعداء المتحاربين، الذين التقوا كلهم في سوريا لـ”محاربة الإرهاب”.

المدن

 

 

 

 

 

صمت الأمم المتحدة عن مضايا يتهمها بالتآمر/ روي جوتمان

حتى مطلع هذا الشهر، كانت مضايا بلدة غامضة في جنوب غرب سورية وعلى مقربة من منطقة الزبداني، التي خاض فيها الثوار المعارضون معركة شرسة ضد نظام بشار الأسد وحزب الله في الآونة الأخيرة. لكن اليوم، وعلى الرغم من وصول قوافل الإغاثة الدولية المحملة بالغذاء والدواء لرفع حصار المجاعة، فقد أصبحت مضايا النقطة المحورية لغضب عمال الإغاثة في سورية إزاء الأمم المتحدة، التي يتهمونها بإعطاء أولوية أعلى لعلاقاتها مع دمشق من مصير سكان مضايا المحاصرين.

وانتقد مسؤولون دوليون نمط المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة بتقليلها في المناطق التي يقودها الثوار المحاصرون، وتقديم تلك المساعدات بصورة أكبر في المناطق المحاصرة التي يسيطر عليها نظام الأسد.

ويقول عمال الإغاثة إن مضايا هي الأسوأ حالاً من جميع المدن المحاصرة في سورية. ففي وقت مبكر من أكتوبر الماضي، دق السكان المحليون في البلدة نواقيس الخطر بشأن الوضع الإنساني المتردي هناك، حيث مات جوعاً ما لا يقل عن ستة أطفال و17 رجلاً في ديسمبر الماضي، ومئات آخرون يهددهم الموت جوعاً.

كانت منظمة الأمم المتحدة على عِلم منذ أشهر بالمجاعة في مضايا السورية المحاصرة من نظام بشار الأسد، ولكنها لم تحرك ساكنا، ولقد اتهم ناشطون سوريون المنظمة الدولية بالتآمر مع النظام.

وأصدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية مذكرة داخلية في 6 يناير الحالي، تتحدث عن “ظروف بائسة” بما في ذلك حالات شديدة من سوء التغذية، وعن الحاجة الماسة لتقديم المساعدة لسكان مضايا. وجاء في المذكرة أنه تمت الإفادة في أكتوبر الماضي بوجود ألف حالة من سوء التغذية في أوساط الأطفال الذين تقل أعمارهم عن عام.

وكان صمت الأمم المتحدة لأشهر عن المجاعة في مضايا أحد الأسباب التي أثارت ضجة في أوساط مسؤولي الإغاثة السوريين والدوليين. ومما أثار سخط المسؤولين الإغاثيين أيضاً المزاعم الأممية المتكررة التي تتحدث فقط عن ضرورة رفع الحصار دون جدوى.

تحدث المنسق الأممي للشؤون الإنسانية في سورية، يعقوب الحلو، للصحفيين في 12 يناير الجاري عن الحال البائسة لسكان مضايا دون أن يلقي باللائمة على الجهة التي تحصارهم، وخاصة حزب الله اللبناني. واكتفى المسؤول الأممي بترديد الأسطوانة الأممية التي تقول إن حصار مضايا لا يختلف عن حصار تنظيم داعش للمناطق التي تسيطر عليها قوات النظام.

ففي رسالة مفتوحة نشرت في 13 يناير الجاري، اتهم 112 شخصية من عاملي الإغاثة المحاصرين الأمم المتحدة بالتآمر مع النظام على حصارهم. وقالوا في رسالتهم الموجهة للأمم المتحدة إن المنظمة الدولية تحرص على الحصول على إذن من النظام، هي لا تحتاجه لأن قرارين من مجلس الأمن ينصان على ضرورة إدخال المساعدات دون قيد أو شرط. وأشارت الرسالة إلى أن فشل الأمم المتحدة في التعاطي مع أزمة المحاصرين حولت هذه المنظمة من “رمز للأمل إلى رمز للتآمر”.

الوطن السعودية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى