صفحات الثقافة

سعاد جروس وأزقة دمشق


ثائر دوري

في كتابها ‘زقاقيات دمشقية’ الصادر عن دار رياض الريس للكتب والنشر، تكتب سعاد جروس مجموعة تحقيقات عن دمشق بأزقتها، تاريخها وأماكنها وبتواريخ متباعدة يعود أقدمها إلى عام 1999م.

في كل العواصم العربية يبرز صراع بين الزقاق والشارع الرئيسي، ففي الزقاق المُغبَّر المُظلم المُهمل يستقر الناس البسطاء صناع التاريخ المجهولين الذين يحملون تاريخ وتراث الأمة، أما في الشارع الرئيسي المضاء النظيف، فهناك المسيطرون وصور الزعيم.

تعلن الكاتبة باختيارها الموضوع ‘زقاقيات دمشقية’ انحيازها إلى الزقاق في زمان غاب فيه هذا الزقاق عن الوجود حتى ظن الناس أنه غير موجود البتة، فلا صورة له لا في التلفزيون ولا في الصحافة، ولا صوت. الحضور فقط للساحات والشوارع الرئيسية التي يسكنها ويمشي بها السيد وأتباعه الذين يسيطرون على كل شيء ويصادرون كل شيء حتى أن أسماء العواصم تدخل خزائنهم كأملاك شخصية.

ليس خياراً سهلاً ان تتوغل في أزقة المدينة العربية فكيف إذا كانت المدينة دمشق، لأن كل من حولك وكل ما حولك يدعوك للبقاء في الساحات والطرق الرئيسية المضاءة الواسعة النظيفة. لكن الكاتبة تدخل حارة الشيخ محي الدين ‘الراقد على سفح الجبل’ وتنقل صور البيع والشراء في هذا الحي الشعبي العريق الذي نشأ حول ضريح الصوفي الكبير محي الدين ابن عربي الذي طرق الدروب من الأندلس إلى دمشق ليستقر على سفح قاسيون، فترصد أساطير العامة حول هذا الشيخ الجليل مركزة على سيرته الشفهية المتداولة على لسان العامة والتي لا تتطابق كثيراً مع سيرته في كتب التاريخ ‘هالة القداسة التي أحاطت الشيخ محي الدين في الروايات الشعبية ما تزال سارية تتناقلها الأجيال شفاهاً كجزء من الموروث الشعبي الضروري لمواجهة مصاعب الحياة والتغلب عليها بأمل يرتجى من الغيب، وقد ساعدت سعة العلوم والمعارف التي اكتسبها الشيخ في زمن كان العلم فيها حكراً على نخبة القوم في تزكية تلك الروايات وإضفاء صفات خارقة عليه، ترتكز أساساً على رمز كبير من رموز الكشف وعلوم المعنى أو العرفان’.

وفي أمكنة أخرى تتوغل الكاتبة عبر التاريخ في أسماء الأماكن الدمشقية معتبرة ‘الأسماء إشارات لعالم واسع، ومفاتيح لعالم أوسع، تدل إلى شخص أو مكان او جماد ..الخ، في دمشق، ما اسم المكان سوى تكثيف لماهيته، ومسوغ للدخول في عالم اشتقاق وتاريخ وتسميات وألقاب’ فتعتبر الدخول في عالم الأسماء أشبه بالدخول في مغارة علي بابا بعدما تراكم الغبار طبقات فوق طبقات ‘ما إن تعرف كلمة السر حتى تنفتح مسارب الماضي وسيرة تحولات المكان وتجلياته عبر التاريخ’ وتضرب مثلاً بأسماء دمشق فهي ‘قاعدة سورية المجوفة’ كما سماها الإمبرطور الروماني يوليانوس، و’حاضرة الروم وبيت ملكهم’ في الجاهلية و ‘حصن الشام ‘في صدر الاسلام وايضاً ‘فسطاط المسلمين، وباب الكعبة، وجنة الأرض، وقصبة الشام، والفيحاء، والغناء، والعذراء الخ’.

كل زقاق في دمشق له اسم يختصر حكاية أو يشير إلى صفة ‘مطرح ما ضيع القرد ابنه’، ‘زقاق الولاويل’، جامع التوبة، حارة الخمارات. تقول الكاتبة :

‘الطرافة في تسمية الأماكن الدمشقية جزء من الطرافة الدمشقية، والدمشقي المعروف بالدماثة واللباقة المبالغ فيها، وهو ما يتعارف عليه (بالدمشقة) لكونه ابن بيئة تجارية منفتحة اعتياديا على الغرباء، وربما ليس من السهل التعرف إلى مشاعر الدمشقي الحقيقية تجاه الغرباء، لأنه يخاطب الجميع كأنهم من أهل بيته، فيمنح الغريب شعوراً بالألفة دون أن يضطر لبذل جهد يتجاوز المعسول من الكلمات. من هنا تبدو غالبية الأسماء الطريفة للأمكنة الدمشقية نابعة عن قصص تعبر عن الخصوصية الدمشقية’ .

و في مكان آخر تتبع المهن الدمشقية التي انقرض أغلبها فنتعرف معها على المهن الشريفة والمذمومة حسب تصنيف تلك الأيام، اما الآن فقد زال هذا التصنيف وصارت كل المهن التي تجلب نقوداً مهناً غير مذمومة. ومع المهن تتعقب أسماء الأسر الدمشقية وأصلها الذي كان مرتبطاً بهذه المهن ‘مقولة’ اللغة هي الوعاء الحضاري للشعوب ‘ تتمظهر عندما نتعثر بمسميات مختلفة لأشخاص وأمكنة وأشياء ومهن، لم يعد لها من وجود سوى في اللغة، كأنما اللغة ذاكرة مهمشة وتاريخ مكتوم، الخوض في جذرها اللغوي، يمثل بحثاً ينفتح على اتجاهات عديدة تاريخية اجتماعية وسياسية وفكرية وثقافية’.

التحقيق الذي يستحق التوقف أكثر من غيره والذي يعد دراسة في علم الإناسة ذاك الذي تجريه الكاتبة عن الباعة الجوالين ونداءاتهم. تقول:

‘النداء نوع من الفن يعكس على نحو ما ثقافة اجتماعية بما تعنيه من قيم وتقاليد ومعايير، فيمكن التعرف على بعض القيم الجمالية في الذائقة الشعبية الشامية، في نداء بائع الزعرور ‘أبيض أحمر يا زعبوب، تمر محنى يا زعبوب، والبزر بن يا زعبوب’. التشكيل اللوني في هذا النداء يركز على روعة اللونين الأبيض مع الأحمر’..

تحلل الكاتبة الصور الشعرية، والايحاءات الحياتية، والاشارات المناطقية، والتلميحات الجنسية في تلك النداءات. فبائع الترخون ينادي ‘ويلك يا ابن الزنا يا خاين’، فيحرك الفضول الارتباط الكلمات بالنميمة والفضيحة وما يلحق بها من حكايات الخيانة المريرة، وقد يكون لها وقع مثير عند احتوائها على ترميز جنسي واضح الدلالات، غير أنه شاعري كنداء بائع القثاء (على ضو القمر مدت هالقتة)، وبائع الشوندر (بردان تعى صوبي هلق طاب أكل العسل) وبائع الدراق (لا تشلحوا بيشلح لوحده).

ولا تنسى أن تقارن بينها وبين النداءات في العصر الحالي التي تحولت إلى جزء من الصخب والضجيج اليومي بدون جمالية خاصة.

وعبر الكتاب نتعرف على المدرسة المحسنية، ومكتب عنبر، وسجن المزة الذي عرف كثيراً من تبادل الأدوار بين السجان والسجين، وعلى عادات التنزه والسهر والمقاهي في دمشق، وعلى ما طرأ من تغيرات بفعل العولمة على هذه العادات.

تجول بنا الكاتبة في دمشق المتغيرة التي تحافظ على روحها في أزقتها القديمة دون أن تنغلق على نفسها فنراها تستقبل كل التيارات الفكرية والاجتماعية والتبدلات الاقتصادية فتتفاعل معها لتُغير وتتغير. وهي تتقن أدواتها، وتلم بموضوعها من كافة جوانبه فتوثقه بعناية تاريخياً وحياتياً بروح لا تخلو من الظرف والطرافة حتى أن هذا الكتاب والجهد المبذول بإنجازه يمكن عده علامة على عصر مضى مقارنة بالكتابة المعولمة، السريعة ‘السلق’ بطريقة ‘قص لصق’ مع هاجس المردود المادي، التي تسود عند أغلب كتاب اليوم خاصة الصحافيين منهم.

في الأزقة يكمن الناس، وروح المدينة الحقيقي، والاستمرار التاريخي مقابل السراب، والأشباح، والعابر المسيطر على الشارع الرئيسي، وقد كان خيار الكاتبة منذ البدء الانحياز إلى الأزقة وناس الأزقة الذين يحاولون اليوم بشتى الوسائل أن يوصلوا صورهم وأصواتهم إلى الساحات والشوارع الرئيسية وقد نجحوا او كادوا بعد طول غياب.

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى