صفحات المستقبلمحمد دحنون

سوريا الأيديولوجيّة/ محمد دحنون

لأنّه زمن مواجهة السائد، بالصراع معه، لا يمكن للثوّرة إلاّ أن تكون زمناً غير أيديولوجي أو، بصورة أوضح، ضد ـ أيديولوجي. يدور الحديث هنا عن ثوّرة شعبيّة تنشد تغييراً جذريّاً، ولا تصدر عن أفكار ومبادئ تشكّل عناصر أيديولوجيّة في خطابها، وإنما تنطلق من شعار الحريّة الخام. وهي، إذ تسعى إلى مواجهة الأيديولوجيات السائدة، فإنّ برنامج عملها لا يتضمن سحق الحامل الاجتماعي لتلك الأيديولوجيات (إن وُجد)، إلاّ بقدر ما يفرضه العنف منظوراً إليّه كوظيفة اجتماعيّة للثوّرة، كونه منضبطا بتحقيق أهدافها الأوليّة التي تتكثّف، في الحالة السوريّة، بإسقاط نظام عائلة الأسد.

 أثقل عموم الأيديولوجيات، أو ما تبقى منها (الإسلاميّة الإخوانيّة ـ الماركسيّة ـ القوميّة)، على مسار الثوّرة السوريّة نظراً إلى تخارجها شبه التام مع كامل المنظومة الاجتماعيّة لـ”مادة الثوّرة”: مجتمعات أهليّة عصبويّة ومهمّشة، لها ثقافتها ونمط حياتها وعقليتها التي تسيّرها في حياتها اليوميّة وتحدّد لها منظومة القيم التي تتحرك وفقها. في حين تبدو الأيديولوجيات السوريّة وكأنّها ملكيّة خاصّة لنخب سياسيّة وثقافيّة، نالت ما نالته من قمع وتنكيل على يد النظام ومن فشل على يد التاريخ، وما زالت غالبيتها ترى إلى “فكرها” باعتباره سبيل المجتمع إلى “التقدم” و”التنوير”… و”التطوير والتحديث”!

ويزداد إثقال الثوّرة السوريّة، أكثر فأكثر، مع بروز أيديولوجيات عدميّة في خضم الصراع، الأمر الذي يضع مزيداً من المعيقات في مسار تقدّمها ويقلل من فرص انتصارها.

 في العموم، لم تتوّحد كلّمة السوريين يوماً على أيّ من القضايا الكبرى التي تمّس وجودهم كجماعة بشريّة ذات كيان وطني. والأصح القول بأنّه لم يُسمح، في مراحل متعدّدة ولأسباب مختلفة، لكافة السوريين أن يتشاركوا شأناً وطنيّاً عاماً. حتى أنّ ما يمكن أنْ يشكّل لحظة إجماع وطني، أي الاستقلال السياسي، منتصف العقد الخامس من القرن الماضي، لم تتحوّل إلى مرجعيّة مشحونة رمزيّاً ووطنيّاً بل تحوّلت من خلال الخطاب الدعائي لمجمل النخب، السياسيّة والثقافيّة التي توّلت أمر البلد الصغير، إلى “مناسبة وطنيّة” لا أكثر، تتفوّق عليها في الأهميّة مناسبات كثيرة من بينها “الحركة التصحيحيّة”!

 مثّل هذا، منذ مطلع العقد الثالث في القرن العشرين، تعبيراً عن غياب الأسس الثقافيّة، الاقتصاديّة والسياسيّة، التي يمكن أن ينهض عليها وطن وأمّة. وتالياً، لم تكن دولة الجماعة البشريّة السوريّة في يوم من الأيام دوّلة الأمّة بل دولة الايديولوجيا، ولا يمكن لهذه الأخيرة سوى أن تكون (دولة ضد الأمة)، ليس لأنّها ستتحوّل إلى طرف يحابي كتلاً اجتماعيّة على حساب أخرى فحسب، ولكن لأنّ “دوّلة الحداثة الطائفيّة” التي بناها حافظ الأسد لم تفعل سوى التحوّل، على شكل قفزات متسارعة، إلى محض أداة قمعيّة في يد الطغمة الحاكمة و”نخبها السياسيّة والثقافيّة”.

ما كان يجري على مستوى “السياسة” كان يعاد إنتاجه على مستوى ثقافة عالمة لم تنجح، هيئات وأفراد، في صنع فضاء وطني ثقافي يستقل بصورة معيّنة عن السياسة وينشق عن التزامات ايديولوجّيّة حارّة تتطّلع إلى التحقق العملي. لم تنشغل الأيديولوجيات السوريّة بمساءلة نفسها حول مدى قدرتها على التعبير عن مصالح الجماعة البشرية أو غالبيتها، بل دارت دوماً، في ما بينها، حول مدى (حقيقتها) أي مدى احتكامها للواقع، والأصح: مدى احتكام الواقع لها. وفي الحالتين لا سؤال مطروحاً عن الوظيفة التي تقوم بها كل أيديولوجيا في عموم البنيّة الاجتماعيّة. هي أيديولوجيات فوق وطنيّة لا لسبب آخر سوى كونها، في الجوهر، أيديولوجيات فئويّة، لم يكن لأي منها أن تشكّل، بصورة بعيدة عن القسر والعنف والإكراه والتضليل، أيديولوجيا كل الجماعة السوريّة أي ثقافتها الوطنيّة.

 أين الممانعة من كلّ هذا؟

الأدلوجة الممانعة هي البنت الشرعيّة، وذروة ما يمكن أن تنتهي إليّه، كافة الأيديولوجيات التي سادت الزمن السوري منذ مطلع عشرينيات القرن الماضي. تتوفر الممانعة على عناصر أيديولوجيّة مأخوذة من عموم المتاع الإيديولوجي السوري فهي: إسلاميّة إذ تنهض على خطاب الهويّة والخصوصيّة، وهي ماركسيّة إذ تحارب الامبرياليّة، وهي علمانيّة إذ تعادي الدين. بمعنى آخر، الممانعة هي التمثيل المكثّف الأصدق لأيديولوجيات النخب السوريّة ومؤسساتها. وهي التي سيتكثّف فيها، وربما، رمزيّاً، في شخص بشار الأسد، كافة تشوّهات الأيديولوجيات السوريّة: المركزيّة، الأحاديّة، الغطرسة، العنف، وقبل كل شيء تحويل البلد بمن فيه وما فيه، إلى ملكيّة خاصّة. وعليه، لا يمكن، بهذا القدر أو ذاك، أن نتخيّل لسوريا ماضيّاً مختلفاً فيما لو نجح شيوعيوها أو إسلاميوها في الوصول إلى سدّة الحكم.

 الأزمة لم تكن يوماً في وجود هذا النوع الأيديولوجيات. الأزمة تتمّثل في غياب “الأيديولوجيّة السوريّة”. وهذا بالضبط، على ما يُظن، ما تحتاجه سوريا أو، ربما، ما فات الأوان للعمل عليه!

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى