صفحات الحوار

جاك لانغ: الأحمق وحده يربط اللغة العربية بالارهاب

 

 

بوعلام رمضاني

جاك لانغ شخصية ثقافية وسياسية ليست عادية في فرنسا، وهو يفرض نفسه بقوة في كل مرة رغم أنف خصومه من المثقفين الذين يسيطرون على المشهد الفكري والإعلامي منذ أن أصبحت استراتيجية “أسلمة” كل شيء في فرنسا “أمرا مباحا ومستباحا” على حد تعبير الكوميدي المغربي الأصل ياسين بلعطار الذي راح ضحية منع مؤخرا في عدد من المدن في إثر اتهامه بالتعاطف مع الإسلاموية!.

لانغ غير العربي لم يسلم هو نفسه من التهم الباطلة في مواقع العنصريين الحاقدين على العرب والمسلمين من منظور إصراره على تعليم لغة “مرتبطة بالقرآن الذي يتحدث باسمه الإرهابيون”، كما كتب أحدهم في موقع يقطر سما إسلاموفوبيا! ولأن لانغ صاحب تاريخ وإنجازات مرادفة للتحديات والمعارك الكبرى، لم يتردد في الرد على مهربي التاريخ (كما أطلق عليهم رشيد بوجدرة في كتاب صغير بديع لم يفرق فيه بين كتاب فرنسيين ومغاربيين) الذين اشتهروا أكثر بهوس المتاجرة الإيديولوجية بكل ما هو لصيق بالإسلام واللغة العربية في خلط واضح لا يطاق فكريا، على حد قول لانغ.

هذا الرجل الذي ضرب عدة مواعيد تاريخية مع الثقافة والفنون في بلده كوزير شهير سابق للتربية والثقافة، ما زال وفيا لمواقفه أكثر من أي وقت مضى، ولا أدل على صحة ذلك من إعادته الوهج لمعهد العالم العربي ببرمجة متنوعة ونوعية بعد أن عانى من وجود مرتبك وغير فعال ومن تسيير كاد أن يعصف بمصيره لولا تعيينه في الوقت المناسب.

لم يتوقف لانغ عند تثوير البرمجة العامة، وراح يتحدى ويستفز بتعنت سيزيفي المصطادين في الماء العكر بتمجيده اللغة العربية: “التي كان عليها أن تكون ملكة في فرنسا منذ زمن طويل” على حد تعبيره لصحيفة “ليبراسيون” بمناسبة عيد اللغة العربية الذي عرف دورته في الثالث في الشهر الماضي.

وبرغم الحرب الضارية التي يقودها مثقفون يكنون له العداء السافر، استطاع لانغ أن يتخطى أسوار التعتيم والتشويه وأن يقفز على حواجز التهميش بمخاطبته فرنسيين آخرين أكثر انفتاحا على ثقافات ولغات العالم من طبقة سياسية فجة وكسولة، على حد تعبيره في هذا الحوار الخاص لـ”ضفة ثالثة”.

عن التظاهرة الأولى من نوعها في تاريخ معهد العالم العربي الذي يترأسه منذ ثلاثة أعوام، دار هذا الحديث في جو مشحون بالخلاف الودي مع وزير الثقافة الذي كان يوشوش في أذن الرئيس فرنسوا ميتران كما كان يفعل أندريه مالرو اليميني مع الجنرال شارل ديغول.

في الحديث الذي أدلى لنا به في مكتبه المزيّن بلوحات تشكيلية بديعة والمطل على نهر السين، لم يغيّر لانغ من طبعه المتفائل المفرط إلى الحد الذي جعله يخفف من تأثير سياسيين ومثقفين فرنسيين على مسار ومصير مشروع تعميم تعليم اللغة العربية. الحديث لم يكن إشهارا لشخصية سياسية وفكرية وفنية نادرة ومتميزة وأراده صاحبه سجاليا بامتياز لعلاقته بمواقف مثقفين ينتسبون بالاسم إلى عالم عربي وإسلامي أضحى مادة إيديولوجية تدر لهم المال والشهرة باسم كتابة الأدب المعادي لإرهاب يفسر وفق منظور مسيطر إعلاميا وثقافيا .

قال لانغ إن الإقبال على تعلم اللغة العربية اضطره إلى الاستنجاد بمسؤولي جامعة جوسيو القريبة من معهد العالم العربي وإلى فتح فروع لتدريسها في المدن والضواحي الأخرى نظرا لعدم قدرته على استيعاب العدد الهائل من الفرنسيين الذين أعجبوا بلغة حضارة إنسانية عظيمة.

* في البداية ألا تعتقدون أن عمل معهد العالم العربي على إعادة الاعتبار للغة العربية يبقى محدود التأثير في ظل غياب مقاربة بيداغوجية وتعليمية وطنية تجعل من اللغة العربية مادة لغوية شأنها شأن اللغات الأجنبية الأخرى من جهة، وفي ضوء سيطرة توجه إعلامي وفكري يعادي كل ما يرتبط باللغة العربية في خلط مكيافيلي واضح من جهة أخرى؟

بعد تردد أكد امتعاضا من سؤال لا يؤمن بمحتواه، رد لانغ :”لا.. لا.. لا أجد أثرا حقيقيا للتأثير الذي تتحدثون عنه في سؤالكم إذا استندنا إلى الإقبال الكبير الذي تعرفه اللغة العربية في معهد العالم العربي إلى درجة اضطرتنا إلى الاستنجاد بجامعة جوسيو القريبة منا والتي فتحت لنا أبوابها مجانا، والذين لا يقبلون على اللغة العربية من منطلق ما أحرار، ما دامت هناك حرية فكر في فرنسا”.

فرنسا لديها مشكلة مع التعددية

* أنا لا أتحدث عن الإقبال على اللغة العربية في معهد العالم العربي المطالب بحكم توجهه بتعليم اللغة التي تعبر عنها تسميته، وأقصد بمعاداة اللغة العربية في سلك التعليم ولا أدل على صحة ذلك من عدم تدريسها بشكل بيداغوجي رسمي في المجال التربوي وأنتم تدركون الأمر ما دمتم قد فشلتم في ترسيخ تعليمها في المرحلة الابتدائية بين عامي 2000 و2002 حينما كنتم وزيرا للتربية، والمعروف أنه قضي على ما تركتم بعد رحيلكم من القطاع المعني.

هذا صحيح ولكن ليست اللغة العربية وحدها التي لم تدرج في سلك التعليم من منظور مقاربة بيداغوجية مدروسة ومتكاملة كما جاء في سؤالكم. ففرنسا لم تهتم باللغات الأجنبية بوجه عام، وباستثناء الإنكليزية والإسبانية لا وجود للإيطالية والألمانية رغم كل ما يقال عن المحور الفرنسي- الألماني. وعليه يمكن القول إن فرنسا لديها مشكلة مع التعددية وليس من باب المصادفة أن يصبح الفرنسي من أضعف الأوروبيين وربما على الصعيد العالمي الأضعف في اللغات الأجنبية. هذا الأمر بصدد التغير مع بروز أجيال جديدة من الفرنسيين متعددي الأصول والثقافات، وانفتاحها على العالم أصبح يشكل شرخا لافتا بينها وبين الطبقة السياسية والمثقفين الهوياتيين ضيقي الأفق إنسانيا. هذا الشرخ لا يعني أن اللغة العربية مغيبة كليا وهي موجودة منذ وقت طويل في معاهد عالية كمعاهد التعليم العالي للتعليم والعلوم السياسية واللغات الشرقية والتجارة، ومهما يكن من أمر ورغم النقص الملحوظ هناك وعي عام بحتمية انفتاح فرنسا على اللغات الأجنبية في ظل عولمة كاسحة، واللافت للنظر أن فرنسا ليست وحدها المتأخرة في مجال التنوع اللغوي. إن العربية لغة عظيمة وتعليمها كالإنكليزية أمر مستعجل في المعهد العربي.

* لكن طال زمن انغلاق فرنسا على نفسها لغويا والأمر يفسر إيديولوجيا. ألا تعتقدون أن فرنسا الأنوار تتناقض مع انغلاق طال بالتزامن مع نزعة سيطرة استعمارية ثقافية ما زالت مستمرة بشكل مغلف؟

بنوع من الامتعاض مجددا أجاب لانغ: “نعم… نعم هذا صحيح وحدث هذا مع الاستعمار الفرنسي ولكن الماضي هو الماضي، وربما اعتقد الفرنسيون لمدة طويلة بحكم أن لغتهم كانت ديبلوماسية أنهم أسياد العالم، واليوم هناك أجيال جديدة كما أسلفت الذكر تتطلع إلى مستقبل معولم يدفع إلى السفر والاتصال بثقافات إنسانية وبلغات أخرى الأمر الذي يسمح بمقاربة القضايا عالميا وهذا ما يسمى بالذهنية الجديدة التي ليس لها علاقة بمعطيات سادت قبل ثلاثين عاما أو أكثر”.

* لكن هناك مقاومة إيديولوجية على المستوى السياسي للعولمة أو الذهنية الجديدة التي هي مجتمعية، الأمر الذي يتركنا نتحدث عن شرخ بين الشبان والطلبة أو المجتمع والحكم السياسي. أليس كذلك؟

بعد مقاطعة لطيفة، قال لانغ مُتحمّسا وغير مقتنع بسؤالنا: “لا… لا نفسر كل شيء بالعامل الإيديولوجي، فالكسل وغياب الإرادة الطيبة والمزاج والاعتبارات الذاتية تعد عوامل تفسير أيضا وأنا مثال على ذلك ومقاومتي للمعيقات دليل تفاؤل بمستقبل واعد يخرجنا من الماضي السلبي في مجال الانفتاح اللغوي ولست متشائما مثلكم بروح قطعية وغير نسبية، وربما حديث رئيس الجمهورية في حفل تقديم تهاني السنة الجديدة للسلك الديبلوماسي دليل تفاؤل وقد تحدث عن انفتاح لغوي وشيك وأتمنى أن يتحقق ذلك في الواقع التربوي” (بالمناسبة تأخر جدا لانغ عن موعدنا، ووصل إلى مكتبه بعد حوالي ساعتين بسبب حضوره الحفل المذكور. وللتاريخ نقول إنه اعتذر عدة مرات بشكل لبق قلما نجده عند مسؤولين كبار في حجمه، وبعث برسالة مكتوبة قرأتها لي الملحقة الصحافية للاعتذار في مرحلة أولى قبل وصوله إلى المكتب وشروعنا في الحديث).

* أنا لست متشائما سيادة الرئيس. والصحافي يستند على الواقع الملموس والحقائق الدامغة وعليه أؤكد مجددا على عدائية إيديولوجية يحارب أصحابها بشراسة مسعاكم. اليوم هناك جيش من المثقفين التلفزيونيين (وصفهم باسكال بونيفاس في كتاب جريء بالمزيفين) يتحسسون مسدساتهم حينما يسمعون كلمة عربي وتدريس اللغة العربية يعني في تقديرهم تدريس لغة القرآن، المرادف للعنف والإرهاب والتفرقة بين الرجل والمرأة، وآلان فينكلكروت الذي يقدم إعلاميا كفيلسوف هو رئيس هيئة أركانهم ويتزعم هذا الجيش! ما تعليقكم؟

أقلق السؤال هذه المرة لانغ وانتفض مجيبًا: “نعم… نعم هناك مقاومة إيديولوجية وفينكلكروت قاومني منذ أن كنت وزيرا للثقافة وحارب سياستي الثقافية وهو لا يمثل فرنسا ولا نستطيع أن نفعل شيئا أمام حرية التعبير كما تعرفون ولا نستطيع أن نفعل شيئا أيضا حيال الحمقى كما

تعرفون”.

* لكنه دخل الأكاديمية الفرنسية ويقدم برنامجا هامًا (répliques) في إذاعة فرنسا الثقافة، والتلفزيون يستضيفه في كل مرة ليعلق على الأحداث والكثير من السياسيين اليساريين واليمينيين يتبنون مواقفه الأمر الذي يجعلني أقول وأؤكد أن تردد فرنسا في تعليم العربية مسألة إيديولوجية ومعاداتها يتجاوز صراع يمين- يسار وأنتم تنفردون بموقفكم كيساري وتعدون في نظر فينكلكروت وإريك زمور وباسكال بروكنير وإليزابيث ليفي خطرا على هوية فرنسا!

بعد أن هدأ قليلًا… عاد وانتفض مُجيبًا: “هؤلاء يكادون يجنون لأنني مصر على قناعاتي القديمة وخطابهم لم يؤثر ولن يؤثر على أمثالي. والأحمق فقط مثل فينكلكروت هو الذي يربط بين التطرف الإسلامي وبين اللغة العربية التي يجهلها الإرهابيون” (ملاحظة: طريقة إجابته كانت تستحق تصويرا تلفزيونيا).

* أحمق لكن يقدم برنامجا هاما كما قلت في إذاعة فرنسا الثقافة!

هناك برامج هامة في الإذاعة نفسها ولا تنطق بروح وتوجه فينكلكروت.

* 95 في المائة من المثقفين الفرنسيين لا يحسنون التحدث باللغة العربية وحتى جيل كيبال الذي يقدم على أساس أنه يجيدها، يتحدث بها بلهجة ممزوجة بالنطق المصري، وحدث ولا حرج عن أولئك الذين تخصصوا في الإرهاب الإسلامي خلال الأعوام الأخيرة!!!

أجاب ضاحكًا: “والله. ….(ah bon) لم أكن أعرف ذلك”.

الأحمق وحده الذي يربط بين

اللغة العربية والقرآن والإرهاب

* إن التشكيك في كل من له علاقة باللغة العربية والخلط بينها وبين التطرف الإسلامي والإرهاب لا يقتصر على المثقفين الفرنسيين التلفزيونيين، والأدهى والأمر في الموضوع اصطفاف معظم الكتاب المغاربيين الذين يكتبون باللغة الفرنسية حول مواقف معادية للغة العربية ويفعلون ذلك باسم يسار يجمعكم به، ورشيد بوجدرة الذي يكتب باللغتين وشيوعي خصص لهم كتابا تحت عنوان “مهربو التاريخ” وتناول في كتابه بوعلام صنصال وياسمينة خضرا وكمال داوود وسليم باشي، وخلافا لأمين معلوف فإنهم يرون أن اللغة العربية هي القرآن الكريم والتابوات الدينية والاجتماعية ولغة المتطرفين وليس لغة الحضارة والفنون والموسيقى والفكر والفلك والعلوم، وبن جلون قال إنها تسببت في تأخر التعليم في المغرب على طريقة مهربي التاريخ! هل أعدّ متشائما حينما أطرح هذا السؤال أم أنكم تعترفون هذه المرة أنكم تدافعون عن لغة ميتة ومتخلفة مثل أصحابها وعليه فقد تجاوزها الزمن الإبداعي كما يقول عنها أعداء ينتمون أيضا إلى يسار ما؟

أجاب هذه المرة بنوع من الضيق بقوله معبرا بإيماءات مسرحية: “غير ممكن …غير ممكن. ما هذا… ما هذا الخلط المرعب والحمق المطبق، وإذا كنت هنا كما قلت ليس لكيل الاتهامات أو لمحاكمة هذا الكاتب أو ذلك فإنني أقول إن كل من يتقاطع في مقاربته للغة العربية والخلط الرهيب (الذي جاء في سؤالكم) يعد من أتباع زمور العنصري وفينكلكروت والربط بين اللغة والتطرف أو الإرهاب أمر لا يطاق وغير مبرر فكريا وتاريخيا. اللغة العربية حية ترزق بتعنتي وإصراري على تعليمها وهي الخامسة في فرنسا والسادسة في الأمم المتحدة والأحمق وحده الذي يربط بين اللغة العربية والقرآن والإرهاب، وأتباع فينكلكروت حمقى ولا يمثلون فرنسا وسؤالكم مهم لأنه يثبت أن الحمقى لا يقدرون على الوقوف في وجهي، وفي وجه الفرنسيين الذين يتعلمون اللغة العربية في معهد العالم العربي بسعادة كبيرة”.

* الأحمق فينكلكروت وأتباعه الكثر الذين يسيطرون على المشهد التلفزيوني يتخذون من الكتاب المغاربيين نموذجا فكريا للخلط بدورهم بين اللغة العربية والقرآن والإرهاب في الوقت نفسه وهم يدافعون عن أنفسهم ضدكم وضدي بذكر أسماء صنصال وكمال داوود وسليم باشي…

لم أطلع على ذلك، ولا نستطيع أن نمنع أحدا من التعبير عن رأيه كما قلت لكم، والذي يهمني هو إصراري على القيام بعكس ما تعتقد جماعة فينكلكروت.

* اللافت في جماعة تشويه معاني اللغة العربية أنها لا تقتصر على اليمين واليمين المتطرف اللذين يتبادلان الصيد في حقلي بعضهما بعضا (كما حدث من قبل وكما يحدث اليوم) ونجد أن عددا غير قليل من المثقفين والسياسيين اليساريين يخلطون أيضا بين اللغة العربية والقرآن والتطرف الإسلامي، الأمر الذي يحيلنا إلى قاموس حرب الذاكرة الاستعمارية التي تعيدنا إلى زمن الخلط عمدا بين المقاومة والإرهاب والاستعمار والتحديث وما إلى ذلك. ما هو تعليقكم كمثقف يساري معروف؟

هذا صحيح وغير صحيح، لأن المواقف المذكورة تتجاوز الصراع الإيديولوجي يسار- يمين ويحدث أن يتقاطع بعضهم حيال هذا الإشكال السياسي أو الفكري كما يمكن أن يفرقهم الاختلاف، وما يهمني هو موقفي كمثقف يساري يعيد الاعتبار للغة العربية كلغة حضارة إنسانية وأدبية وعلمية وفكرية عظيمة، لا يمكن في أي حال من الأحوال تشويهها والمتاجرة بها إيديولوجيا باسم إرهاب ارتكبه شبان غير عرب لا يجيدون التحدث باللغة العربية. نقطة مهمة يجب أن أعطي رأيي فيها، لها علاقة بموقف المثقفين المفرنسين من كيفية تعريب التعليم في بعض البلدان المغاربية وأنا أعرف أنه ارتكبت أخطاء بيداغوجية باسم اللغة العربية.

* إلى أي حدّ يمكن القول إن إصراركم بقوة وعناد على المضي قدما في مشروع إعادة الاعتبار للغة العربية يعكس اعترافا ضمنيا بالإهمال الذي عرفته وما زالت تعرفه في المجال التربوي على الصعيد الوطني، علما أنها اللغة الموجودة في فرنسا منذ فرنسوا الأول الذي أدخلها إلى كوليج دو فرانس. كما أن قولكم لصحيفة “ليبراسيون” بأنه كان يجب عليها أن تكون ملكة يؤكد تسابقكم مع الزمن لكي يصبح الحلم الجميل وربما المستحيل حقيقة غير مسبوقة بعد أن أجهضت تجربتكم الأولى بعد مغادرتكم وزارة التربية؟

نعم يمكن قراءة ذلك بهذا الشكل. ووجودها ما زال في غير المستوى المطلوب في كافة مراحل التعليم والأمر لا يقتصر كما قلت على اللغة العربية، والألمانية هي الأخرى لغة غير حاضرة بالقدر الكافي رغم حديثنا عن المحور الفرنكو- الألماني. إنني أقاوم ومتفائل بالنظر إلى محاور خطة تعليم اللغة العربية التي تطبق لأول مرة في فرنسا.

خطة تعليم شاملة

بأربعة محاور

* ما هي أهم محاور هذه الخطة وكيف سيتم تنفيذها عمليا؟

أولًا إذا سمحتم أكرّم سيدة ليست عادية وهي التي أعتمد عليها لإعادة الاعتبار للغة العربية، وأتيت بها لأنها متمكنة من تخصصها بصورة كاملة. إنها السيدة ندى يافيل مديرة قسم اللغة والحضارة العربية في معهد العالم العربي وسفيرة فرنسا في الكويت سابقا ومترجمة كل رؤساء الجمهورية مدة عشرين عاما.

شخصيا أفتخر بهذا المشروع الذي سيبقى مسجلا في تاريخ معهد العالم العربي والذي يتمثل في تعليم اللغة العربية بصفة علمية حديثة كما يحدث مع اللغة الإنكليزية وسيمنح متعلمها شهادة رسمية معترفاً بها دوليا. وتقوم الخطة على أربعة محاور تتمثل في تدريس اللغة العربية الفصحى للصغار الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والحادية عشرة من نفس منطلق التعليم البيداغوجي المخصص للكبار. ويجدر بالذكر أن مقاربة معهد العالم العربي لتدريس اللغة العربية بطريقة حديثة بيداغوجيا ومرتبطة بالتراث الثقافي أمر غير مسبوق تقريبا، ومن المنتظر أن تعرف الخطة نجاحا باهرا في فرنسا وفي العالم انطلاقا من التجاوب الكبير الذي لاحظناه من أولياء أبناء المهاجرين العرب ومن توقعات المتخصصين الذين راهنوا على تصور بيداغوجي شامل يجمع بين الألعاب والاغاني والرسم وكل أشكال التواصل الفني. وستتم رقمنة وترقية ونشر المشروع بواسطة متخصصين ومن المنتظر أن يتكلف المشروع حوالي 200 ألف يورو خلال خمسة أعوام. وسيتوج تدريس اللغة العربية بحصول متعلميها على شهادة التمكن من اللغة العربية كلغة أجنبية لأول مرة في أوروبا خلافا لما يحدث في مدارس ومعاهد معروفة، وستكون النتيجة مثلها مثل ما تم مع تعليم اللغة الإنكليزية من خلال نظام “توفل” المرجعي العالمي وتقدر تكاليف استثمار العملية حوالي 750 ألف يورو. وستستكمل خطة تعزيز اللغة العربية في معهد العالم العربي بمحور ثالث ينص على استضافة مثقفين معربين وترجمة منتظمة للمضامين وتطوير الانترنت باللغة العربية ومن المتوقع أن تكلف عملية هذا المحور حوالي مليونين وخمسمئة ألف يورو لمدة خمسة أعوام. وتنتهي خطة معهد العالم العربي بمحور رابع يتمثل في خلق فضاءات عصرية وجذابة لتطوير تعليم اللغة العربية، لأن القاعات الحالية غير كافية لاستقبال الوافدين وغير مزودة بوسائل تكنولوجية عصرية. ويتطلب تطبيق العملية الأخيرة من خطة تعليم وتعزيز اللغة العربية في معهد العالم العربي حوالي مليون وسبعمئة وخمسين ألف يورو.

* أخيرا ألا تعتقدون أن عليكم بذل مجهود لتعلم اللغة العربية التي تؤمنون بها وتروجون لها حتى يصبح مسعاكم أكثر فعالية ورمزية وصدقية؟

بعد أن ضحك مخففا وطأة اللقاء قال مازجا بين الجدية والهزل: “كنت أتمنى ذلك من صميم القلب، لكن أنتم تعرفون أن تعلم اللغات يكون فعالا في سن الطفولة والخبراء أكدوا ذلك ونحن نعمل في ضوء نظرياتهم. وأنا اليوم أبلغ من العمر 78 عامًا وأعاني من نقص في السمع”.

ضفة ثالثة

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى