مراجعات كتب

جيوسياسية الربيع العربي/ يحيى اليحياوي

 

 

ينتمي كتاب “جيوسياسية الربيع العربي”، للكاتب الفرنسي فريدريك إنسيل، لتلك العينة من الكتب التي لا تبحث مباشرة في الظواهر الجارية، من زاوية التاريخ أو علم الاجتماع أو علم السياسة أو الأنثروبولوجيا، بل من زاوية ما يسميه إيف لاكوست (الأب الروحي للمقاربات الجيوسياسية والجيوستراتيجية) بـ”تقاطع الحقول المعرفية”، حيث لا يكفي أن يقف الباحث عند الظواهر في آنيتها وتموجاتها، بل يجب أن يضعها في سياق أوسع، سياق ما يعبر عنه مؤرِّخ البحر المتوسط، فرناند بروديل بـ”الزمن الطويل”.

ولذلك فإن مقاربة أي نزاع -سواء داخل الدولة الواحدة، أو فيما بين الدول بعضها مع بعض- يجب ألا تكتفي باحتساب الكيلومترات المربعة، أو عدد السكان المسجلين، أو عدد براميل النفط المصدرة، أو حجم الترسانة العسكرية المتوفرة، بل يجب أن تسائل تمثلات الفاعلين المتدخلين في هذا النزاع، تسائل كيفيات نظرتهم للعدو، انتماءاتهم الهوياتية، طرق تعاملهم مع الزمن والمكان، أساليب تصرفهم زمن السلم وزمن الحرب، سلوكهم الفردي والجماعي، وهكذا.

في الآن ذاته، فإن هذه المقاربة تستوجب دراسة موازين القوى على الأرض، مع التركيز -مرة أخرى- على طبيعة التمثلات والتجاذبات الهوياتية الجمعية، التي تتجاوز المؤسسات والحدود، ومستويات التوازن (أو اللاتوازن) الاقتصادي والعسكري وغيرها.

وعلى هذا الأساس، فإن متابعة الكاتب لتموجات “الربيع العربي”، منذ انطلاق شرارته الأولى بتونس في العام 2010، وإلى حين تحوُّله إلى موسم خريف، إحدى سماته الكبرى الفوضى العامة والاقتتال الأهلي، وانسداد الآفاق، وانفجار الهويات والمذاهب والطوائف وما سواها، إنما تتطلع للوقوف عند هذه التوازنات وتلك التمثلات، في الحال كما في المآل.

وعلى الرغم من أن صاحب الكتاب يدّعي الانتماء لمدرسة لاكوست الشهيرة، فإنه لا يدعي الصفة الأكاديمية، على الأقل فيما يتعلق بهذا الإصدار، ولا يزعم أنه ركب المنهجية العلمية الصارمة لمقاربة ظاهرة الربيع العربي. إنه يقارب الظاهرة بنفس الطريقة، ولربما بنفس الأسلوب، الذي يعالج بها ظواهر أخرى بفضائية “فرانس 24” وإذاعة “فرانس أنتير”، حيث يُستدعى بانتظام للتعليق على الأحداث بصفته مستشارًا إعلاميًّا، ثم من بين ظهراني مجلة “الشرق الأوسط” الدورية، حيث يكتب فيها مقالات بين الفينة والأخرى(1).

لماذا هذا الكتاب عن “جيوسياسية الربيع العربي”؟ يتساءل الكاتب.

لأنه يؤرخ -برأيه- لهذا الحراك المطلبي الكبير الذي اخترق جزءًا كبيرًا من المجتمعات العربية (منذ ديسمبر/كانون الأول من العام 2010) كما لم يخترقها أي حراك آخر سابق، على الأقل منذ مرحلة الاستقلال السياسي التي جرت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

صحيح أن هذه المجتمعات قد عرفت انتفاضات دموية كبرى في السبعينات والثمانينات (انتفاضات الخبز في دول المغرب العربي الثلاث مثلاً؛ نتيجة الزيادات الرهيبة في أسعار المواد الغذائية الأساسية). وصحيح أنها أخمدت بقوة النار والحديد (المغرب 1981، تونس 1983-1984، الجزائر 1988… إلخ). لكن كل هذه الانتفاضات لم تعبر مع ذلك، عن ظاهرة بحجم وسعة وضخامة انتفاضات الربيع العربي، التي تزامنت مع بداية العشرية الثانية من الألفية الثالثة. إذ في ظل هذه الانتفاضات، أصبحنا بإزاء تحول في الطبيعة والدرجة معًا، ليس فقط من زاوية خاصية وعدد الفاعلين، ووحدة مطالبهم وأنماط تعبيراتهم، بل أيضًا على مستوى “النتائج السياسية والدبلوماسية والعسكرية” التي ترتبت عنها.

يقول الكاتب بهذه الجزئية: “لقد سمعنا: ابن علي ارحلْ، ثم مبارك ارحلْ، ثم القذافي ارحلْ، وأيضًا مطالب حول الحرية والعدالة والخبز… كل هذا مهم، لكنه لا يكفي للقول بأنه كان هناك جهاز مفاهيمي وأيديولوجي يتماهى مع مبادئ الثورة التي نعرف”. صحيح أنه كان هناك غضب شديد واحتقان أشد، لكن ذلك لم يوضع في إطار سياق أيديولوجي، يكون من شأنه أن يحيل على الثورة كحالة عامة تطاول بنية النظام وبنيان المنظومة(2).

وعلى الرغم من أن الانتفاضات الأولى (لفترة السبعينات والثمانينات) قد تم إجهاضها في المهد، فإنها تمثل مع ذلك “الخلفية التراكمية” التي حقنت حراك الربيع العربي، وجعلته مكمن انفجار كل الاحتقانات المترسّبة، التي تحوّلت من كرة ثلج متدحرجة إلى قنبلة شديدة الانفجار، أتت في ظرف أشهر معدودة على الأخضر واليابس بتونس، وكذلك مصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرهم.

لذلك فإننا نشاطر الكاتب الرأي هنا، عندما يعتقد أن “الربيع العربي لم يولد من عدم، ولم ينفجر كرعد في سماء بدون سحب. إذ منذ مرحلة الاستقلال، كانت الدول العربية مسرح العديد من الأزمات الداخلية والخارجية، وكان منسوب العنف فيها جِدَّ مرتفع، لا بل مبالغًا فيه في بعض الأحيان.

إضافة إلى هذه الآفات الثقيلة على المعاش اليومي لأكثر من 300 مليون نسمة، ينضاف تمثل الإهانة التاريخي المترتب على عقود من الإخفاقات المتتالية، لاسيما في وجه غرب متجبر وطاغٍ في كل شيء”.

وعليه، فإن الذي حدث، يقول إنسيل، إنما هي انتفاضات سلمية، لم تلجأ إلى العنف والعسكرة بالمرة، اللهُمَّ إلا في حالتي ليبيا وسوريا. من جهة أخرى، فإن المحرك لهذه الانتفاضات (سواء بمصر أو بتونس) كان محركًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا خالصًا، إذ على الرغم من أن نظامي ابن علي ومبارك لم يكونا محبذين أو محبوبين، إلا أن الذي أجَّج الانتفاضة بوجههما معًا، إنما غياب العدالة الاجتماعية وسوء توزيع الثروة، ثم استشراء الرشوة والمحسوبية والزبونية، واحتكار مصادر الريع، وحصره في المحيط الضيق الذي يدور بفلكهما أو يمشي في ركبهما. صحيح أن مصر وتونس لا يتوفران على الثروة التي تكتنزها ليبيا، لكن الإشكال بحالة هذه الأخيرة، هو إشكال سياسي بالأساس، مردّه اشتداد قمع الحريات وغياب دولة المؤسسات، لا بل غياب المؤسسات ذاتها، في ظل نظام استبد بالسلطة لأكثر من أربعة عقود، متجاوزًا بذلك وبكثير مُدد بقاء ابن علي ومبارك والأسد(3).

أزمة هوية ذات تداعيات جيوسياسية كبرى

ينقسم كتاب “جيوسياسية الربيع العربي” لفريدريك إنسيل، إلى أربعة فصول كبرى:

الفصل الأول: “عشية الربيع: عالم عربي بهوية متأزمة”.

الفصل الثاني: “طبيعة وأطوار الربيع العربي”.

الفصل الثالث: “الربيع العربي كاشف القوى العظمى”.

الفصل الرابع: “فرضيات وآفاق: نحو عدم الاستقرار المستدام”.

قد يطول الحديث كثيرًا لو كان لنا أن نقف عند كل فصل من هذه الفصول، ونستقرئ بالتالي من خلالها نظرة الكاتب لظاهرة الربيع العربي. لكن ثمة بعض الأفكار الكبرى التي ترد بهذا الفصل أو ذاك، إلا أنها تخترق الكتاب برُمَّته بحكم الطبيعة النسقية للظاهرة المعالجة:

1- أزمة الهوية

أول فكرة كبرى يتعرض لها الكاتب (بالفصل الأول وجزء من الثاني) في سياق ما قبل اندلاع انتفاضات الربيع العربي، تتمثل في “أزمة هوياتية” عميقة، لا تبدو الأزمات الأخرى، الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية أو المؤسساتية، إلا مظهرها الخارجي وتجلِّيها، لا بل ومجرد تعبيرها المادي.

إنها أزمة مركّبة، يقول الكاتب، لعدة أسباب، لعلَّ أعظمها على الإطلاق، عدم توفر قيادة كاريزمية من شأنها تأطير وقيادة الشعوب العربية، وتوفر جهاز عسكري ضعيف، ووقوف الغرب إلى جانب الحكام الديكتاتوريين والمتسلطين، لكن مقابل أن يعملوا على “تحجيم الإسلاميين والحد من الهجرة السرية”، التي تأتي من دولها أو عبر حدودها، كما هو الحال مع المهاجرين جنوب الصحراء، العابرين إلى أوروبا من تراب دول المغرب العربي.

صحيح “أن دعم بقاء نظام ديكتاتوري لاعتبارات تجارية أو استراتيجية، قد يتم تفهمه من الناحية الجيوسياسية، لكن دعمه تحت زعم أنه يحقق السعادة لشعبه، يطرح مشكلاً أخلاقيًّا حقيقيًّا”.

وعلى الرغم من أن شرارة انتفاضات الربيع العربي انطلقت من تونس، فإن فريدريك إنسيل لم يخصص لها حيزًا كبيرًا بالكتاب، بل اعتبر أن ما وقع في مصر، نهاية يناير/كانون الثاني من العام 2012، أكثر دلالة وقوة؛ حيث تخلت المؤسسة العسكرية عن حسني مبارك أمام مد الهيجان الشعبي، فاسحةً المجال واسعًا أمام العدوى التي طالت ليبيا واليمن وسوريا والبحرين وغيرها.

أما بالنسبة للدول التي لم تعرف انتفاضات مباشرة، فإن ثمة أسبابًا حالت دون ذلك -برأي صاحب الكتاب- ومنها: “قوة الملكيات البترولية، وكذا المغرب والأردن، القمع العلني لشيعة البحرين بمباركة واشنطن، رفض العودة للحرب الأهلية كما بالجزائر والعراق، استقرار المؤسسات اللبنانية، إلى جانب انشغالات أكثر آنية مرتبطة بالنزاع اللامتناهي مع إسرائيل في الأراضي الفلسطينية”.

لذلك يرى إنسيل أن ما ترتب على هذه الانتفاضات كان متباينًا؛ ففي حين عرفت تونس ومصر واليمن وليبيا انتخابات حرة أو فوضى معمّمة، فإن “سوريا بشار الأسد لا تزال -بفضل دعم روسيا والصين- تواجه وتسجِّل النجاحات في تقسيم معارضيها العسكريين” والسياسيين على حد سواء. وهذه حالة لا تزال أطوارها جارية لحد الساعة، ولا يبدو لها من أفق واضح يُذكر.

2- ذهول الغرب

ثاني فكرة كبرى تعرَّض لها الكاتب تتمثل في “الذهول” الذي انتاب الغرب نتيجة ما وقع، وتحميله جزءًا من المسؤولية للمخابرات التي لم تستطع توقع اندلاع هذه الانتفاضات، بهذا الحجم، وبهذه السعة، وبهذه الحدة(4).

لقد كانت ردود فعل الغرب، كما يقول الكاتب، متناقضة ومنعدمة التنسيق: “هنا نضرب بسرعة (ليبيا)، هناك ننتظر (سوريا)، هناك نساند الديكتاتوريين (تونس) قبل أن يتبين أنه الاختيار الخطأ”، وهكذا. بالتالي يبدو أن الربيع العربي “قد أعاد النظر جذريًّا في السياسة العربية لأوروبا وللولايات المتحدة الأميركية”، والتي كانت تنتهجها بالمنطقة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

وبقدر ما تفاجأ الغرب بما وقع في هذه البلدان، فإنه تفاجأ أكثر بصعود الإخوان المسلمين للسلطة(5)، ثم تعثر تدبيرهم للشأن العام، ثم الانقلاب عليهم من لدن العسكر، لتعود مصر من جديد إلى المربع الأول، مربع ما قام به الضباط الأحرار في يوليو/تموز من العام 1952.

ويزعم الكاتب، بهذه النقطة، أن “خيبة الأمل” التي تركها الإخوان المسلمون خلال فترة حكمهم، “لم تكن اجتماعية أو اقتصادية، بل كانت دوغمائية بالأساس”، وهو ما رفضته مكونات الدولة العميقة (بما فيها بقايا الموالين لحسني مبارك)، فأجَّجت الجماهير ضدها لحين إسقاطها.

3- تغيير التوازنات

ثالث فكرة وهي أساسية في هذا الكتاب، تأكيد إنسيل على أن الربيع العربي قد نجح -وإلى حد بعيد- في تغيير التوازنات القائمة بشمال إفريقيا وبالشرق الأوسط، والتي تم الاتفاق حولها (أو التوافق بشأنها) في أعقاب الحرب العالمية الأولى. بمعنى أن الغرب كان عمومًا راضيًا ومرتاحًا لوضعية شرق أوسط (والشرق عموما)، جامدًا، يقدِّم للعالم ما يحتاجه من نفط وغاز، ولا يتطلع للبناء عليها لإدراك مكانة سياسية متميزة.

إلا أن “زعزعة سوريا وليبيا والعراق، لاسيما مع إنشاء الدولة الإسلامية في العراق والشام، ستكون لها تبعات خطيرة. إن كل المنظومة التي تم وضعها بعد الحرب العالمية الأولى، قد انفجرت على مستوى الحدود التي تم رسمها باتفاقيات سايكس بيكو، لدرجة أن الشرق الأوسط قد بدأ يسترجع بألم كبير، الحدود الطبيعية بدون حضور الدول المصطنعة”.

المفارقة هنا، يرى الكاتب، أن الدول التي كانت تشكِّل أسس النظام الدولي (فرنسا وبريطانيا تحديدًا) قد عادت للمنطقة كدول وطنية، وليس كوحدات في تكتلات إقليمية. لا، بل إن فرنسا وبريطانيا قد بدآ يرسمان سياستهما العربية “الجديدة” بمعزل عن الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي. امتدادًا لذلك، يلاحظ الكاتب أن الأزمة السورية أعادت للواجهة “إمبراطورية روسيا” التي ترفض الإطاحة بنظام بشار الأسد(6)، تمامًا كما ترفض أن يكون للولايات المتحدة الأميركية موطئ قدم بأوكرانيا أو بالجمهوريات المتفرعة عن الاتحاد السوفيتي سابقًا.

بالتالي يرى الكاتب أن رهانات الدول الكبرى على منطقة الشرق الأوسط قد تغيرت (لاسيما وأن الحاجة إلى نفطها تراجعت)، وأنه لم تعد الجدوى كبيرة للاستثمار فيها، في ظل احتراب مذهبي حاد بين الشيعة والسنة، بات من المتعذر معه رسم الاستراتيجية المناسبة.

يقول الكاتب بهذه الجزئية: “من الناحية الجيوسياسية، بات الشرق الأوسط رهانًا ثانويًّا؛ لأنه بات خاضعًا لتمزقات داخلية، وعدم استقرار سياسي واقتصادي وترابي، طال بقوة السكان المدنيين”(7).

4- التمزق والثنائيات

رابع فكرة، ضمن الفرضيات والآفاق، يلاحظ الكاتب أنه سواء من الزاوية المؤسساتية الصرفة (مصر وتونس وليبيا واليمن) أو من الناحية الترابية (الصومال وفلسطين، مصر وتونس، العراق وسوريا)، فإن تمزقات هذه المنطقة من العالم ستكون هي القاعدة، وأن ملامحها الكبرى قد بدأت تتمحور منذ مدة حول ثنائية الصراع بين السني والشيعي، ثم بين “الإسلاموي والإسلاموي”، فضلاً عن باقي النعرات الأخرى ذات الخلفية الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الإثنية أو ما سواها.

أما بالنسبة للغرب، فإنه بات مطالبًا بوضع سياسة عربية جديدة، إذا لم يكن لمواجهة تداعيات الربيع العربي الجيوسياسية والجيوستراتيجية والأمنية، فعلى الأقل لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام(8)، والتي رفعت شعار التحدي كبيرًا في وجه الغرب، كما في وجه العرب والمسلمين على حد سواء.

جيوسياسية تعيد نغمة الاستشراق

قد يكون المؤلف محقًّا في العديد من الآراء والافتراضات، ومصيبًا في العديد من التوقعات التي قدمها في هذا الكتاب، لكنه مع ذلك يبقى من ضمن أولئك الذين لا ينظرون للظاهرة إلا من الخارج، فلا يتعدى تحليله المظهر، في تغيُّب أو استحضار جزئي للجوهر:

– فالكاتب لا يدرك أن نظام ابن علي قد طالته التعرية (لاسيما في السنين الأخيرة) من أمامه ومن خلفه، ولم يعد ينصت لأقرب حلفائه، حينما حذروه من خطر المرحلة، والحاجة إلى إعمال إصلاحات ولو شكلية لإعادة توزيع بعض من الثروة والسلطة. ولما كان الأمر قد تأخر كثيرًا، فإن حالة البوعزيزي لم تكن إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ سبقته حالات أخرى حيث أحرق شباب أجسادهم، ولم تتجاوب معهم السلطة، فما بالك أن يؤدي ذلك إلى انفجار “الانتفاضة” بوجه نظام الحكم.

– ثم إن المؤلف، في حالة مصر، لم يدرك بما فيه الكفاية، أن فشل حكومة الإخوان لم تكن مسألة دوغمائية فحسب، بل امتزجت بصلبها ترتيبات الخارج (الغرب كما العرب على حد سواء)، وحسابات منظومة الدولة العميقة التي أجَّجت بوجهها الإدارة والأمن والقضاء والإعلام والمؤسسة الدينية الرسمية وما سواها، حتى بات أصغر قرار صادر عن الرئيس المصري محمد مرسي، مثارَ مزايدة وطعن، لا بل رفضًا واستنكارًا، حتى وإن كان يستهدف المصلحة العامة.

– أما في حالة ليبيا، فيبدو أن المؤلف لم يستحضر حقيقة أن الذي جرى بليبيا كان مؤامرة حقيقية، لجرِّ ليبيا إلى حرب أهلية، تعيد البلد لنظام القبائل والإمارات. وقد عبر مسؤول سامٍ بمنظمة الاتحاد الإفريقي أن المنظمة إياها كانت على وشك إقناع القذافي بالتنازل عن السلطة، لكن أمين عام الأمم المتحدة أبلغ المنظمة إياها، يومًا فقط على تقديم مقترحها للقذافي، بأن “الوقت قد فات، وأن التدخل في ليبيا قد بات أمرًا مؤكدًا”(9).

– في حالة سوريا، يبدو الأمر معقدًا للغاية، إذ لم تكن بوادر “الانتفاضة” واردة بالمرة من بين ظهرانيها، لكنها اندلعت فجأة (بتأجيج خارجي معروف، ونفخ في نارها من الداخل مؤكد)، فتحولت بوتيرة متسارعة من انتفاضة شعبية سلمية إلى احتراب داخلي مسلح، ثم إلى عسكرة شاملة لمنطق الاحتراب، ثم إلى تمحور هذا الأخير حول جماعات وتنظيمات متشددة، باتت تنشد كلٌّ فيما يخصها، إنشاء دولة لها، خاصة بها على هامش الدولة/القُطْر! حتى بات الكل، بفتنة سوريا، مع الكل وضد الكل، فيما إسرائيل المجاورة تنتشي بالتفرج عن بُعد تارة، وبتأجيج الفتنة عندما تبدو لها أنها قد بدأت تخمد تارة أخرى(10).

ويبدو، بالحالات العربية مجتمعة، أن تقصير الكاتب في معالجة هذه الجوانب بالدقة المطلوبة، إنما مردّه عدم معايشته ميدانيًّا لمجريات الأحداث؛ ليتسنى له -على ضوء ذلك- وضعها في السياق الصحيح الذي اعتملت وتموجت من بين أضلعه. إن المؤلف اجتهد لاستيعاب تسارع الأحداث وتقديمها للقارئ عن بُعد؛ أي وفق ما يسمع ويقرأ، وليس وفق ما يعايش ويعاين. وهذا لربما ما يجعل كتابه كتابًا في تأريخ الأحداث السياسية والاجتماعية، تم تجميعها ثم ترتيبها وتقديمها، وليس بحثًا في الجيوسياسة أو الجيوستراتيجية كما يعرفها علم الاجتماع السياسي التقليدي، أو على الأقل كما يقاربها إيف لاكوست، أستاذ الكاتب والمشرف على أطروحته لنيل الدكتوراه.

__________________________________________________

* يحيى اليحياوي، كاتب وأكاديمي مغربي.

 

معلومات الكتاب:

الكاتب: فريدريك إنسيل.

الكتاب: جيوسياسية الربيع العربي.

الناشر: المنشورات الجامعية لفرنسا، باريس، أكتوبر/تشرين الأول 2014.

عدد الصفحات: 242 صفحة.

 

هوامش:

(1) على الرغم من اتكائه على مدرسة الجغرافي إيف لاكوست، أو أخذه العبرة من منهجية بروديل التاريخية، فإن الكتاب لا يبدو رصينًا من الناحية العلمية والمنهجية، بل يبدو كما لو أنه صيغ لغير المختصين؛ أي لغير العارفين بخبايا وخفايا الربيع العربي.

(2) يقبل الكاتب بعبارتي انتفاضة وحراك، لكنه لا يذهب لحدِّ نعت ما وقع بالثورة.

(3) إن مطالب انتفاضات الربيع العربي هي مطالب اجتماعية وسياسية، يمكن تسميتها بـ”البدائية” بنظر الكاتب؛ أي أنها لم تكن تتطلع لغير الحد الأدنى من الكرامة الاجتماعية والحرية في التعبير عن الرأي.

(4) ركنت المخابرات الغربية إلى فكرة مفادها أن المجتمعات العربية قد باتت قابلة وراضخة للنظم الديكتاتورية، وأنها بالتالي لا تستطيع المراهنة على التغيير.

(5) إن نجاح “الحركات الإسلامية” في مرحلة ما بعد الانتفاضات قد تأتَّى لها من الاستثمار فيما أغفلته السلطة؛ أي الاستثمار في الجانب الاجتماعي والخيري.

(6) يقول إنسيل: “لا أظن -ولو للحظة واحدة- أن الدول الغربية ستتدخل في سوريا، سواء في إطار حلف شمال الأطلسي أو من خارجه”.

(7) يعتقد الكاتب أنه لولا الحماية الأميركية والبريطانية لدول الخليج لالتهمتها إيران مجتمعة.

(8) لا يفوت الكاتب التذكير هنا بأن الجيش السوري هو جيش عقائدي، لو تم التعرض لقائده الأعلى، فإنه سيلجأ للخيار الأفظع؛ “أي خيار إحراق المنطقة برمتها، بما فيها الأردن وإسرائيل وتركيا والعراق… وهذا ما ستترتب عنه ردود فعل عسكرية من الصعب التكهن بمداها وبتداعياتها على حاضر ومستقبل المنطقة”.

(9) جون بينغ، “هل كان يجب قتل القذافي؟”، مجلة لوموند ديبلوماتيك، باريس، أغسطس/آب 2014.

(10) يمتلك بشار الأسد، بعيون الإسرائيليين، “ميزات من ذهب”. إنه من السهل توقع سلوكه، تمامًا كما كانت الحال مع والده الراحل.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى