صفحات العالم

حماية الأقليات الذريعة القديمة المتجددة


مأمون كيوان

تشكل مسألة حماية الأقليات الدينية وغير الدينية في سوريا هاجساً لدى الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي وخارجه. وللمفارقة إن هذه الدول نفسها لم تقدم حلولاً ناجعة للأقليات الدينية والقومية فيها، ما أفضى الى نشوء حركات انفصالية فيها. ففي الصين هناك حركة الدالاي لاما والمسلمين الايغور؛ وفي روسيا الاتحادية هناك قضية الشيشان؛ وفي بريطانيا هناك مسألة استقلال اسكتلندا؛ فضلاً عن مسائل اندماج المهاجرين في فرنسا والمهاجرين اللاتينيين في الولايات المتحدة الأميركية.

وقد قدّم بعض أعضاء مجلس النواب الأميركي، أخيراً، مشروع قانون لإدانة العنف الموجّه ضد الأقليات الدينية الضعيفة في سوريا، ويدعو مشروع القانون الإدارة الأميركية للاهتمام بأمن وسلامة هذه الأقليات، وأحيل القرار إلى لجنة الشؤون الخارجية بالمجلس.

ويشير المشروع إلى ازدياد العنف ضد الأقليات والطوائف الدينية في سوريا منذ بدء الاحتجاجات ضد النظام السوري في مارس 2011، واجتياح الربيع العربي جميع دول المنطقة. وذكر في مشروع القانون أن العنف المتبع من قبل النظام السوري ضد الأقليات الدينية، أدى إلى التشريد الجماعي للأقليات الدينية المقيمة في المدن السورية الكبرى ذات التنوع الديني في حلب ودمشق والمدن الصغرى مثل حمص وحماة.

ويفيد التقرير أن الأقليات – مثل العلويين والأقليات المسيحية بجميع طوائفها الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، وأقليات أخرى صغيرة من الشيعة والدروز والجالية اليهودية- تشكل 30% من سكان سوريا البالغ نحو 25 مليون نسمة، 70% منهم مسلمون سُنَّة.

ويتناسى معدو مشروع القانون أن اليهود الباقون في سوريا حالياً لا يشكلون أقلية بالمعنى الحرفي للكلمة، بل مجموعة أفراد قد لا يناهز عددهم 100 شخص. لكن أقرانهم يهود سوريا المتواجدين في إسرائيل يترقبون ما يجري في سوريا، وما ستسفر عنه المطالبة بنظام جديد يمكن التعويل عليه بحسب اعتقادهم، لاستعادة ما وصفوه بـ”الإرث اليهودي” الذي تركوه في سوريا قبل هجرتهم إلى إسرائيل. وإن عدد اليهود من أصل سوري في الولايات المتحدة الأميركية يقارب 100 ألف نسمة، هاجر قسم منهم من سوريا نتيجة ضغوط أميركية على الحكومة السورية، وليس نتيجة وجود مسألة يهودية في سوريا.

ويشير معدو مشروع القانون إلى أن الأقليات المسيحية واليهودية تفتقر إلى أساليب لحمايتها من أي خطر، حيث أن هذه الأقليات الدينية عرضة للضغوط من جميع أطراف الصراع، وتعرّضت لهجمات انتقامية، وخطر التشريد والتهديد العرقي، نتيجة الاشتباه في تحالفهم مع أيٍّ من أطراف الصراع وإثارة العنف. وقد غادرت الأغلبية العظمى من سكان الأقلية المسيحية في حمص المدينة بسبب التهديدات الأمنية لهم وترويعهم. بينما أمر المسيحيون في بلدة القصير بالمغادرة من خلال مكبرات الصوت في المساجد.

وطالب معدو مشروع القانون وزيرة خارجية الولايات المتحدة بعقد مناقشات مع الجماعات المعارضة السورية، وتعهد بالالتزام بحماية حقوق الإنسان لقاء الحصول سوريا على مساعدات في المستقبل.

كما شدّدت موسكو، على ضرورة ضمان حقوق جميع السوريين قبل البدء بالتفكير في تغيير النظام. وقال مرات عدة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن “بشار الأسد يعد شخصية تضمن أمن الأقليات التي تقطن سوريا، بما في ذلك الأقلية المسيحية. وحتى حسب أكثر التقديرات تحفظاً التي يوردها أصدقاؤنا الغربيون في اتصالات خاصة معنا، فإن ما لا يقل عن ثلث السكان لا يزالون يؤيدونه، باعتباره شخصية دعت إلى عدم السماح بأن تتحول سوريا إلى دولة لا يمكن للأقليات أن تعيش فيها”.

وكان نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف قد دعا إلى اجتماع يضم “كل ممثلي تيارات المعارضة وقوى النظام، في موسكو أو في واشنطن أو نيويورك أو أي مكان آخر، مع ممثلي وسلطات مختلف الطوائف من سنة وعلويين ومسيحيين وغيرهم، وليتفقوا كيف ينظمون مستقبل البلاد، وكيفية تعهد مصالح الآخرين واحترامها، عبر دستور الدولة أو غيره”، في صيغة تشبه إلى حد كبير اجتماع الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية.

وفي الفترة الأخيرة، أكد وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ بعد محادثات مع وفد المعارضة السورية على أهمية احترام حقوق الأقليات والالتزام بمستقبل ديموقراطي لسوريا واتخاذ موقف من “التجاوزات والعنف والاغتصاب” الذي يرتكبه النظام، وذلك كشرط مسبق لدعم المعارضة.

ويشير تاريخ التدخلات الخارجية في المنطقة العربية على خلفية المسألة الشرقية ومنذ نشوء دور القناصل في حماية الأقليات وفرض نظام الامتيازات إلى أن القوى الامبراطورية الخارجية عملت على تأجيج النزاعات في المنطقة وكرست شعار “فرق تسد” خدمة لمصالحها وأطماعها.

وراهناً، تطالب قوى الأكثرية بضمانات لحماية حقوق الأقليات، وهي تدرك أن سيادة الديمقراطية كمنهج لحل مشكلات المجتمع العربي، هو الضمانة الرئيسة لحماية حقوق جميع المواطنين على اختلاف قومياتهم وأديانهم وطوائفهم. فالمواطنة الحقّة التي تفترض إلغاء الاستغلال لا المواطنة الشكليّة هي المواطنة الفعلية الضامنة لمدنية المجتمع.

أخيراً، ينبغي التذكير أن القارة الأوروبية بشطريها الشرقي والغربي كانت الحاضنة الطبيعية للمسألة اليهودية التي أنتجت حلين لها هما: الحل النازي (القضية) والحل الفرنسي (الاندماج) وثالثهما الحل الصهيوني. وهي حلول تجاهلت حقوق الإنسان وكرامته وآدميته تجاهلاً تاماً.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى