صفحات العالم

سوريا و محاذير التدخل

دويل مكمانوس

تمضي الحرب الأهلية في سوريا في الاتجاه الخطأ، ففي العام الأول حقق مسلحو المعارضة السيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي، بما في ذلك على جزء كبير من أكبر مدينة في سوريا، وهي حلب. ولكن تلك المكاسب التي حققتها المعارضة كانت سبباً في زيادة المساعدات العسكرية المقدمة لنظام الأسد، وشملت تلك المساعدات تزويده بمجموعات قتالية من ميليشيا «حزب الله» اللبناني، وميليشيات من الشيعة العراقيين ومستشارين من الحرس الثوري الإيراني، وصواريخ متطورة مضادة للطائرات من روسيا. وكنتيجة لذلك تمكن نظام الأسد من تحقيق تقدم مؤقت على المعارضة – على أقل تقدير.

ويعتقد السيناتور «روبرت مينينديز» (ديمقراطي- نيوجرسي) رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي- من بين أعضاء آخرين في الكونجرس- أن الوقت قد حان كي تقوم الولايات المتحدة بزيادة وتيرة، وكم المساعدات المقدمة منها لمسلحي المعارضة. ولكن أوباما قاوم هذا الإجراء، بل وضع كوابح على إضافة الدروع الواقية للجسم، ومناظير الرؤيا الليلة، لخليط من المساعدات غير المميتة.

والجدل الدائر في الولايات المتحدة الآن ليس هو ما إذا كان يتوجب عليها التدخل في سوريا أم لا… وإنما ما مقدار التدخل، والكيفية التي سيتم بها ذلك؟ فالولايات المتحدة، بعد كل شيء، قامت بالفعل بفرض عقوبات على النظام السوري، ومنحت مساعدات غير مميتة لمسلحي المعارضة، وبذلت جهوداً لإقناع المجموعات المعتدلة في المعارضة بالدخول في تحالف فعال.

ولكن لا أحد في الولايات المتحدة يقترح نشر قوات أميركية إلا إذا استخدم الأسد الأسلحة الكيماوية أو وقعت تلك الأسلحة في أيدي الجماعات الإرهابية،

بنفس المعيار، ليس هناك من يقترح وقوف الولايات المتحدة ساكنة ومكتوفة الأيدي، لأن محصلة الصراع الدامي الدائر في سوريا، ستكون ذات أهمية كبيرة للولايات المتحدة. فتحقيق الأسد انتصاراً كبيراً على المعارضة سيكون بمثابة انتكاسة كبرى للدبلوماسية الأميركية، كما سيمثل من دون شك مكسباً لإيران، أما انتصار الجماعات الأكثر راديكالية من بين قوات المعارضة، وعلى وجه الخصوص «جبهة النصرة» المرتبطة بتنظيم «القاعدة» فسيكون كارثة هو الآخر.

إذن لماذا لا نأخذ الخطورة التالية، وهي تزويد المعارضة المسلحة بالذخيرة، التي يقولون إنهم لا يزالون بحاجة إليها؟ هذا هو السؤال الذي وجهته لعدد من المسؤولين الكبار في إدارة أوباما، وهذا هو الرد الذي تلقيته: أولاً، إن إدارة أوباما سأمت من مطالبة الآخرين لها بتولي زمام القيادة في كل كارثة عالمية.

والثاني، الحالة المتشرذمة، التي تدعو للرثاء للمعارضة السورية، على عكس ما كان عليه الحال في المقاومة الليبية، الموحدة والمنظمة بدرجة لا بأس بها، التي كانت تخوض قتالًا ضد قوات حكومية غير كفؤة وكثيرة الأخطاء. ويعتبر هذا على النقيض تماماً من الحالة في سوريا: فالمعارضة المسلحة متشرذمة، وفي معظم الأحيان غير كفؤة- باستثناء «جبهة النصرة» للأسف – وتخوض قتالًا ضد قوات حكومية كفؤة وقاسية ولا تعرف الرحمة.

هناك سبب ثالث يدعو أوباما للامتناع عن الانخراط بشكل أكبر في الأزمة السورية، وهو أن الانخراط هناك سيكون مكلفاً من الناحية المادية، ومن ناحية رأس المال السياسي.

مع بعض الحظ – يقول هؤلاء المسؤولون – يمكن للولايات المتحدة أن تساعد هؤلاء المقاتلين على أن يصبحوا أقوى، مما يؤدي لأن تصبح الحكومة أضعف. أما تحقيق الفوز أو التعرض للخسارة، فلن يكون – كما يقولون- بالشيء الهين. فالجهد الأميركي هناك سيكون جهداً مضنياً، كما حذر أحد كبار مسؤولي الإدارة. وهكذا نرى أن الالتزام الأميركي الذي بدأ في الفجر الرومانتيكي لـ«الربيع العربي»، تحول في الحالة السورية – بدلًا من ذلك- إلى ممارسة لفن الواقعية السياسية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم.سي.تي انترناشيونال»

الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى