صفحات الثقافةممدوح عزام

زمن الكراسي/ ممدوح عزام

 

 

في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، بدأت تحوم في الصحافة السورية، وعلى كراسي المثقفين، حملة، أو ما يشبه الحملة، تتضمّن التنديد بالرواية ذات الحجم الكبير.

كان قادة هذه الحملة قد لجأوا إلى ذريعة “عصر السرعة”، للقول إنه لم يعد في وسع القارئ المستعجل قراءة عمل طويل واحد يمكن أن يبدّد وقته الثمين. وأوصوا الكتَّاب الشباب أن ينتجوا أعمالاً روائيةً قصيرةً يمكن تناولها على طاولة مطعم “الهمبرغر”، في انتظار العودة إلى المصنع المنتج!

المفارقة أن عصر السرعة الذي تمترست خلفه أصوات النقد أو الرفض للرواية (حسب الحجم)، كان وهماً. إذ إن البلاد كانت تعيش في لحظات، أو سنوات في حقيقة الأمر، من الركود والثبات والقصور الذاتي العصيّ على أي تغيير، بل إن العقود الأخيرة من القرن العشرين أثبتت أن المجتمع كله إنما كان يراوح في ثبات معاند شمل كل نواحي الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية.

أرجّح أن سبب هذا الاتجاه كامن في أحد أمرين، الأول هو أن يكون الوصف مستعاراً ممّا يتردد في الثقافة العالمية عن الموضوع ذاته، دون إجراء المقارنة اللازمة بين طبيعة الحياة في مجتمعنا، وبين المجتمعات التي تعيش عصر السرعة فعلاً.

والثاني هو أن تكون لدى أصحاب تلك الدعوة رغبة، واعية أو لاواعية، في إنتاج وعي كاذب يتم من خلاله التستر على الركود الاقتصادي، والإفلاس الفكري، والمراوحة السياسية، حيث يتحول المفهوم الفلسفي إلى مناظرات واهية، تتجادل حول زمن القراءة وحده، أو تستند إلى الانتصارات التي حققها الزمان على المكان، في تقريب المسافات، وسرعة الوصول، وهي انتصارات عمّت العالم كله، دون أن يكون مفهوم الزمن، أو مقولاته، قد تبدّل بشكل متساوٍ في جميع البلدان.

وليس لديّ ما يؤكد، أو ينفي، أن لتلك الحملة علاقة ما بخماسية عبد الرحمن منيف “مدن الملح”، غير أنها ترافقت زمنياً مع تاريخ صدور تلك الرواية.

يخيّل لي، تبعاً لذلك، أنها كانت في اللاوعي ردّاً أيديولوجياً يتزيّا بعباءة الفلسفة، مضاداً للمنحى السردي، الذي تتابع في الرواية السورية، بعد صدور رواية منيف، حين بدأ الحفر في الزمن التاريخي القريب، عبر روايات اتّصفت بالضخامة من حيث الحجم، والامتداد الزمني من حيث سير الأحداث، وكانت تحاول إعادة سرد مجريات التاريخ السوري الحديث، في المخيّلة الروائية، مثل خماسية نبيل سليمان “مدارات الشرق”، وثلاثية خيري الذهبي “التحولات”، و”الوباء” لهاني الراهب، و”أعدائي” لممدوح عدوان، في وقت امتنع فيه المؤرخون عن كتابة هذا التاريخ، أو قام آخرون بتزويره.

اللافت أن تلك الروايات كانت ترصد “تحولات” الماضي التاريخي للجزيرة العربية وسورية، أي تبدلاته الزمانية والمكانية، وهي تخاطب وعياً يعيش الركود. ولهذا فهي قد تكون حبكات مناسبة لحاضر الكتابة، حيث السكون والثبات، في حين أن موضوعها هو التبدلات الاجتماعية والسياسية. والطريف أن القراءة ذاتها أبدت انحيازاً إلى جانب الرواية، بصرف النظر عن الحجم، إذ لا تستقي الرواية ضرورتها من كونها للجيب أو للرفوف.

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى