صفحات المستقبل

سوريا، فلسطين، جمعة، وديمقراطيّة


في مناخ العنف والكره والقمع، في برك الدّم والمرارة، في البرزخ ما بين الزنزانة والقبر والصمت، في الواقع التي تعيشه سوريا اليوم يصعب بشدّة أن يكون المرء ديمقراطياً وأن يحافظ على أعصابه متماسكة أمام اللاشعور، أو الشعور المسموم. تدفع الأحداث نحو تغييب نبرة منخفضة فكريّة توازي النبرة العالية الغاضبة والمتألمة. كلاهما ضروريّان، وتصعب حماية الأولى من الثانية بقدر وجوب هذه الحماية وأهميتها.

الروح الديمقراطيّة صعبة هذه الأيام، قد تبدو أحياناً تنظيراً وليست كذلك، أو طوباويّة رغم أنها لبّ الواقع والواقعيّة. نعم هي صعبة، لكن لم يقل أحدٌ يوماً أن النضال من أجل الديمقراطيّة والعدالة والمساواة سهل.

ابتزاز الناس بتخييرهم العنفي ما بين استبدادٍ داخلي وعدوان خارجي ليس من الوطنيّة بشيء. الوطنية تقتضي رفضهما كليهما بنفس القوّة والعزيمة.

استجواب الشعب السوري حول مشاعره تجاه فلسطين والقضيّة الفلسطينية هي إحدى أكبر الإهانات التي يمكن أن توجّه إليه، ويعتقد بعض أصحاب الصوت العالي (والحياء الواطي) أن لهم من “المكانة” ما يسمح لهم بتوجيهها. سوريا الديمقراطيّة هي حتماً سوريا مناصرة لفلسطين ومعادية لمحتلّيها ولحلفائهم، واللف والدوران حول عدم إمكانيّة دمَقرطة سوريا بحجّة “فلسطين”، عدا عن إهانة لسوريا، هو أيضاً طعنة للقضيّة الفلسطينية، والتي ﻻ يتذكرها هؤﻻء إﻻ لتبرير الدوس على الشعوب العربيّة وقمعها. ليسوا في موقع اﻻستجواب وﻻ صلاحيّة لديهم لمحاكمة الشعب السوري، وليسوا ولن يكونوا رقباء شرعيين باسم قضيّة هي منهم براء.

مسألة تسميات أيام الجمع أخذت أكثر مما تستحق من اﻻهتمام، وأخذ “المتكفّلون” باختيارها أكثر مما يستحقون من المكانة والمسؤوليّة. أسبوعاً بعد أسبوع يثبتون سطحية ساذجة وهوىَ إيديولوجياً مغلقاً يعبّرون عنه بأسماء إنشائية ﻻ معنى وطنياً لها. ليستمروا في “إبداعهم” هذا إن شاؤوا.. أدعو لتجاهلهم ونتاجهم وتركيز الحواس والاحساس على سبت وأحد واثنين وثلاثاء وأربعاء وخميس وجمعة.. سوريا!!

ناقش ما شئت من التساؤﻻت والهواجس والمخاوف، ضع اعتراضاتك وأفكارك وتصوراتك على الطاولة لنناقشها. قل ما لديك كما تريد. لكن قبل ذلك أجبني: ما هو موقفك من القمع واﻻعتقال والقتل وانتهاك كرامات البشر؟ .. أرجو جواباً غير “براغماتي”.

اللجوء إلى العنف المادي والمعنوي واللفظي هو لجوء مفلسي الحيلة إلى سلاح إفلاسهم الوحيد. يعجز هؤﻻء عن الرّد على فكرة بفكرة فيعتقدون أن الشتيمة كفيلة بالإسكات، وربما يحاولون قطع اليد أو اللسان ظناً منهم أنهم بهذا قادرون على إسكات الكلمة.

جماعة السحق والقطع والفرم والدعس والعفس والرفس هم ضحايا حقبة تاريخيّة ساد فيها الرأي الواحد والقول الواحد والهتاف الواحد. حقبة تعلّموا فيها الهتاف قبل أن يتعلّموا كتابة الكلمات التي يهتفونها. هم والتكفيريون نمطان متشابهان ولدا من رحمٍ سرطانيّ واحد.

هؤﻻء ضحايا، والشتيمة سلاح خوفهم. علينا أن نتفهّم حتى وإن جُرحنا، أن نتسامح حتى وإن غضبنا. ليس تنظيراً وليست طوباويّة. إنها ديمقراطية. سبق وأن قلنا أنها ليست سهلة، وسبق أن سألنا أيضاً عمّن قال يوماً أنّ النضال من أجلها سهل؟

http://www.syriangavroche.com/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى