صفحات العالم

تركيا الطامحة إلى دور قوي في سورية


أنس الشيخ مظهر

من الأشياء التي أثبتتها تجارب العالم المعاصر أنه لا يمكن إسقاط أي نظام سياسي من خلال فرض عقوبات اقتصادية عليه، وخصوصا إذا كان لهذا النظام منافذ يستطيع من خلالها أن يخرق هذه العقوبات، لذلك فإن الغرب وأميركا ومعهم تركيا لا يهدفون إلى إزاحة النظام السوري عن الحكم وتضعيف قبضته الأمنية على الشعب بقدر ما يهدفون إلى تدجين طرفي الصراع في سورية للحفاظ على مصالحهما أيا كانت تداعيات الثورة واحتمالات نتائجها!  من المعروف أن سورية- ومعها العراق- تمثل البوابة التي تربط تركيا بالمنطقة العربية، والتي تعتبرها تركيا عمقا إسلاميا تاريخيا لها, وإن أي تغير فيها يؤثر في الوضع الداخلي التركي سلبا أو  إيجابا, وتركيا لا تريد تكرار الأخطاء التي وقعت فيها في التجربة العراقية، وأفقدتها كل حبال اللعبة السياسية في هذا البلد، بدءا بوقوفها ضد التدخل الأميركي فيه إبان إزاحة نظام صدام حسين، ورفضها دخول القوات الأميركية للعراق عبر أراضيها، وانتهاء بعرض عضلاتها عبر تصاريح متشنجة لم تأت إلا بنتائج سلبية على تركيا نفسها، وتعكير علاقاتها بأطراف سياسية عراقية مؤثرة، خصوصا بينها وبين إقليم كردستان العراق، وبذلك حرمت تركيا من المشاركة الفعالة في إعمار كردستان والعراق إلى سنوات قريبة ماضية.

هذا أحد الأسباب التي تجعل تركيا الآن تقوي علاقاتها مع أقطاب المعارضة السورية بعد أن تيقنت أن النظام السوري زائل لا محالة، وبعد أن صعدت أميركا والغرب موقفهما تجاه نظام بشار الأسد بشكل يمكنها من الحفاظ على مصالحها عن طريق حفظ المصالح الأميركية والغربية في هذا البلد بعد نجاح الثورة, بمعنى آخر إن التحرك التركي في الموضوع السوري يتوازى تماما مع الموقف الأميركي الغربي، وينوب عنه في الكثير من الأوقات, تماما مثل مواقف بعض دول الخليج من الثورة اليمنية.

وتتلخص السياسة التركية وسيناريوهاتها في سورية على النحو التالي:

1- تحاول تركيا الحالية استغلال ميولها الإسلامية في التقرب من بعض القوى الإسلامية في سورية، والتي تعبر عن الإسلام السياسي المعتدل كالإخوان المسلمين الذين يعتبرون الخيار الإسلامي الوحيد المقبول لأميركا في المنطقة.

2- إظهار تطابق المواقف التركية مع المواقف الغربية بشكل كامل في هذا البلد سواء من الناحية الإنسانية أو السياسية، وتماثل جهودها مع الجهود الغربية للضغط على النظام السوري في سبيل إضعاف موقفه السياسي والاقتصادي داخليا وخارجيا.

3- تحاول تركيا أن تجعل كل السيناريوهات المحتملة لخط سير تطورات الثورة السورية بين يديها، فبينما تحاول إضعاف النظام السوري سياسيا واقتصاديا، تحاول من جهة أخرى استيعاب وتمثيل دور الوصي على الأطراف السياسية المعارضة للنظام.

4-  إيواء المنشقين عن الجيش السوري الذين من الممكن أن يتحولوا إلى أساس وبذرة لأي سيناريو لحل عسكري للوضع في سورية.

5- بخصوص أي تدخل عسكري محتمل في سورية فإن تركيا الآن مستعدة للعب الدور المطلوب منها بالنيابة عن أميركا، والتي تستعد للعب أي دور عسكري مطلوب منها في هذا البلد بدلا من أميركا والغرب اللتين تتفهمان جيدا أن أي تدخل عسكري مباشر من قبلهما في سورية قد يستغلها النظام السوري لإشعال المنطقة كلها في حرب غير محسومة النتائج؛ بشكل قد يخرج الأمر من تحت السيطرة.  وما يؤكد أن تركيا نفسها تريد أن تقوم بهذا الدور بدلا من أميركا والغرب والتصريح الذي أدلى به أوغلو وزير خارجية تركيا في آخر زياراته لسورية عندما ذكر أن الأسد قد هدد لو أن “الناتو” قام بأي عمل عسكري ضده فسوف يشعل المنطقة كلها في ست ساعات، ومن المؤكد أن السيناريو العسكري في سورية سوف يكون بإيجاد منطقة آمنة لللاجئين السوريين (كمطلب إنساني) قرب الحدود التركية بعمق معين داخل الأراضي السورية والتي ستكون منطلقا لشن هجمات على الجيش السوري من قبل الجيش السوري الحر، والذي حينها سيكون تحت إشراف الجيش التركي والحكومة التركية، وبذلك سوف تضمن تركيا ترتيب الأوراق العسكرية والسياسية في سورية بالشكل الذي تريد، والضغط على المعارضة السورية لتضعيف الدور السياسي المتوقع للكرد في سورية ما بعد بشار، وتوتير الوضع الداخلي السوري باعتبار أن وجود قوة سياسية كردية في سورية المستقبل سوف تضاعف من مشاكل تركيا مع كردها كما حصل لها مع إقليم كردستان العراق. من الغريب أن تركيا أردوغان تصور نفسها إعلاميا أنها المدافعة عن حقوق الشعوب، وفي نفس الوقت تتحرك ببطء في الانفتاح على كرد تركيا وتفعل تماما مثلما يفعل بشار الأسد مع مواطنيه بحجج واهية في قمع شعبه.

* كردستان العراق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى