صفحات العالم

سوريا.. المؤامرة حُبكت بعد الثورة

 

د. ناصر عبد الرحمن الفرا

بالفعل، وبعد عامين من انطلاق الثورة يمكن القول بأن سوريا، كدولة وشعب، تعيش تحت وطأة مؤامرة هدفها الأساسي ازهاق أكبر عدد ممكن من أرواح البشر وتدمير أكبر قدر ممكن من مؤسسات الدولة، خاصة العسكرية، التي ليست هي ملكية خاصة وإنما عامة. بنسب متفاوتة حكومات كثيرة من الدول تشارك في نسج خيوط هذه المؤامرة. بعد ما شاهدنا من صمت، خراب، تجاهل وقتل، أضحي بديهياً أن هنالك من يتآمر على هذا البلد الغالي وأن فكرة اسقاط النظام أضحت أمرا ثانويا فى أجندة معظم الحكومات المشاركة في المؤامرة.

حتي لا يفهم القصد خطأ نبدأ بالقول بأن أول شريك في نسج هذه المؤامرة هي الحكومة السورية نفسها، التي يقع على عاتقها كاهل المسؤولية لما يحدث في البلاد من سوء، ثم تليها الحكومة الإسرائيلية، الأمريكية، الروسية، الإيرانية، الأوروبية والصينية. هذه الحكومات، بدون أن نغفل دور المعارضة وبعض الحكومات العربية والتركية تشارك، بقصد أو بدون قصد، فيها.

دور الحكومة السورية يكمن اساساً فى عدم استجابتها لمطالب الشعب الثائر بالحرية، الديمقراطية والحياة الكريمة، ليقينها بأن ذلك سوف يؤدي إلى تحييد النظام عن السلطة. لو قرأت الحكومة السورية بعقلانية التغييرات التي حدثت من حولها وفى الداخل وتعاملت معها بشكل عقلاني بعيدا عن العنف لجنبت البلاد دوامة العنف الدائرة، التي هي حقاً الأرض الخصبة لنسج وتنفيذ أي مؤامرة. عدم أخذ الحكومة السورية زمام المبادرة والانحناء أمام المطالب الثورية الشرعية، جعل نظامها شريكا فعليا فى المؤامرة ضد سوريا. تكرار مؤسسات الدولة لمقولة المؤامرة بدون أن تفعل شيئا عمليا جعل الناس تعتقد بأن من يتآمر حقاً على سوريا هو النظام نفسه. ولو أظهرت الحكومة السورية مصداقية في طرح الاصلاحات لما وصل الوضع لما هو عليه من الدمار والقتل والاتهام بالتآمر على البلاد، ولما تركها شعبها تناطح مصيرها المجهول. قصة النظام مع شعبه شبيهة بقصة راعي الغنم مع الذئب، فعندما جاء الذئب حقاً لم يخرج أهل قريته لإنقاذه. بشكل عام يمكن القول بأن كافة الأنظمة الاستبدادية حتى حين تصدق حقاً، فإن المواطن يشك فى نواياها.

فيما يتعلق بإسرائيل، فمن غير المعقول أن لا تشارك فى أي مؤامرة تحاك سابقاً أو لاحقاً لسوريا. الكل تألم غضباً من القصف الإسرائيلي لمركز الأبحاث العلمي، لأن هذه المؤسسة ليست ملكا لعائلة الأسد، وهو إهانة لدولة ذات سيادة ومكانة. إٍسرائيل هي المستفيدة الوحيدة لما يجري في بلادنا من مصائب.

ومشاركتها فى المؤامرة ضد سوريا تكمن فى توظيف الحدث الثوري والاقتتال الداخلي لتزيد من هيمنتها على المنطقة. تستغل استمرار الوضع لأقصى حد ممكن ليتم تدمير سوريا ولتبقي البلاد خارج نطاق التغطية. منذ اللحظة استعملت حساباتها على أساس أنه تم تحييد سوريا وبقيت فلسطين، الأردن ولبنان بدون عمق استراتيجي.

بعجرفة فى التعامل مع مطالب شعبه تحت ذريعة أن هنالك مؤامرة، النظام قدم سوريا لإسرائيل على طبق من ذهب. لم يضع في الاعتبار أنه بسلوكه الشرس فتح الباب لشياطين الأنس والجن لتتكالب وتعبث فى البلاد فساداً ودماراً. لو قام بتحييد هذه المطالب من خلال القبول بالحل الوسط أولاً والحل النهائي ثانياً لأختلف الأمر. ولكن عميت القلوب التي فى الصدور.

بالنسبة للولايات المتحدة، الوضع الحالي فى سوريا يخدم فعلاً مصالحها العليا. صمتها الغامض وترددها في التأثير إيجابياً فى الحدث السوري، بإيعاز أو بدون إيعاز من إسرائيل، ناتج عن رغبتها فى تقوية موقفها أمام روسيا، الصين وإيران، واستنزاف قدراتهم العسكرية والمعنوية. ويكشف عن نيتها الاستمرار فى ابتزاز الدول العربية الغنية، كما فعلت عهد الأزمة العراقية وفى علاقتها معهم بالملف النووي الإيراني. المؤسسات الأمريكية تنتظر أن ينهك الصراع القوى الثورية والنظامية معاً، لأن كلاهما غير مرغوب فيه، وقد عبرت عن نيتها بوضوح من خلال محاصرتها النظام منذ البداية ورفضها التعامل مع بعض القوى الثورية، تحت ذريعة أنها ذات توجه ديني معاد. ولا تضع فى الاعتبار أن بين هذه القوى قوى أخرى وسطية، ليبرالية وعلمانية، لعلمها أن هذه القوى، بطبيعة تركيبتها، بعيدة عن التوجه الأمريكي. الولايات المتحدة تبتهج وهي ترى كيف أن دولا وتيارات سياسية مختلفة تترجاها يومياً لكي تتدخل بشكل ما لأنهاء المأساة القائمة. هذا السلوك، الشيطاني إذا صح التعبير، يجعلها شريكا مباشرا في المؤامرة ضد سوريا الثورة.

أما روسيا وإيران، فالسلوك الذي جعل كلاهما متهمان بالمشاركة فى التآمر ضد الشعب السوري، كما يعتقد بذلك الحراك الثوري، يكمن في عدم ترجمة نفوذهما القوي على النظام ليتوقف عن سفك الدماء، تدمير البلاد والعمل على التوصل لحل وسط جدي مع المعارضة. هذا الحل سيصب فى صالح كلاهما، ويزيد من شعبيتهما أمام الرأي العام السوري والعربي. كان من المفترض أن يكونا أول راع لمطالب الثورة السورية، كما فعلا مع مصر، خاصة وانهما لايملكان الدلائل التي تؤكد بأن الثوار حلفاء الأمبريالية أو الصهيونية، وأن قياداتهم قد صرحت علانية عن تمسكها بالتحالف الاستراتيجي السوري-الروسي-الإيراني، لأنه يصب فى مصلحة الوطن. التصريحات الروسية والإيرانية المبهمة تجاه الثورة، خاصة القول أن الشعب هو من يقرر مصير الرئيس، مع علمهم بأنه هو من يأمر بقتل هذا الشعب، فاقمت من هول المأساة. أياً كانت نهاية هذه، فكل من روسيا وإيران خسرتا الشعب والنظام ايضا لأنه سيرحل في النهاية وسيبقى انحيازهما خالدا فى ذاكرة كل ثائر سوري من خلال دعم نظام الأسد مادياً وعسكريا.

بالنسبة للدول الأوروبية، ذات المنطق غير البعيد عن المنطق الإمريكي-الإسرائيلي، وفيما يتعلق بالصين، الأكثر تفهماً للموقف الروسي، فرغم التباين الواضح فيما بينهم، فهم يشاركون فى المؤامرة الدائرة ضد سوريا من خلال التعامل وإدارة الأزمة وترقب مجرى الأحداث بدون ممارسة أي نوع من التأثير الفعلي على الأطراف المتنازعة. لا بل ومن خلال دعمهم لطرف على حساب طرف الأخر، وتركهم كل الدور للولايات المتحدة وروسيا لإيجاد حل لهذه الأزمة، داخل أو خارج إطار مجلس الأمن. يبدو هؤلاء كما وكأنهم ينتظرون اليوم الذي سوف يجنون فيه بعض الفوائد الاقتصادية الناتجة عن عملية إعادة إعمار البلاد بعد كل ما نالها من دمار. من خلال هذا السلوك، المميز بالخبث السياسي، تشارك حكومات الدول المعنية، مثل باقي الحكومات المذكورة سابقاً، فى المؤامرة التى تحاك ضد سوريا.

وماذا عن دور المعارضة وبعض الدول العربية وتركيا فى استمرار الأزمة. بشكل عام يمكن القول أن أكبر خطأ تقترفه المعارضة السورية، التي وقع عليها فجأة هذا العبء الهائل، هو عدم كونها، على الأقل فى البداية، على مستوى الحدث وتبني بعض الشخصيات لاحقاً نفس الأسلوب الغير ديمقراطي الذي نهجه النظام دائماً. لا بل ويقال بأن داخل أطيافها هنالك من يتسم سلوكه بنفس النمط السلطوي الذي تتسم به كثير من الشخصيات القابعة فى النواة الصلبة للنظام، ولو قدر لبعض هذه الشخصيات أن تحكم، فستحكم مثل ما حكمت عائلة الأسد، بل ولو كان فى مقدورها توريث الحكم لأبنائها فلن تحيد عن ذلك قيد شعره. كما هو معروف، كثير منهم من ولد من رحم هذا النظام، ومنهم من تعايش مع أنظمة لا تقل انغلاقاً وقمعا عن نظام الأسد، ومنهم من لم يتثقف على نهج غير النهج الاستبدادي الذي ترعرع فيه. يحوم بين الجيل الثوري المستنير الكثير من الشك والريبة من هذه الشخصيات. تواجد هؤلاء على قمة السلطة، بعد نجاح الثورة، هو التآمر فى حد ذاته على ثورة انطلقت من أجل التجديد.

فيما يتعلق بالدول العربية وبتركيا، فيمكن القول بأن ليس فى صالح الدول المعنية استمرار الأزمة السورية، لأن ذلك لا يصب فى الصالح الوطني. رغم بغض معظم هذه الدول نظام الأسد سياسياً، فكثير من الدول المعنية، بما فيهم تركيا، كانت ترتبط بعلاقات شكلية مميزة معه. رغم ذلك، يبدو أنها ركبت موجة الحراك الثوري لعدم قناعتها التامة به وبتوجهاته، ولرغبتها فى تصفية حسابات سياسية معه ومع حلفائه، بالتحديد مع إيران. بمعنى، أن هذه الدول وإن ناصرت الثورة السورية سياسياً وعسكرياً ومالياً فهي تفعل ذلك اساساً لإزاحة النظام وليس حباً فى الثورة فى حد ذاتها، خاصة وأن ثقافتهم السياسية كانت ومازالت متناقضة مع كل ما هو ‘ثورجي’. معظم حكومات الدول العربية تحاول بقدر الإمكان أن تصب الثورة السورية فى صالح استراتيجيتها المتناقضة مع استراتيجيات الأخرين، مما يعرقل أكثر وأكثر من تقدمها وسرعة نجاحها. وهذا يشكل بالمحصلة تآمرا على أهداف الثورة السورية النبيلة، التي انفجرت اساساً لتحرير الشعب السوري من قيود القمع والاستبداد.

‘ كاتب فلسطيني مقيم في إٍسبانيا

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى