صفحات العالم

تركيا و”إسرائيل” والمتغير السوري

 


محمد السعيد ادريس

الأمر المؤكد أن المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط سوف يشهد تغييرات هائلة جراء مجمل ما تشهده دول المنطقة من ثورات وأزمات وتحولات، موازين القوى سوف تتغير وخرائط الصراعات والتحالفات هي الأخرى سوف تتغير، لكن غير المؤكد بل وغير المعلوم هو تلك الاتجاهات التي سوف تسلكها تلك التغييرات، لذلك تبدو القوى الإقليمية الكبرى الثلاث غير العربية في المنطقة: إيران وتركيا والكيان الصهيوني شديدة الحذر والحيطة، ولذلك فإنها لا تتحمل ترف مراقبة ما يحدث، ولا أن تنتظر ما سوف يحدث، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى التفاعل مع الأحداث بهدف تحقيق حزمة من الأهداف، أولها ألا تمتد رياح الربيع العربي إلى داخل هذه الدول نفسها في ظل قناعة تقول أن ما تشهده الدول العربية من أحداث وتطورات يصعب أن تبقى دول الجوار بمنأى عن تأثيراتها، وثانيها، أن تجني ثمار الايجابيات وألا تدفع أثمان السلبيات، أو بمعنى آخر، الدفع بتلك الأحداث لتعمل في اتجاهات تخدم مصالح كل دولة من هذه الدول، وثالثها التخطيط والتحسب للمستقبل، ومراجعة أنماط علاقاتها وتفاعلاتها السابقة والاستعداد المبكر للتعامل مع متغيرات جديدة قد تضطر قسراً إلى القبول بها بالنسبة لخرائط توازن القوى الجديدة بعد انقشاع غيمة وضبابية ما تموج به دول المنطقة من أحداث وتطورات متلاحقة .

المحادثات السرية “الإسرائيلية” – التركية التي جرى الكشف عنها عبر بعض الصحف “الإسرائيلية” تأتي من إدراك أهمية هذا الهدف الثالث بالتحديد . فقد كشفت صحيفة “هاآرتس” عن جهود مكثفة “إسرائيلية” وتركية تجري هذه الأيام من أجل ايجاد حل للأزمة الدبلوماسية بين البلدين، وأن هذه الجهود تساندها الولايات المتحدة، وأن “إسرائيل” ترغب في إعادة علاقات سليمة وإيجابية هي في مصلحة الطرفين، حسب تأكيدات من وصفته ب”مسؤول إسرائيلي كبير” على دراية بهذه الاتصالات التي يشارك فيها مبعوث رئيس الوزراء “الإسرائيلي” مع وكيل وزارة الخارجية التركية، إضافة إلى محادثات متواصلة أخرى تجرى بين كل من يوسف شيشانوفر وأوزام سانبرك وهما على التوالي الممثلان “الإسرائيلي” والتركي في لجنة التحقيق التي شكلتها الأمم المتحدة للنظر في الهجوم “الإسرائيلي” على السفينة التركية “ما في مرمرة” والذي أوقع تسعة شهداء في صفوف الركاب الأتراك .

هذه المحادثات والاتصالات جاءت بدافع من ثلاثة تطورات أساسية أبرزها المخاوف “الإسرائيلية” والتركية من التداعيات غير المحكومة للأحداث والثورات العربية وخاصة ما يحدث في سوريا، وإدراك “إسرائيل” لأهمية فوز حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان لولاية ثالثة، أما التطور الثالث فيتعلق بالتحسبات “الإسرائيلية” لأسطول الحرية الثاني الذي يجري الإعداد لتسييره باتجاه قطاع غزة من أجل كسر الحصار “الإسرائيلي” الظالم المفروض على القطاع .

الحرص “الإسرائيلي” على التفاهم المسبق مع تركيا حول هذا الاسطول جاء بدافع من الحرص على عدم تكرار ما حدث من أخطاء “إسرائيلية” ارتكبت بحق تركيا في الاسطول الأول، وجاء أيضاً بدافع من الوعي بمغزى الفوز الانتخابي الثالث لحزب العدالة والتنمية، وهو فوز جاء ليعكس أمرين: أولهما أن حزب العدالة والتنمية وما يمثله من رؤى وتوجهات استراتيجية وبالذات ما يتعلق بعلاقات تركيا بجوارها العربي والإسلامي أصبح أمراً واقعاً لا يمكن تجاهله أو الفكاك منه بالنسبة لمخططي السياسة الأمنية والخارجية “الإسرائيلية”، وثانيهما أن هذا الفوز يكشف عن تنامي وعي الشارع السياسي التركي وانحيازه المتصاعد والمتطور للمبادئ والقيم السياسية التي تحكم أداء حزب العدالة والتنمية . فقد حقق الحزب في الانتخابات الأخيرة معدلات تفوق ما سبق أن حققه في الانتخابات الثانية، وتلك الانتخابات الثانية جاءت بنسبة أعلى من الانتخابات الأولى التي خاضها الحزب وفاز فيها بنسبة 33% تقريباً من الاصوات .

ولكن على الرغم من هذا كله، فإن المتغير السوري هو الأهم ليس فقط بالنسبة ل”إسرائيل” ولكن أيضاً بالنسبة لتركيا، في ظل ضعف القدرة على المراهنة على أي من السيناريوهات المطروحة كنهاية للأزمة السياسية المثارة الآن في سوريا، فلا “إسرائيل” ولا تركيا تملك الحد الأدنى من اليقين بما سوف تؤول إليه الأحداث في سوريا، لذلك تجد كل منهما نفسها متجهة إلى التحسب لغموض المستقبل السوري، كما تجد نفسها مضطرة لفتح باب للحوار مع الأخرى خشية أن تأتي تطورات سورية غير متوقعة تحول أو تعرقل فرص التقارب بالنسبة لأي منهما مع الأخرى عندما تكون هناك حالة لمثل هذا التقارب .

التحسب المشترك “الإسرائيلي” والتركي للتداعيات المحتملة لأحداث سوريا يدفع باتجاه التقارب بينهما رغم فجوة المصالح الهائلة بالنسبة للبلدين إزاء ما يحدث في سوريا، وما تأمله كل منهما بالنسبة لهذه الأحداث .

لقد حرص “الإسرائيليون” في بداية الأحداث السورية على أن يلتزموا بقدرٍ عالٍ من الحيطة والحذر وعدم التورط المتعجل في تلك الأحداث، خشية أن تكون مجرد صدى لما حدث في مصر وتونس، وأن النظام السوري سوف يمتلك القدرة والحنكة على إدارة الأزمة بوعي من استخلاص دروس التجربتين المصرية والتونسية وأيضاً الليبية، لذلك كان استخلاص “الإسرائيليين” الأول هو خيار العمل مع “الشيطان المعروف” من أن تعمل مع شيطان مستقبلي غير معروف . كان هذا الموقف محكوماً أيضاً بالموقف الغربي المتردد، وكانت “إسرائيل” حريصة على محاكاة هذا الموقف الغربي، لكن ما حدث من تغييرات جذرية في هذا الموقف، والأخطاء التي ارتكبها النظام وفشله في إدارة الأزمة، وتصاعد الأحداث حفز “الإسرائيليين” من أجل العمل على إسقاط النظام السوري باعتباره “عدواً لدوداً وحليفاً لإيران وحزب الله” .

“الإسرائيليون” مدفوعون الآن أيضاً بحرص على كسب الشارع السوري الرافض لنظام الأسد، والظهور بدور الداعم للديمقراطية والحرية للشعب السوري .

الأمر بالنسبة لتركيا مختلف تماماً، فسوريا الأسد حليف أو شريك استراتيجي لتركيا، وبوابتها نحو العرب، لذلك تسعى تركيا لانقاذ الأمور في سوريا وتشجيع الرئيس الأسد على سرعة التكيف مع الواقع الجديد واستيعابه لانقاذ سوريا، لكن التحسب التركي لخسارة سوريا يدفعها للحوار مع “إسرائيل” من أجل تأمين فرص مستقبلية لحوار أهم حول إعادة إدارة منظومة التحالفات في المنطقة بما يحول دون تفاقم الخسائر التركية .

ما يحدث بين تركيا و”إسرائيل” الآن ليس إلا بداية لتفاهمات إقليمية، قد لا تكون إيران بعيدة عنها تماماً، وربما غيرها أيضاً في ظل تصاعد تداعيات غير محسوبة وشديدة السيولة خارج نطاق سيطرة كل الأطراف .

الخليج

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى