صفحات العالم

سوريا…… نحو إعادة تقييم إستراتيجية للسياسة حولها/ فردريك هوف

تضمنت الجلسة الختامية لقمة المجلس الأطلسي للطاقة والإقتصاد التي عقدت في إسطنبول نقاشات جدية وحية لما يمكن عمله حيال الفوضى التي تحدث في سوريا.

وقد ضمت الجلسة أربعة أعضاء إستشاريين منهم المستشار السابق للأمن القومي للرئيس كلينتون والرئيس جورج بوش، وأحد أعضاء البرلمان الأوروبي، وكذلك أحد الصحفيين الأتراك البارزين. وبالرغم من عدم إتفاقهم في عدة نقاط، خرجت النقاشات أخيراً بنتيجتين :

أولاً: الموافقة على ملاحظة الرئيس التركي عبدالله غول في وقت سابق اليوم، والتي تقول صراحة أن غض الطرف عن هذه الأزمة سيؤدي إلى نتائج لا يرغب بها أحد وخصوصاً القريبين من سوريا.

ثانياً: حل الأزمة السورية مع مراعاة مصالح الغرب يحتاج إلى إستراتيجية شاملة تتحمل مسؤوليتها الولايات المتحدة والقوى الغربية كافة، وبقيادة أمريكية فعلية.

واتفق أعضاء اللجنة على أن تغيير نظام الأسد وتشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة تضمن حق المواطنة لكل السوريين دون تمييز، ينبغي أن يكونا الهدف الرئيسي للغرب وحلفاؤه في المنطقة. هذا هو هدف إدارة الرئيس أوباما، لكن تعويل الإدارة الأمريكية والقوى الغربية بشدة على مؤتمر جنيف بأن يحقق هذا الهدف، “مع أخذ إنتصارات النظام العسكرية في الإعتبار” جعل المشاركين في القمة يعيدون النظر في الإستراتيجية الحالية، والعمل على  في وضع استراتيجية جديدة وواقعية شاملة.

كذلك أعرب المشاركون في القمة عن قلقهم الشديد من القاعدة ومنتسبيها الذي يسيطرون على مناطق خارجة سيطرة النظام. حيث أكد أحد المشاركين على أن الإسلاميين المتشددين الذي تدعهم السعودية، هم المسؤولون بشكل مباشر عن معظم القتلى في سوريا. بالرغم من أن لجنة التحقيق الدولة المستقلة حملت النظام السوري المسؤولية العظمى عن القتل والدمار الحاصل في سوريا.

يرى بعض المشاركين في القمة أن تغيير نظام الأسد هو أمر جوهري و هام، لكنهم بذات الوقت أعربو عن شكوكهم في أن ذلك سيحدث دون دعم حقيقي للفاعلين على الأرض. لا يستطيع أحد إنكار أن ما يحدث  مؤخراً في سوريا يجري لصالح النظام. فالمعارضة المدنية المسلحة تتم محصارتها من قبل النظام ومن قبل الإسلاميين المتشددين أيضاً، وهذا يدعم مقولة الأسد وحلفائه في أن أي بديل لنظامه سيكون هو القاعدة، وعلى أن الغرب عليه أن يختار إما دولة داعمة للإرهاب (نظام الأسد) أو أن يختار الإرهاب ذاته (القاعدة وحلفاؤها)  .

هذه النظرية يتم تسويقها وتصنيعها من قبل النظام، ويتم إستخدامها)اليوم الأول للإنتفاضة) كإستراتيجية لإستمرار النظام في البقاء، لكن هذه الإستراتيجية لا تلقى أي حماس أو قبول من قبل أي أحد.

 خلال النقاشات، تبنى المشاركون وجهة النظر القائلة بأن لاحل عسكري للأزمة في سوريا، وأن الأمل بحل ديبلوماسي ليس بقريب أيضاً. فتعنت الأسد وكذلك (الإسلاميين المتشددين) يرسخ يوماً بعد يوم للتقسيم في سوريا.

بالرغم من إضاعة وقت طويل، وبالرغم من التأخر في تدريب المعارضة الوطنية المعتدلة،  أعرب ثلاثة من المشاركين عن وجوب وجود دور حاسم للولايات المتحدة لدعم المعارضة المعتدلة، دورٌ حقيقي وفعال يرجح كفتها على كافة الفاعلين على الأرض في سوريا.

ونبه  المشاركون كذلك بأنه لايوجد نقص للسلاح في سوريا، ولكنه يقع مع الأيادي الخاطئة ويتم إستخدامه بطريقة خاطئة أيضاً. وأقر الجميع أيضاً أن دعم هؤلاء الذين يقاتلون من أجل سوريا متحضرة حديثة وديمقراطية، لن ينهي إحتمالية أن يستمر القتال لسنوات ، فلازالت الفرصة ضئيلة لتحقيق مناخ يؤسس لمفاوضات سلام حقيقية في سوريا.

التحول السياسي سيأتي لامحالة، لكن تحقيقه سيكون على المدى الطويل، وأعضاء الجلسة أعربو عن دعمهم للجهود الدبلوماسية لتحقيق وصول كامل للمساعدات الإنسانية عن طريق الأمم المتحدة لكل سوريا، بما يتفق مع البيان الأخير لرئيس مجلس الأمن في الأمم المتحدة.

وانتقد أحد الحاضرين من الجمهور بشدة الغياب الغير مبرر للمساعدات الإنسانية من قبل دول الخليج العربي الغنية، الدعم الذي من شأنه أن يخفف أعباء الأزمة السورية على المواطنين المحتاجين. وتحدث أيضاً أن على دول مثل روسيا وإيران والصين أن تساهم في هذا المجال الإنساني أيضاً.

في الحقيقة، تقوم روسيا بجعل الغرب معتمداً تماماً على مؤتمر جنيف، وهي تهدف بذلك إلى إطالة أمد الأزمة وإطالة حياة النظام فقط لاغير، .وتصر موسكو كذلك على إنكار أن الأسد هو من قام بإستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، وتنكر أيضا قيامه  بجرائم حرب ممنهجة وجرائم ضد الإنسانية.إن نظام الأسد يقوم حقيقة بإستخدام سلاح وذخيرة روسية الصنع، وهو بذلك يخلق كارثة إنسانية تجعل  نصف سكان سوريا يعيشون أزمة محدقة وتجعلهم في خطر حقيقي. إن روسيا بوتين تعمل جاهدة لإفراغ مؤتمر جنيف من أي مضمون حقيقي وتجعله مجرد تدريب للعمل  السياسي.

و في محادثة خاصة تحدث فيها  مسؤول في الإدارة الأمريكية عن أن هناك أسباب حقيقية لإعادة النظر في الإستراتيجية الامريكية حيال الوضع في سوريا، بسبب وجود إحتمالية لأن يفشل مؤتمر جنيف، وبسبب رضوخ الأسد للضغوط وتخلصه السريع من أسلحته الكيميائية.

فالخيار الرئيسي المطروح، وفقا للمسؤول الأمريكي، هو إما التكيف مع وجود نظام الأسد في بعض المناطق، أو العمل جدياً وبإصرار على زوال النظام كليا من كافة الأراضي السورية.

مؤتمر جنيف 2 سيكون إختباراً حقيقياً  لنوايا روسيا ولقدرتها على العمل على بناء دولة مستقرة دون وجود الأسد، وسيكون المؤتمر إستكمالاً لما تم الإتفاق عليه من مبادئ للتحول السياسي في جنيف 1 في حزيران 2012. وإذا لم تستطع روسيا تحقيق ذلك، فسيكون على واشنطن  تحمل العبء مجدداً والعمل للضغط على الأسد.

وأضاف المسؤول الامريكي أنه  على الرغم من وجود إحتمالية لإعادة وضع خطة إستراجيية أمريكية جديدة، لا يزال هناك بعض الشكوك في أن ذلك سيحدث بالفعل فكل الخيارات متاحة. ولا يزال هناك نقاشات جدية حول الدعم الأمريكي الذي سيقدم للمعارضة الوطنية المعتدلة التي تقاوم الإرهاب الذي يمارس من قبل نظام الأسد ومن قبل القاعدة على حد سواء. التهديد الأمريكي بضربة عسكرية على نظام الأسد جعلته يتخلى عن أسلحته الكيميائية، بالرغم من أن الضربة لم تحدث. لكن التهديد هذا لم يستطع أن يحمي المدنيين حقيقة، وقد يكون أيضا هو السببً في أن تفقد الولايات المتحدة مصدقايتها وقدرتها على التأثير في الواقع السوري.

إذا كانت الإدراة الأمريكية مهتمة حقاً في إعادة تقييم إستراتيجيتها، أو حتى وضع إستراتيجية جديدة كلياً، فهي ليست بحاجة لإنتظار مؤتمر جنيف. فدعم المقاومة الوطنية للحد الذي يجعلها قوية وقادرة على مقاومة الأسد والقاعدة سوية، هي الإستراتيجية الأفضل والأنجع لأمريكا وللقوى الغربية، وعليهما أن يعملا حقيقيةً على وضع خطط لتنفيذ هذه الإستراتيجية وجعلها جاهزة للتنفيذ من الآن، فالنظام والقاعدة يعملان بقوة على الأرض لإنهاء أي معارضة سياسية وطنية مدنية معتدلة، ويعملان أيضاً على إنهاء أي عمل سياسي دستوري حقيقي يسحب البساط منهما. إن أي إعادة تقييم أو تغيير لأي إستراتيجية أمريكية حيال الوضع السوري سيحدث فقط إن قرر الرئيس أوباما ذلك، وهو الوحيد الذي يعلم مسبقاً إن كان ذلك سيحدث أم لا.

المقالة بواسطة فردريك هوف رئيس الملف السوري السابق في الادارة الأمريكية.

ترجمة أسامة بلقاسم

 موقع المجلس الأطلسي للطاقة والاقتصاد

كلنا شركاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى