جولان حاجيصفحات الثقافة

جثثٌ وعباقرة/ جولان حاجي

 

 

أفشتْ الكاتبة كوليت خوري، في حوارٍ متلفزٍ قديم، سرًّا لم يكن له بريقُ المفاجأة: “كان حافظ الأسد يكتب الشّعر”. قالت إن لديها نماذج من قصائِده التي قرأها على مسامِعها. هل كان متأثرّاً ببدوي الجبل؟

لم يكن مُستبعداً أن تُسمع في الصباحات الموحشة للمدارس والثكنات، أغنيةٌ لُحّنت من إحدى قصائد الأسد، مثلما غنّت ميادة الحناوي قصيدة مديحه التي كتبها الجواهري. غير أن طغاة عَرباً كالأسد رأوا في الشّعر، إذا التفتوا إليه، تسليةً وإنشادًا، أو ربما عدّوا أنفسهم مخضرمين أو من فحولِ الشعراء. الفصاحةُ قوّة، تعبيرٌ آخر عن السيطرةِ والتأديب في مدرسةِ الطغيان. لكن، قياسًا إلى ركاكةِ معظمهم في اللغة وهذيانات من قُتل منهم، مثل القذافي وصدّام حسين، لم يصدّقْ أحدٌ بالطبع إنهم كتبوا قصصًا وروايات وخطابات وأشعارًا. ليسوا يوسّا المرشّح إلى رئاسة البيرو، أو جيجك المرشّح إلى رئاسة سلوفينيا، فمثل هذه المعاصرة الحيّة، سقيمةٌ ولا يرصّعها ذهبُ الماضي العظيم.

واكبت ريادةُ الشّعر العربي نشوءَ الدول المستقلّة في المشرق العربي. نُظر إلى بعض رواد الحداثة، مثلما نُظر إلى الرؤساء أو الزّعماء الضبّاط، كأبناء ريفٍ وبداوةٍ. لنا تخيّلهم محمّلين بالأحقادِ والانتقامات، بوصولهم إلى المدنِ يقلبون الكراسي والطاولات، منتهزين فرصًا سانحة في الفوضى، ليظهروا ويغنموا الشّهرة وثمارها. كان الرّواد شبانًا أيضًا، حالمين متفائلين متطلّعين إلى الثورة والتغيير الذي بدا وشيكًا، أنبياءَ أو أنصاف آلهة انقلبوا على أسلافِهم الآلهة وأشاعوا قتلَ الآباء، وكان بعضهم آنذاك في عمرِ القذافي حين قادَ ثورة الفاتح من أيلول. كانت أحاديثُ تفجير اللغة تدور في بنايات بيروت، والسيارات الملغومة أثناء الحرب تنفجر في الشوارع. كان القَتلة يحرقون الأرض، والرّواد يستحوذون على المشهد، فأقصوا ونفوا ورعوا الشبّان وأخذوا بأيديهم، لأن الرّيادة سلطةٌ وزعامة؛ بأيدي الرّواد مفاتيح الشعر، وبأيدي الزعّماء “الوطنيين” مقاليد الحكم ومفاتيح السجون. هذه المقدرة على الإحاطة والشمولية والتبحّر والإلمام باللغات أحيانًا، أظهرتهم كالمرشدين، فطموحهم الكبير وهمتّهم العالية كالمتنبي لا تعرفُ حداً. حاضرون دائمًا وغزيرون وأجوبتهم ملقّمة. استُشهد بهم، اقتُبست أقوالهم كأقوال الحكماء والزّعماء حججًا تناقلتها الأفواه والأعوام؛ إنهم نماذج تُحتذى، ويُنتظر قولهم الفصل ليفرز “الغثّ من السَمين”، لكننا قد لا نجد في أعمالهم ما يطابقُ شعارات الحرية.

بُعثت ثقافة البيانات في أعوام الدمّ الماضية. كثيرون من الذين كُتبت البيانات من أجلهم صاروا تحت التراب في المستقبل القريب الأسود الذي وصلنا إليه الآن. تسلّلت لغتُها إلى القصائد والروايات، اللغة التي يتقاسم بلاغَتها الأعداء والخصوم، لأن الذّخيرة الهائلة لنُظم الاستبداد، لغويًا على الأقل، إرثٌ سمّمَ الجميع بدرجاتٍ مختلفة. لا تزال المشاريع “الثقافية” تُدشَّن، فيوضَع حجر الأساس وتبقى البناية شفّافة لأنها من هواء الكلام، لا شيء غالباً غير بؤس التاريخ يلي مسرحة البيانات التأسيسية التي أُلقيت في المحافل والملتقيات، حيث المكائد الصغيرة والنمائم وإفحام الخصوم واجتثاثهم معنويًا. أُلبست أسمالُ الثقافة للفزاعات. كثُر الدعاة والمدشِّنون والندّابون ولم يتقدّم شيء. كانت الوعود دعايات، وعاد الكلام المحنط والأفكار المفلسة أمام المأساة.

وصلَ الرّواد إلى مجدهم الشخصي، بعد أن عركتهم الحياة والمحن. فمن المستعدّ للتنحي عن المنزلة والحفاوة، بعد ما بُذل من الجهد والصبر والعذاب؟ تكرّسوا ولا يزالون طامحين إلى تجديد شبابهم؛ أهرامات علت ببطء ورسّخها الزمن، وبين الكثير من البشر اعتقادٌ بأن ما يستغرق الكثير من الوقت والدأب، لا بدّ أن يكون حقيقيًا أو مهمًّا وضروريًا. ولكن، مثلما رفعتِ الطغاةَ جيوشٌ وأحزاب وجماهير، رفع الرّوادَ إلى القمم، مثقفو المدن الصغيرة وقرّاء صحف مجهولون وشعراء مغمورون منسيون وطلبة جامعات وآخرون كانوا قاعدة كلّ هرم. أمام هذه الفكرة الهندسيّة، لن أسترجع قمم أبي القاسم الشابّي أو أسطورة سيزيف، بل طائرًا نادرًا لدى الهنود الحمر ،كان يضع بيوضه على سفوحِ الأهرامات، بيوضًا تكعّبت بمرورِ الوقت كيلا تتدحرج وتتهشّم، وإذا رآها الصيادون ساكنةً على المنحدر سرقوها، وسلقوها إلى أن تقسى ليلعبوا بها النرَد في الرهان، ثم يعتلي الرابح القمّة يومًا واحدًا فحسب، لأن حياة الإنسان قصيرة.

العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى