بشير البكرصفحات سورية

جريمة لندن… محاولة تشخيص/ بشير البكر

 

لا تختلف جريمة لندن الإرهابية التي نفذها داعشي، ظهر يوم الأربعاء، عن بقية الجرائم التي ارتكبها دواعش آخرون في بعض بلدان أوروبا خلال العامين الأخيرين، بدءاً من اعتداءات باريس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015. هناك ملامح مشتركة بين كل هذه الجرائم، أولها أن المنفذين من أصحاب السوابق الجنائية الذين أمضوا محكوميات في السجون، بسبب جنح أو جرائم سرقة أو متاجرة بالمخدرات، وتحول معظمهم داخل السجن إلى جنود في “دولة الخلافة” المزعومة التي صارت مصنعاً لإنتاج الجريمة والدمار الذي فتك بالحواضر العربية في سورية والعراق وليبيا، وأخذ يهدّد الحياة الاقتصادية والاجتماعية في تونس ومصر، كما أنه جعل من حياة ملايين العرب والمسلمين في أوروبا والولايات المتحدة جحيماً مفتوحاً.

كلما حصلت جريمة من نمط عملية لندن يدب الخوف والقلق في أوساط هذه الملايين، ويبدأ الدعاء كي لا يكون الجاني عربياً أو مسلماً، وقد كان ملحوظاً، في أوساط الجاليات العربية والإسلامية في بريطانيا، القدر العالي من الترقب، وهم ينتظرون المعلومات من الشرطة البريطانية عن هوية الجاني، وجاء إعلان الشرطة، ظهر الخميس، عن اسم الجاني، خالد مسعود، ليرفع من منسوب التوتر الذي لم يهدأ حتى صباح الجمعة، حين صرحت الشرطة البريطانية بمعلومات إضافية تفيد بأن منفذ الجريمة اعتنق الإسلام، وهو من جذور غير عربية.

نظرياً، لا تغيّر هوية الجناة في الموقف الرسمي للسلطات، ولكنها من الناحية العملية ذات تداعيات كبيرة، وقد ترجمت في سلسلة طويلة من الإجراءات والقوانين المشدّدة في أوروبا والولايات المتحدة، آخرها فرض حظر السفر على مواطني ستة بلدان، والذي سنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على الرغم من أن الولايات المتحدة بعيدة منذ زمن طويل عن العمليات الإرهابية التي تضرب أوروبا من جهة، وعدم ضلوع مواطني البلدان المستهدفة في جرائم الإرهاب العابر للحدود، وهي سورية، اليمن، ليبيا، الصومال، إيران، السودان، من جهة ثانية.

إزاء هذه الجرائم الإرهابية، هناك مفارقتان ملفتتان، وتستحقان التأمل فيهما ملياً. الأولى أن كل منفذي العمليات الإرهابية التي حصلت خلال عامين في أوروبا هم من مواليد هذه البلدان، باستثناء الإرهابي التونسي الذي دهس بشاحنته متسوقي عيد الميلاد الماضي في برلين. والمفارقة الثانية أن البلدان التي تعرضت للإرهاب هي من أكثر الدول استقبالاً للمهاجرين العرب والمسلمين، مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا، وتتميز بريطانيا، على الخصوص، بقوانين على قدر كبير من المرونة بصدد استقبال المهاجرين، وهي التي فتحت أبوابها للمضطهدين من الذين ينتمون للحركات الإسلامية على قدم المساواة مع الذين يتحدّورن من منابع فكرية وثقافية أخرى.

وتفاخر بريطانيا بهذه القوانين، وتعدّها من أسباب مناعة وقوة الديمقراطية على أرضها، التي يتساوى فيها الناس أمام القانون فعلاً وقولاً. وعلى الرغم من أن لندن تعرّضت إلى ضغوط من أجل تغيير قوانينها لتسير في ركاب التشدّد، ولكنها رفضت أن تخضع، حتى أنها لم تسلح الشرطة بالأسلحة النارية، ولم يصدر عنها أي رد فعلٍ يخلط الأوراق، كي يضع الإسلام أو المسلمين في موقع المساءلة عن هذه الجرائم الإرهابية. ومن القضايا المهمة التي تستحق الإشارة إليها أن بريطانيا كانت قد وزعت قبل يوم من العملية الإرهابية بمثابة دليل وخطة عمل “واضحة وقوية لمواجهة الإسلاموفوبيا”.

وعلى الرغم من استغلال اليمين العنصري للعمليات الإرهابية التي صارت نقطة القوة الوحيدة في برامجه الانتخابية، فإن النقاش الرسمي الأوروبي لا يخرج عن إطار فهم الحالة كما هي، حيث التسمية الرسمية غير المعلنة لهؤلاء المجرمين هي “منحرفون وزعران”. ومع ذلك، هناك مياه بعض وسائل الإعلام العربية صبّت في مجاري اليمين المتطرّف، حيث باتت تحرّض الحكومات الأوروبية على الحركات الإسلامية المعتدلة، كي تحظرها، بدل أن تنادي بالحرية للناس في العالم العربي، وعودة المنفيين إلى بلدانهم.

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى