صفحات سوريةمازن كم الماز

خطاب الأسد : أنا أو الحرية

 


مازن كم الماز

الحقيقة أن بشار الأسد كان واضحا جدا , و هذا الوضوح في نفس الوقت ليس إلا نتاج خيارات محدودة جدا أمامه , إن الآمال التي خيبها خطابه هي آمال لا مكان لها في الواقع , ففي الواقع ليس بمقدور بشار أن يصلح أي شيء في سوريا , أكثر من الزيادة المتواضعة التي حاول بها رشوة السوريين التواقين للحرية و الكرامة , يتحدث البعض عن أنهم قد فوجئوا بتصرف بشار الأسد كطاغية عادي مستعد لإراقة الدماء بطريقة وحشية ما أن يشعر أن شعبه قد بدأ يفكر جديا بشيء اسمه حرية , لكن بشار الأسد كان في الواقع قد تحول من مجرد طبيب عيون , من مجرد ابن لطاغية , يتمتع بالامتيازات التي يقدمها له مثل هذا الانتساب لطاغية سوريا لثلاثة عقود إلى طاغية حقيقي , عادي , يتصرف كما يتصرف أي طاغية آخر , لقد وصل بشار إلى السلطة بتوريث صريح من والده , جرى التحضير له في حياة الأب و نفذ بطريقة كوميدية لا تتناسب و جلالة المصاب بفقد الأب المؤسس , عبر مجلس شعب شكلي و عبر استفتاء شكلي , و أعاد هو و حاشيته انتخابه مرة أخرى بطريقة كوميدية أيضا , لم ينتخبه أي سوري و هو لا يزعم أنه جاء عبر انتخابات حرة , و هذا كان حال والده من قبل , لكن ليست هذه كل القضية , لكن إذا أردنا ان نختصر فيمكن القول أن الطريقة التي وصل بها بشار إلى الحكم و التي يواصل من خلالها حكمه لسوريا هي بالتعريف ما تسمى بالديكتاتورية , أي سلطة مستبدة تفرض نفسها على الناس بقوة القمع , يستمر بشار في السلطة اليوم لأنه يملك نصف مليون مخبر و عنصر مخابرات مخولين بصلاحيات مطلقة لمواجهة أي خطر مفترض أو حقيقي , قد يتعرض له النظام , و بطريقة وقائية أو استباقية , و أيا كان الثمن الذي قد يدفعه السوريون , هذا الواقع يمكن إصلاحه بطريقة واحدة فقط , لا يتطيع بشار الأسد أن يعد بها أو حتى أن يتحدث عنها , و هي أن يتغير النظام كله بصورة جذرية , أيضا فإن بشار يتصرف بشكل مباشر و غير مباشر عن طريق أفراد اسرته بمعظم الثروة الاجتماعية اليوم في سوريا , بشار لم يحصل و أفراد أسرته على هذه الثروة إلا من خلال ماكينة الفساد و من خلال آليات الاستيلاء على الثورة العامة , لا يملك بشار اليوم أن يصلح ماكينة الفساد هذه و لا آلياته التي يمارسها هو و نظامه , هذا الأمر لا يمكن إصلاحه أيضا إلا بطريقة واحدة فقط , هي تغيير كلي للنظام , الرجل كان واضحا , قال , كما ردد ذلك أبواق إعلامه , أنه لم يخضع يوما للشعب السوري , و انه لن يفعل ذلك الآن أيضا , منطق نظام الأسد كما أي نظام استبدادي أن الشعب يخضع للنظام و ليس العكس , إنه يقبل فقط أن يأتي بعد الله و سوريا فقط بشكل اصطلاحي , لا معنى له , فهو يتصرف كأي طاغية كإله على الأرض و إن لم يكن هو كل سوريا فهو قبل سوريا , فوق سوريا , ها هو يحذر , و ها هو ينفذ تهديده , فقد أظهر الرجل استعداده الكامل لتدمير سوريا بمجرد أن تحدث البعض عن سوريا حرة , الرجل صريح جدا , هو أو سوريا الحرة , لا يمكن أن يجتمع نظامه و حرية و كرامة السوريين , الخيار هنا ليس خياره , إنه خيار السوريين أنفسهم هذه المرة , هكذا نصل إلى النقطة الأخرى في خطاب الرجل , لقد تحدث بشار , قال كلمته , لكن و منذ أن مات خالد سعيد دفاعا عن الحقيقة على يد بلطجية نظام مبارك و منذ أن أحرق البوعزيزي نفسه احتجاجا على الظلم الاجتماعي و انعدام المساواة , فإن الناس العاديين اليوم هم أبطال المشهد , هم من تعلو أصواتهم اليوم , و يقتصر دور بشار و أمثاله على محاولة إخراس أصواتهم هذه بأصوات الرصاص , و في بعض الأحيان دوي القذائف , هذا هو أول و آخر سلاح متاح لقوى الأمر الواقع , لقوى الاستبداد لكي تحاول أن تحول دون تحقق حرية الناس العاديين , النتيجة المنطقية و المحصلة الأخيرة لكلام بشار أنه إذا كان السوريين يريدون الحرية فعليهم أن يحصلوا عليها بالطريقة الوحيدة الممكنة , في الشارع , تماما على الطريقة المصرية و التونسية . الجواب الأخير هنا سيكتبه الشعب السوري نفسه .. طبعا هناك حاجز الخوف الذي أقامه النظام عبر عقود من القمع , و عبر حضور ثقيل الوطأة في كل مكان و زمان من حياة كل سوري , و عبر تاريخ من القهر و حتى المجازر , لكن هذا يختلف في أيام الثورات , في سوريا اليوم ثورة تتقدم ببطاء , لكن بثبات , لتصبح شعبية حقا , في سوريا اليوم شعب يريد حريته و كرامته و حياة أفضل , هذه هي مصيبة النظام اليوم , و هذه هي مصيبة الأنظمة في الشرق عموما اليوم , الشيء الوحيد الذي يفعله الإعلام اليوم هو أن يكسر حاجز الصمت , أنه يجعل من المستحيل اليوم قتل السوريين أو إبادتهم بعيدا عن الأضواء , كما أراد ماهر الأسد , في ظلام ليل دامس , لقد أوضح بشار دون أي حاجة لشرح طويل أنه إما هو أو الحرية و السوريون أنفسهم , هم من سيكتبون نهاية هذا الفصل من تاريخ سوريا و ليس بشار أو ماهر الأسد أو آصف شوكت أو غيرهم…..

 

مازن كم الماز

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى