صفحات الرأي

حداثة اختراعنا كعرب وأتراك وأكراد/ وسام سعادة

 

 

هنري لورنس مؤرّخ فرنسيّ شيّق وموسوعيّ وممتاز. مؤلّفاته مرجعيّة وكثيفة وعديدة، سواء ما تعلّق منها بالمسألة الشرقية أو بمسألة فلسطين. يبقى مع ذلك نصّ موجز ومفتاحي لم يتسرّب عربياً بعد، هو الذي يدرجه لورنس في الجزء الثالث من مجموعة دراساته ومقالاته المعنونة «شرقيات»، وتحت عنوان «اختراع العرب».

ما يقترحه أن «العرب» هم اختراع القرن الثامن عشر. طبعاً، هو يدرك ان تسمية «العرب» تناقلتها أجيال من التجمّعات البشرية منذ العصور الغابرة، لكنّه ينبّه الى انّ هذه الكلمة، ككل كلمة، يتبدّل معناها عبر التاريخ، وأنّ القالب الخطابي الذي يحكم استخدامها الى اليوم، هو ابن مفاهيم وتحولات القرن الثامن عشر.

فقبل «اختراع العرب»، كانت العروبة يُقصَد بها إمّا عروبة الأنساب، التي تحيل على تقسيمات قبلية سابقة للإسلام (عرب عاربة ومستعربة وبائدة، وقحطانية وعدنانية وربيعة ومضر)، وإمّا اللسان (المضري؟)، وإما ما يطلقه أهل الحضر على أهل البادية.

وعروبة الأنساب هذه، لم تكن لتختلف عن تركمانية الأنساب بالنسبة الى القبائل والعشائر التركمانية، أو عن كردية الأنساب بالنسبة الى القبائل والعشائر الكردية، وألفاظ كـ»عرب» و»ترك» كانت تحضر عثمانياً بمدلولات وظيفية اجتماعية، كأن تطلق صفة العرب على البدو، وصفة الترك على فلاحي الأناضول.

وينبغي الايضاح هنا، انه اذا كانت صفة الترك تطلق في تاريخ العباسيين على العسكر، فانه ما كان لها أن تطلق على عساكر السلطنة العثمانية المستجلبة نخبتهم من قرى مسيحية بلقانية أو قوقازية طبقاً لنظام «الدوشرمة»، فقد أدرك سلاطين بني عثمان باكراً خطورة حصر الجيش بعصبية الدم، وخطورة ابقائه كونفدرالية قبائل تركمانية مسلّحة، هذا في حين تأخر الصفويون في ايران في هذا الجانب وابقوا أمورهم العسكرية في صيغة كونفدرالية قبائل تركمانية مسلّحة وذات صبغة دعوية دينية، «القوزلباش».

لم تكن الطبقة الحاكمة في الدولة العثمانية «تركية» قبل عصر الاصلاحات، بل كانت منقطعة عن المجتمع الحضري، بطوائفه الدينية وطوائفه المهنية، وبمدنه وأريافه، وعن البنية العشائرية المترحّلة التي كانت نسبتها مرتفعة سواء في الأناضول أو في الولايات «العربية» من السلطنة. المادة البشرية لهذه الطبقة الحاكمة كانت تستقى، انتزاعياً، من مصادر بيولوجية منقطعة عن أصولها الأهلية والجغرافية، ومصهورة في ثكنات الدولة، ومعجونة بالانتماءات لهذه الطريقة الصوفية (البكطاشية خصوصاً) أو تلك. قلب العثمانيون الأطروحة الخلدونية رأساً على عقب: فبدل عصبية الدم التي تتحلّل كلّما أمعن الملك في العمران، اعتمدت انسلاخية الدم، وحافظ هذا النظام على ديناميته المدهشة لقرون طويلة الى ان انتهت صلاحيته في القرن الثامن عشر، وظلّ يكابر بعد ذلك لعقود اضافية، قبل أن يتمكّن السلطان محمود الثاني من تصفية «الانكشارية» في مجزرة «الواقعة الخيرية».

وبالعودة الى لورنس، ففحوى نموذجه التصوري أنّ السلطنة قبل عصر الاصلاحات (التنظيمات) كانت ككل ممالك النظام القديم في اوروبا والعالم تنتظم وفقاً لتراتبية وظائف اجتماعية داخلها، وهذه التراتبية لا يمكن أن ينتج عنها تشكّل اثنيات تستقلّ فيها كل واحدة بحيثيتها الثقافية وسردياتها ومعاشها. «التركي» في الأناضول كانت تعني وظيفة اجتماعية: فلاح. حين كان يستخدم هذا اللفظ في استنبول نفسها بين اثنين يتكلمان باللغة التركية، فكان لدواع تحقيرية (حتى وقت متقدم من القرن التاسع عشر). العرب والأكراد وسائر التشخيصات الأخرى لا تشذّ عن هذه القاعدة.

الفارق الأساسي بين النموذج السلطني العثماني وبين النماذج الأوروبية ما قبل الحديثة كان في مكان آخر: في كون النموذج العثماني «حداثة سابقة لأوانها»، حيث تستقى آلة الدولة، انكشارييها، من «خارج المجتمع»، من خارج من لهم وظائف اجتماعية يتوارثونها في المجتمع.

النقلة الى العصر الحديث ستفرض تعطّلاً في آليات هذا النموذج. لن يعود ممكناً الحفاظ على نظام سياسي واجتماعي الطبقة الحاكمة فيه لا تنبثق من المجتمع العثماني نفسه، ومن الشرائح الحيوية والصاعدة فيه. ولم يعد ممكناً في المقابل، أن تحافظ هذه الشرائح على مكانها في التراتبية الاجتماعية دون أن تسعى لتحديد «قومها»، وتلبيس أنسابها «شعباً».

وهكذا، تحوّل العرب من «نسب» الى «قوم»، كذلك الأتراك، كذلك الأكراد. وكل تحوّل كانت له تناقضاته والتباساته وتداعياته. هذا التحوّل بالنسبة الى العرب تحقّق من خلال مصنع المعرفة الغربية الحديثة. فحين توسّع المؤرخون الاوروبيون في القرن السابع عشر وصار همّهم التأريخ للسلالات الحاكمة على صعيد عالمي، كان للسلالات الحاكمة العربية مرحلتها التي اعقبتها السلالات التركية. وحين انتقل المؤرّخون الاوروبيون من تاريخ السلالات الحاكمة الى تاريخ الشعوب، صارت المكانة المحجوزة للسلالات الحاكمة العربية مكانة موسّعة للشعوب العربية. المجهود الاستشراقي أمّن مادّة هذا الانتقال. جرى الحديث عن «حضارة العرب» كما عن الاغريق والرومان قبلهم. جرى اختراعهم كشعب، وجرى ادراج عربية الأنساب، وعربية اللسان والدين، في هذا الاختراع. ثم أتت الثورة الفرنسية فقسّمت المجتمع الفرنسي بين درجتين زائدتين دوديتين ينبغي تصفيتهما، النبالة والاكليروس، ودرجة ثالثة صُيّرت هي «الشعب» الذي تُشرّع له الحقوق، فأسقط الأمر نفسه على الفضاء العثماني، خصوصاً في خطاب الحملة الفرنسية على مصر: فجرى التعامل مع الدولة العثمانية كـ»استبداد عسكري تركي» وصارت «الدرجة الثالثة» التي ينبغي تحريرها من النير العثماني، هي العرب أو المصريين أو اليونانيين أو الأرمن أو الكرد.

عملية «اختراع العرب» في القرن الثامن عشر كانت مركبة اذن، ولو أن الاستشراق الغربي هو الصمغ الأساسي الذي استجمع عناصرها. كذلك عملية اختراع القوميات الأخرى الخارجة من الزمن العثماني المديد. مع فارق: في المجال البلقاني كانت «الكنيسة – الملة» هي المدخل لظهور «القومية» و»الدولة القومية». في المجال التركي – العربي – الكردي لم يكن ذلك ممكناً. توهّمت الجماعات هنا أنها موجودة قومياًً منذ كل وقت، وهذا الوهم ما زال الى يومنا يحصر الخيار بين شوفينية قومية وبين عدمية قومية.

الهويات القومية للشعوب العثمانية ذات الغلبة الاسلامية ليست هويات وهمية، لكنها هويات «مخترعة» في زمن تعطّل النظام العثماني التراتبي الفضفاض القديم، وهي كلّها تشكّلت في مرحلة واحدة، ولو باشكاليات وصعوبات مختلفة. تشكّلت؟ أم هي طور التشكّل؟ أم هي بين تشكّل وتحلّل؟ علامات الاستفهام هذه لا جدوى منها طالما استمرّت المكابرة على «حداثة اختراعنا» كـ»عرب وأتراك وأكراد».

٭ كاتب لبناني

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى