صفحات الناس

رائحة مجازر سورية.. لو يشتمّها العالم ويشاركنا اختناقنا/ اسطنبول ــ سما الرحبي

يصعب اختزال خمس سنوات من الثورة السورية في مدينة كفرنبل في ريف إدلب في أسطر، لكن الناشط ومدير المكتب الإعلامي في منظمة اتحاد المكاتب الثورية في كفرنبل رائد فارس، حاول كتابة أبرز مشاهداته. ما زال يشتمّ رائحة المجازر. يصفها بأنها خليط من رائحة الموت والبارود والأجساد المحروقة. هو اليوم حاقد على نفسه لأنه لم يستطع إيصال قباحتها إلى العالم، أكان من خلال الكاميرا أو أي وسيلة أخرى.
يقول إنه “لشعور جيد أن يشاركك الناس آلامك، وهذا أفضل بكثير من أن تعيشه لوحدك”. يتمنى أن يشتم العالم كله تلك الرائحة. كلما مرّ بمحاذاة موقع مجزرة ما، اشتم الرائحة مجدداً. يضيف: “هذه الرائحة تجرحني، تدخل أعماقي. في كل مرة، أستعيد الصور الدموية التي كنت قد رأيتها والتي تقتل الإنسان في داخلي للحظات، أرغب في الانتقام”. بعدها يحاول التخلص من المشاعر السلبية ليحافظ على “نقاوة الثورة” في داخله.
في كفرنبل، يسمّى “أيقونة الثورة”. كانت حياته مهددة بالخطر خلال السنوات الخمس الماضية. واجه الموت أكثر من مرة. يقول لـ “العربي الجديد”: “شارك أهالي مدينة كفرنبل في الثورة منذ انطلاقتها لهدف محدد، وهو تحقيق سورية الوطن والدولة ليعيش فيها جميع السوريين بكرامة وحرية، بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والعرقية. انتفضوا ضد الدكتاتورية والظلم”.
نظم فارس بمشاركة رفاقه، أول تظاهرة في كفرنبل في الأول من نيسان عام 2011. هذا التاريخ شكل انطلاقتهم. يقول “استطعنا كسر حاجز الخوف، وكنا في واجهة التظاهرات. الموت كان قريباً، ونجونا حتى اللحظة بأعجوبة. في البداية، كنت أحلم بأن يجتمع أكثر من 300 متظاهر في الساحة في أثناء احتلال جيش النظام لكفرنبل. وفي شهر أبريل/ نيسان من عام 2012 وتحديداً بعد صلاة الجمعة، تجمّع أكثر من خمسة آلاف متظاهر في الساحة”.
لدى سؤاله عن صمود مدينة كفرنبل ومقاومتها لنظام الأسد بسلمية، حتى اعتبرها كثيرون بوصلة الثورة السورية، يقول إن النظام السوري “دأب على ترسيخ فكرة الطائفية والإرهاب. بالتالي كان الحل الأسلم لمواجهة أساليب النظام لتشويه الثورة، هو الابتعاد قدر الإمكان عما يسعى إلى ترسيخه”.
مضايقات
كان التأقلم صعباً في المدن الثائرة، وخصوصاً في كفرنبل. خلال خمس سنوات، سيطرت على المنطقة هيئات وفصائل عديدة، بدءاً من النظام ومن ثمّ الجيش الحر وبعده “داعش” والجيش الحر مرة أخرى، وصولاً إلى جبهة النصرة. في ظل سيطرة النظام، عاش أهالي المدينة في مخيمات متنقلة وبساتين لأكتر من سنة، إلى أن تحررت المدينة من سلطته في أغسطس/آب من عام 2012. بعدها بدأت مرحلة “الشد والرخي” في التعاطي مع الفصائل الباقية. يقول: “لسنا ضد الفصائل والتنظيمات بل ضد الاستبداد بأشكاله كافة، وضد كل من أراد الامتثال للفكر البعثي”.
ونتيجة انتقاده المتواصل للفصائل التي لا تؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان، تعرّض فارس لمحاولة اغتيال في بداية عام 2014، بعدما أطلق مجهولون النار عليه بعد فترة من اقتحام عناصر “داعش” المكتب الإعلامي وتخريبهم معدّاته، واعتقالهم عدداً من العاملين فيه، أُفرج عنهم لاحقاً.
بعدها، اختطف من على أحد حواجز “جبهة النصرة” في معرة النعمان في أثناء عودته من مدينة سراقب، ليخرج لاحقاً بعد إثبات براءته. في كل مرة يسافر فارس إلى دول أوروبية وولايات أميركية لحضور مؤتمرات والحديث عن المأساة في سورية، يشعر بأنه لا يريد مغادرة مدينته. يقول: “حين بدأت الثورة، كنا نعلم تماماً أن ثورتنا ضد دكتاتور يمكن أن يقتل مليون سوري. لكننا قبلنا ذلك في مقابل أن يعيش 22 مليون سوري بكرامة وحرية”. يضيف أنه “في حال تركنا البلاد من دون تحقيق الهدف الذي ثرنا من أجله، سنكون قد خنّا أهلنا وأصدقاءنا. لا شيء يستحق الحياة قبل أن تصل الثورة للهدف الذي خرجنا من أجله”.
لافتات
ما زالت مجموعة من الشباب السوريين تحافظ على روح الثورة في مدينتها كفرنيل، من خلال فرشاة وألوان وكثير من الحب. هؤلاء يرفعون لافتات لم يغب عنها الحس الفكاهي أو الرسوم الكاريكاتيرية، بالإضافة إلى شعارات الثورة. من خلالها، سجلوا مواقفهم واستطاعوا حشد الدعم العالمي للانتفاضة.
عادة ما تجهّز اللافتات في المكتب الإعلامي بالتعاون مع رسامين من داخل المدينة، أبرزهم فنان الكاريكاتير أحمد جلل. وقد حظيت بشهرة كبيرة، وصلت أصداؤها إلى العالم. عرضت اللافتات في أكثر من ولاية أميركية، منها ميشيغان وشيكاغو وكاليفورنيا وواشنطن، بالإضافة إلى كندا. واستفاد الناشطون من المال الذي حصلوا عليه لإغاثة المواطنين.
يقول فارس إنه بعد نشر أول تسجيل فيديو لتظاهرات كفرنبل، لفتت “قناة الدنيا” إلى أن التظاهرة حصلت في إحدى قرى مصر. فكان لا بدّ من توثيق التسجيل بلافتة كتب عليها المكان والتاريخ. كذلك، كانت وسائل الإعلام الحرة المعنية بتغطية الأحداث مغيبة في البداية، فكان من الضروري كتابة مطالب الناس ونشرها.
وعادة ما تكون “الأفكار تشاركية مع الناشطين، وتأتي بعد متابعة الأحداث والقرارات المعنية بالشأن السوري. هؤلاء صوت الثورة السورية، باعتبارها ثورة حرية وكرامة وعدالة إنسانية، وليست ثورة إرهاب وتطرف”. يضيف أن “اللافتات كانت رسالة للعالم، الذي لا يرى من الثورة السورية إلا التطرف والإرهاب”.
راديو فرش
إلى ذلك، انطلق “راديو فرش” قبل نحو عامين، وهو يبث على مدار الساعة. هو الإذاعة الوحيدة التي تعمل بكامل كوادرها في الداخل السوري، وتهتم ببث الأخبار المحلية خصوصاً، وتقديم برامج ثقافية وسياسية وحوارية ودرامية ودينية وأخرى متنوعة. ويتألف فريق العمل من 50 موظفاً، خضع بعضهم لدورات تدريبية في الخارج.
ويشير فارس إلى أنه في 17 يناير/كانون الثاني من عام 2015، “اقتحمت جبهة النصرة مقرّ راديو فرش، وأطلقت النار واعتدت على الناشطين، لكننا سارعنا إلى فتحه من جديد”.
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى