صفحات الرأي

حتى لا يملأ التزييف فراغ الصحافة المطبوعة/ حسام عيتاني

 

 

ما تنشره وسائل الإعلام الأميركية من تحقيقات عن الدور الذي تؤديه “المصانع” الروسية في تدخلها المستمر في السياسات الداخلية للولايات المتحدة، هذه التدخلات التي لم تتوقف عند الإنتخابات الرئاسية في 2016، يدعو إلى الإعتقاد بعمق أزمة الإعلام عموماً وانتقال الدعاية السياسية من شكلها البسيط السابق الذي رافق الأنظمة الشمولية في النصف الأول من القرن العشرين، وشكلها المركب في النصف الثاني وساهم في انتصار الرأسمالية، إلى طور جديد يستغل الإمكانات التقنية التي تتيحها وسائط التواصل الاجتماعي بالوصول إلى أعداد كبيرة من الناس ما زالوا يعتقدون بصحة ما يقرأونه على شبكة الانترنت.

اختفاء الصحيفة الورقية التي كانت طبيعتها الملموسة تضيف إليها قيمة “الوثيقة” القابلة للاستخدام في السجالات ودحض الذرائع المتقابلة، أضفى نوعاً من المساواة غير المسبوقة على وسائل الإعلام. وبعدما تميّزت الصحيفة المطبوعة، أثناء الجولة الأولى من المنافسة مع الإعلام المرئي والمسموع الإلكتروني، بالقدرة على تغطية جوانب يعجز عنها التلفزيون والراديو اللذان تحد إمكاناتهما التقنية وضرورات تكثيف المادة للحفاظ على الوقت المخصص للبرامج والنشرات الإخبارية أكثر بكثير مما تفرضه الضوابط على الأحجام وعدد الكلمات في المادة المكتوبة وامتدادها على الصفحات، انتزعت مواقع الإنترنت ثم مواقع السوشال ميديا، هذه الميزة من الصحف الورقية وباتت على قدم المساواة معها.

فالتحقيق الصحافي الإستقصائي الذي كان لا يجد مكانا كافياً له على شاشة التلفزيون إذا أراد صاحبه التعمق في مسألة حساسة وتتطلب عرضاً لمعطيات متنوعة، كان من إختصاص الصحافة المطبوعة. كذلك مقال الرأي الذي يعالج قضية سياسية ذات جانب فكري أو ثقافي لا تتحمله الخصائص التي فرضها سوق الإعلانات على التلفزيون باعتباره أداة ترفيه وتسويق للإستهلاك وقيمه ومواقفه من الحياة، في المقام الأول. هذه الميزات التي تمتعت بها الصحافة الورقية باتت مواقع الإنترنت والتواصل الإجتماعي تنافسها عليها منافسة ضارية ذلك أن الشبكة منحت ميزة الوصول إلى الجمهور العريض لكل من يستطيع الدخول إليها وزودته بوسائل جذب انتباه الرأي العام، أو أجزاء منه، على نحو لم يكن متاحاً للأفراد قبل عقود قليلة.

هكذا أصبحت للسوشال ميديا بأدواتها المختلفة الميزات ذاتها التي كانت حكراً على وسائل الإعلام الكبيرة. أزمات الصحافة الورقية وبدايات أزمات البث التلفزيوني التقليدي ولحاق قسم متزايد من المعلنين بالجمهور إلى شبكة الإنترنت، شحذ حدة التواصل الإجتماعي المفتقر بدوره إلى الرقابة المهنية، وليس فقط السياسية، التي تحول دون نشر الأكاذيب والشائعات والخداع والتضليل أو ما يعرف بالـ Trolls (وتنطوي هذه الكلمة على ما يزيد عن التضليل إلى زرع الفتن والاثارة المتعمدة للنزاعات والإضطرابات).

الذهاب أبعد في متابعة هذه الظاهرة وربطها بالتغيرات التي تشهدها المجتمعات وفي الدول النامية وظهور أنماط جديدة من الإنتاج غير المادي بل وتحقيق بعض الأشخاص ثروات طائلة منه، إضافة إلى ما يبدو من أزمة في الحداثة الغربية وقيمها ومؤسساتها واستطراداً أدوات سيطرتها الثقافية والإيديولوجية وفي مقدمتها وسائل الاعلام التقليدي، فتح الباب عريضاً أمام ظاهرة “الأنباء الزائفة” والتضليل الذي رفعته إدارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى حيز العمل المنهجي المتكئ على مؤسسات ورؤوس أموال خاصة وحكومية وإلى سلاح في صراع روسيا لإستعادة موقعها السابق على الساحة الدولية.

لا يعني ذلك أن الصحافة أو الكتابة قد انتهتا، بل يعني أن تحديات ضخمة ارتفعت في وجهيهما وأن المعركة لكسب الجمهور ستكون أشرس وأعنف بأشواط من المعركة التي دارت بين الصحافة المطبوعة وتلك الالكترونية. في المرحلة الراهنة، الصحافة المكتوبة والمنشورة على الشبكة تتنافس على إرث سابقتها المطبوعة الورقية مع فيضان من التزييف والتزوير المبرمج.

وإذا كانت موسكو هي الأولى في اعتماد توجيه سياسات دول أجنبية بما يتلاءم مع مصالح روسيا العليا على ما قال المدعي العام الخاص في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية روبرت موللر، في حين تكتفي دول أخرى باقتحام  شبكات الدول المعادية وتخريبها والاستيلاء على المعلومات التي تحملها، فإن هذا الإتجاه نحو استخدام مصانع التضليل كجزء من الآلة السياسية والدعائية عند عدد من الدول التي لا تقيم وزناً للديموقراطية والعلانية، يمهد لبزوغ عصر “الوقائع البديلة” وليس فقط “الحقائق البديلة” القائمة على فكرة نسبية المعرفة والمساواة بين جميع وجهات النظر حتى لو كان زيفها وضلالها ظاهرين للعيان.

الوقائع البديلة تستند إلى القدرة على تحويل الأكاذيب إلى حقائق راسخة في عقول قراء ما تنتجه مصانع التضليل التي قد تحل مكان كل أنواع الإعلام ما لم تتدخل الحكومات أو قوى المجتمع لوقف تعميم التزوير من النوع الذي يجعل من شخص بخطورة وغباء دونالد ترامب رئيسا للقوة الأكبر في العالم.

درج

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى