صفحات العالم

حيث غاب الاصلاح وبانت بواكير أزمة نظام

 


نسيم ضاهر *

حين إعداد إعلان بيروت – دمشق/ دمشق- بيروت غداة خروج الجيش السوري من لبنان، كان القصد الرئيس تنقية العلاقات بين جارين شقيقين وارسائها على قاعدة الاحترام المتبادل. ولم يكن السعي المدني ذاك إلا لتوكيد ثورة الشعبين على تخطِّي حقبة عصيبة وترميم ما انقطع من تواصل أدَّى، في ما أدّى إليه الى ظنون وشكوك على خلفية ممارسات قهرية وقمعية كادت ان تطيح بالأخوّة والمعاني الانسانية.

ذيِّل الإعلان بتواقيع عشرات الناشطين اللبنانيين والسوريين، ولقد أصرّ النظراء في دمشق على تدقيق النص تكراراً، يحمله مراسلون جيئة ورواحاً من بيروت الى العاصمة السورية بعناية وتفكر في التبعات بعد أن خبروا أفول ربيع دمشق، الى حدّ إغاظة البعض منا الذي خامره السؤال عن مغزى التأخير، وربما التسويف.

ولكم كان أهل الشام على حق، اذ حالما صدر الإعلان، سارعت السلطات السورية الى تجريم أصحاب الشأن، توطئة لحملة اعتقالات وتضييقات طاولت غالبهم وأودعتهم المحاكم والسجون. وتلك سالفة البارحة، عندما طوي منهج الاصلاح المعلن، وانتهت، عملياً، فترة السماح المعطاة للقادم الشاب على رأس السلطة. مذ ذاك أضحى المسار الرسمي مزيداً من الإغلاق، بحيث استنفد المساحيق والمهدئات، وآل الى مؤثرات صوتية إقليمية الصدى، ومعوَِّقات أيعنت في العزلة، وأنهكت تحديث الاقتصاد، فيما ضاقت حلقة المنتفعين بنعم افتتاح تحدّه السلطة وتحدده، واستبقيت أوسع شرائح المجتمع بلا موارد كريمة ولا شبكة أمان. فلا غروْ أن محبسة نظام أراد لنفسه المراوحة في المكان، والقهقرة في ميدان حقوق الناس والانسان السياسية، قد تحوَّلت ولاّدة أزمات متلاحقة. اليوم، بات النظام أسيراًَ بدوره، يحتجزه من صنعهم درعاً له علّه يفي بوظيفة السلطة العارية، ولربما أحاطَ مربع حديدي بالقيادة، معانقاً إياها الى درجة الاختناق.

ليست الأحداث الكبرى مجرّد تردّدات لبيان نخبوي وإعلان مرصوف بأحلى التمنيات. هي وقائع تكتب راهناً بالدم في الحواضر والأرياف، على مساحة قطر سوري حُرِمَ من مدلول الدولة وكفاية الوطن الجدير بالاعتناء، فما أشبعت سياسة العظمة نَهم جيل باحث عن منجزات وفرص عمل، ولا قضت وثائق حزبية على مجاعة وجفاف.

راكمت دائرة النافذين الأخطاء البائنة في معظم المجالات، وغدت جعالة الاستقرار المقبولة في زمن مضى أتاوة تنتزع من شحيح مخزون ورصيد، والعامة طوابير عاطلة عن العمل، وموجات نازحة تحطّ الرحال في لبنان، لتلف ظروف مأسوية العيش والحريات. بذلك اجتمعت توابل الاحتجاج والانتفاض، وصار المسير فعل مقاومة ومعلم فخار، طالما واجهه قمع وجهاز أمن ورصاص، فانتقلت وقفة الكرامة عدوى أخذت تقترب من الدفاعات والأسوار، لا معين لها، من جانب دعاية متهالكة فقدت صدقيتها سوى رشقات التخويف ومطالعات شكوك في أمر الموكلين بها، تزين المأساة وتفرش الورد لإخفاء الدماء.

ستأتي ساعة الحواصل، وهي ما زالت بعيدة المنال، إنما متوقعة مقرؤة ظاهرة في كتاب التاريخ الحديث. الجاري سورياً ينتمي الى معهود انتفاضات، علاجها الممكن صدمة اصلاحية نظير المقترح من أردوغان، الأمر المفتقد لغايته، والمستبعد لتمادي القمع، مؤشِّر الطريق الخطأ، وسقوط الضحايا يومياً بالعشرات. الكل يعلم، وبالشواهد، أن اسلوب المواجهة بالحديد والنار، لن ينجب سوى المزيد من التأزم والنزاع البطيء وانسداد الأفق سياسياً واقتصادياً على السواء. إن تصميم الانتفاضة قد تخطَّى مرحلة الخوف والتردد، فما عاد يعوزها إقدام وإقبال على التعبئة في الميدان. ولئن طُرِحَتْ أسئلة مشروعة حول هوية المعارضة وأحجام أطيافها، ستأتي الاجابات تباعاً، بدءاً باجتماع أنطاليا الذي يشكل اطلالة أولى تحاكي الداخل والمجتمع الدولي في آن. من هذه المحطة ينطلق قطار التحوّلات على وقع الحراك الداخلي المستمرّ، المخضّب بالدماء. ومنها، تنقلب سطوة الأجهزة فزَّاعَة لا جدوى من التلويح بها والتهويل بذراعها وراء الحدود.

مرَّت سنوات ساد الصمت فيها سورية، حتى لخُيِّلَ أن المجتمع الصابر فقد إمكانية الاستنهاض، فجاءت الأحداث مختلفة، واشتدّت الانتفاضة على غير محتسب. الصحيح، ان عوامل الاسكات والتطويع معطوفة على الضائقة الاقتصادية، اقترنت بظلامة مديدة رافقها شيوخ النظام، ما جعل كمّ الغليان مقدمة احتقان عميق أنجب تغييراً نوعياً غير مسبوق. وحيث جرى التعتيم المتواصل على مجريات الحياة في الداخل، بدا السكون والانصياع مثابة حال مجتمعية راكدة ، إلى أن طفح الكيل. ولقد بان أن المعارضة السورية التي استهان النظام بها، عانت أيضاً من سوء تقدير الديموقراطيين لكيانها وحضورها، فأثبتت أن أهل مكة أدرى بشعابها، وما جانبت الصواب، فتغلَّب التاريخي على الظرفي، وكان الظاهر من هتاف وتصفيق واستفتاء معلوم النتائج سلفاً شبيه السراب.

* كاتب لبناني

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى