صفحات الرأيعلي العبدالله

حوار في التاريخ والأسلاف/ علي العبدالله *

في حديث مع صديق سلفي حول واقع المسلمين وخياراتهم للخروج من تخلفهم وانحطاط مجتمعاتهم، أعاد عليّ مقولة الاقتداء بالسلف الصالح «الذين كانوا رهباناً بالليل وفرساناً بالنهار ففتحوا الشرق والغرب وسادوا العالم»، وربط تفوقهم بالتزامهم بالقيم الاسلامية والأخلاق التي تربوا عليها على يدي النبي (عليه الصلاة والسلام).

قلت له: أخشى اننا نبالغ في تقييمهم الى درجة تحويلهم الى ملائكة وهم بشر يصيبون ويخطئون، وان نظرة موضوعية الى سلوكهم وممارساتهم تجعلنا نخرج من تحت هيمنتهم على عقولنا ووجداننا، وبالتالي تحررنا من حضورهم الطاغي في حياتنا وتفتح لنا طريق التفكير الحر والمستقل بوضعنا الراهن بواقعية، فنضع تصورات خاصة بنا في ضوء ثقافتنا وثقافة العصر ومعطياته العلمية والسياسية علّنا ننجح في الخروج من المستنقع الذي نعيش فيه منذ قرون، وأخشى ان يكون فشل محاولات الخروج السابقة راجع الى نظرتنا الى تاريخنا وأسلافنا وسعينا لإعادة انتاج تجربتهم في ضوء اعتقاد خاطئ انهم أنموذج كامل وصالح لكل زمان ومكان، متجاهلين المعطيات والظروف التي نعيش تحت وطأتها؟

قال: انت هكذا تثير حولهم شبهات، فهل من مآخذ على أخلاقهم ونزاهتهم؟

قلت: ليس انا من يثير الشبهات حولهم بل ما ورد في كتب التاريخ. فالذي حصل وجمعه مؤرخون مسلمون يشي بالكثير. يكفي ان ثلاثة من الخلفاء الراشدين الاربعة ماتوا قتلاً، وان عدد من قتل في موقعتي صفين والجمل جاوز خمسة عشر ألفاً قتلوا بسيوف مسلمين، وفيهم عدد من صحابة النبي (عليه الصلاة والسلام)، ناهيك بالذين قتلوا في حروب علي بن ابي طالب ضد الخوارج وحروب بني امية ضد ثورات الشيعة، وجرائم الحجاج بن يوسف الثقفي وخالد بن عبدالله القسري وزياد بن ابيه، ولاة بني امية في البصرة والكوفة، وضحاياهم بالآلاف.

قال: لكن ذلك لا يلغي عظمة التجربة وعظمة اسلافنا.

قلت: نحن ننظر الى أسلافنا كقدوة ونسبغ عليهم الكمال، تحت ضغط فشلنا وعجزنا عن النهوض كنوع من التعويض النفسي، ونحولهم الى أنموذج كامل نريد اقامته من دون اعتبار للزمن والمتغيرات وإمكانية تحقيق نتائج تماثل ما حققوه في ايامهم، ونتجاهل الاسباب الموضوعية التي جعلتهم ينجحون ثم يفشلون (الانكى اننا لا نعترف بأنهم فشلوا) ونربط نجاحهم بأسباب غير صحيحة، مثل تفوقهم الديني والأخلاقي وننزههم من الخطأ ونربط انجازات الحضارة الاسلامية بسلوكهم الديني والأخلاقي، وننسى أنهم فشلوا في مواصلة التقدم والنجاح مع بقاء البعد الديني والأخــلاقي قــائماً، وأنــهم لم يكونوا ملائكة ولا أنبياء.

قال: لكنهم قهروا امبراطوريات وفتحوا اغلب العالم القديم.

قلت: هذا صحيح ولكن له اسباباً موضوعية. فالإمبراطوريات التي تتحدث عنها كانت قد شاخت ونخرها الفساد ودخلت في طور انحطاط، ناهيك عن سوء علاقاتها بمواطنيها بسبب الظلم والقهر المديد على ايدي ملوكهم وولاتهم، ولما نهضت قوة فتية ومندفعة لنقل الرسالة الاسلامية الى العالم بما تحمل من وعود بالحرية والعدل والمساواة نجحت في هزيمة هذه الامبراطوريات وفي استمالة شعوبها فدخلوا تحت سلطانها.

قال: وهل تم ذلك دون الصفات الدينية والأخلاقية لأسلافنا؟

قلت: انا أميز بين عموم التجربة وسلوك الأفراد في ثناياها، ولا اعتقد ان دور صفات الأفراد الدينية والأخلاقية، من دون انكار الاضافة الايجابية التي تحصل بفعل هذه الصفات، هو سر نجاح التجربة، بل القدرات والخبرات والجهد والظروف الموضوعية السائدة، ولنا في تصرف عمر بن الخطاب عبرة كبيرة: فقد استعمل ولاة على خلفية سابقة الاسلام والإيمان، منهم عمار بن ياسر على الكوفة وسلمان الفارسي على المدائن وبلال الحبشي على الشام، ولما فشلوا في ادارة هذه الولايات عزلهم وولى قرشيين امويين ممن خبروا الحياة والتعامل مع مجتمعات متعددة ومتباينة وظروف متغيرة، وتصرفه مع النصراني أمرئ القيس بن عدي بن أوس، سيد بني كلب، الذي جاء اليه وأعلن إسلامه، فعقد له في الحال على قبيلة قضاعة في الشام، وليس للرجل سابقة في الاسلام ولكن له سابقة في الزعامة والإدارة والسمعة الطيبة. فالنجاح مرتبط بشروط موضوعية عامة، وتوفر هذه الشروط الموضوعية جعل التجربة الاسلامية تتفوق على محيطها آنذاك ثم تغيرت الشروط فبدأت تتعثر وتتآكل ايجابياتها بتغير الظروف والمراحل، ففشلت في مواصلة التقدم والانجاز قبل ان تنهزم في مواجهة الخارج.

فالأفراد يخطئون ولكن أخطاءهم لا تحدث أثراً كبيراً اذا كانت الشروط العامة إيجابية وتلعب لمصلحة التجربة، لكن آثار هذه الأخطاء تظهر عند حدوث التراجع والدخول في طور الضعف، وما يزيد الاوضاع سوءاً في حالتنا اننا ننكر حصول أخطاء ونعتبر تجربة اسلافنا كاملة ومنزهة من الشوائب ومعياراً نقيس عليها واقعنا ومستقبلنا، ومشكلتنا الراهنة اننا نعتبر نسخ تجربتهم وصفة اكيدة للنجاح من دون ان ندرسها بعمق وندقق في الأسباب والظروف التي أحاطت بها وسمحت بتحقيق نجاحها والأسباب التي قادت الى فشلها لاحقاً ونأخذ الموقف المناسب.

* كاتب سوري

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى