صفحات الرأيناصر الرباط

 ثقافة الحياة بوصفها فعل مقاومة/ ناصر الرباط

 

 

لا خلاف على أن ياسين الحاج صالح من أهم منظري الثورة السورية التي تحولت للأسف إلى ساحة حرب دولية مصغرة. فهذا الرجل الذي عانى السجن في معتقلات الأسد الأب سنين طويلة بسبب فكره وانتمائه السياسي، والذي يعيش اليوم فاجعة مستمرة بخطف واعتقال أفراد من عائلته واختفاء زوجته وهيامه، هو نفسه في بلاد اللجوء، وما انفك منذ ٢٠١١ يرسم في كتاباته الغزيرة سياقات الثورة ويرصد تحولاتها ويحذر من كبواتها ويستقرىء مآلاتها. وهو دوماً يتجاوز الآني والانفعالي لكي يطالعنا برؤى عميقة لحال سورية ويستجلي إمكانيات الفعل في ظل التغيرات المتسارعة على الأرض وتشابك الجذور التاريخية للمأساة السورية مع المعادلات الدولية القائمة.

في واحد من آخر مقالاته، «الثورة، السلفية، الإمبريالية: ثلاثة أطوار في خمس سنوات»، رصد الحاج صالح ثلاث مراحل في تطور الثورة خلال خمس سنوات من انتفاضة شعبية إلى حركة إسلامية سلفية انخرطت في حرب شبه أهلية مع النظام، إلى حرب امبريالية بتدخل التحالف الدولي وروسيا وإيران مباشرة فيها. وقد ارتأى الحاج صالح أن هذه الأطوار الثلاثة ليست متتابعة تحل اللاحقة محل سابقتها بقدر ماهي متراكبة، بل متداخلة، تفعل كلها معاً في صيرورة الثورة. ثم حلل وسائل مقاومتها تحليلاً ثاقباً استنتج منه أن المرحلة الأولى تطلبت سياسةً لم تكن متاحة بالقدر الكافي للثوار بسبب من التهديم الممنهج للبنيان السياسي خلال حكم الديكتاتورين الأسديين، على حين أن العسكرة التي بدأها النظام بدهاء شرذمت القوى المعارضة وسمحت بصعود القوى الإسلامية المتطرفة التي لا ترى في سورية إطاراً لعملها، إضافة إلى التدمير المريع الذي عاناه البشر والحجر منها. أما مرحلة التدخلات الإمبريالية التي تذكّر بالغزوات الاستعمارية في نهاية القرن التاسع عشر، فطغت على ما سبقها وإن لم تلغه، لكنها قضت على نجاعة السياسة والعسكرة معاً، ولم تترك للمقاومين مجالاً فعالاً إلا من خلال الثقافة، مقتفياً في ذلك أنطونيو غرامشي في تنظيره لثقافة المقاومة.

ولا أظن الحاج صالح إلا محقاً في استشرافه للخيارات المتاحة. فما هي هذه الثقافة؟ وأين هم السوريون المرهقون من استطالة مأساتهم وتغوّلها، من تطويرها والاعتماد عليها في صراعهم مع الأعداء الثلاثة، النظام الأسدي وداعش والإمبريالية الجديدة، من أجل العيش الآمن والحرية والرفاه المأمول؟

أعتقد بأن الحاج صالح سيوافقني في نعتي هذه الثقافة المرجوة بثقافة الحياة، ثقافة تقف ضد ثقافات الطغيان والموت التي طغت على الخطاب السوري العام بفعل تآزر الأعداء الثلاثة على إكراهه على هذه التوجهات. وأنا أوافقه على أن أساس ثقافة الحياة هذه هو الفرد، أو ما سماه هو «الفاعل المستقل، المتحكم بنفسه».

مهمة ثقافة الحياة هذه ليست فقط في فهم الألم واليأس والعنف والطغيان والاضطهاد والاستغلال والرياء الدولي وطرح البدائل الممكنة لها، بل أيضاً في تأطير نشاطات الأفراد الفاعلين أنفسهم بما يسمح لهم في الآن نفسه بحرية الحركة الخلاقة والفاعلة وبالشراكة في الرؤية والهدف، الذي لا بد أن يكون استعادة سورية حرة وآمنة ومعافاة. هذا التأطير لا يمكنه في هذه المرحلة الصعبة أن يكون سياسياً، ولا حتى عقائدياً ملزماً، بل هو تأطير فضفاض يسمح لكل السوريين، ولأصدقائهم الحقيقيين أيضاً، بالعمل من أجل التحرر من العدوانات المتراكبة على أرض سورية وبالتحرر أيضاً من المكبلات المعنوية والنفسية والأيديولوجية التي حشرت ثقافة الوطن في مأزق مريع قبل الثورة، ثم تراكمت وتغوّلت بعدها بفعل تكالب الأعداء على سورية وتدميرها بشراً وتراثاً ووطناً.

ثقافة الحياة هذه يمكنها أن تنبثق من أصعب المفاصل وأحلكها كما يمكنها أن تنمو من لدن الألم والحزن والغضب لتكافح اليأس والقنوط والاستسلام. وهي وإن كانت تفتقد للأرضية الجامعة اليوم بفعل تمزق الوطن وقمع وإسكات وتهجير الكثير من أبنائه وبناته، فهي أيضاً ما سينشىء العروة الجامعة الجديدة التي يجب أن ترضى الآن بأرضية افتراضية في عقول وقلوب السوريين أنّى كانوا، إلى أن تستعيد سورية بعضاً من عافيتها يسمح لمقيميها المكلومين ولمهجريها المشتتين بالعودة للمساهمة في إعادة إعمارها. وهي يمكنها أن تكون غير مادية وعابرة للحدود الفعلية والوضعية، بل مقيمة في الفضاء الافتراضي، كما يمكنها أن تكون مرتكزة على قواعد حقيقية في أرض الاغتراب مع بقاء عينها على سورية. وهي لن تكون في المحصلة سوى مجموع الجهد والإبداع والغيرية والنضال والتنظيم الذي يسكبه السوريون والسوريات الذين ما زالوا يتمسكون بسوريتهم بمواجهة الطغيانات الكاسحة التي يرتكز عليها أعداء الوطن من النظام الأرعن إلى السلفية المجرمة، إلى التدخل الإقليمي والدولي الإمبريالي والمخاتل في النهاية.

ثقافة الحياة هذه تمثلها كتابات ياسين الحاج صالح نفسه، كما تمثلها كتابات الكثيرين غيره من السوريين والسوريات الذين شحذت الثورة أفكارهم ووسعت آفاقهم. وهي أيضاً بدأت تظهر في فن وأدب وشعر ومسرح وسينما السوريين والسوريات الذين وإن كانت أعمالهم على الغالب ما زالت تعاني صدمة العنف غير المسبوق الذي تعرضت سورية له وما زالت، إلا أنها بدأت بتلمس وسائل جديدة للاستجابة لهذا التحدي الوجودي الذي يواجهه الوطن وبتخيل طرق الخلاص منه. وهي أيضاً، وربما أكثر من أي عامل آخر، ما زالت كامنة في أعمال وتصرفات الأفراد المنتفضين داخل سورية والذين ما زالوا يحلمون ويعملون لأجل سورية المتحررة كما في حالة أهل بنش وكفر نبل وغيرهما من البلدات والأحياء السورية المقاومة للعنف والطغيان ولثقافتهما. وهي تتجلى أيضاً في أفعال الأفراد والمجموعات في مخيمات الشتات السوري الذين لم يقنعوا بواقعهم المحبط وبدأوا بمحاولة تحسينه لأنفسهم ولمواطنيهم من خلال مشاريع مبتكرة. بل يمكنني أيضاً أن أطرح نظرة بديلة لنظرية اليأس التي تطغى على تفسير هجرات السوريين المأساوية عبر البحر والطرق الطويلة إلى أوروبا، على أنها هجرة إلى حياة أفضل وآفاق أرحب ودليل على نبض الحياة الذي ما زال سارياً في عروق الشعب السوري المحاصر والمفجوع.

لعل هذه الإرهاصات كلها تنصهر معاً في نشوء الثقافة الجديدة التي يعول عليها ياسين الحاج صالح وغيره الكثيرون من السوريين لتحدي الواقع المزري والبدء بالعودة إلى السياسة كفعل جماعي يتجاوز المحاولات البائسة للمعارضة الحالية ويستعيد المبادرة في مقارعة النظام وجماعات الإرهاب والمحتل الأجنبي ويستخلص سورية وطناً واحداً حراً لكل السوريين، ولو بعد حين.

* كاتب سوري وأستاذ الآغا خان للعمارة الإسلامية، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا M.I.T.

الحياة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى