صفحات الناسلقمان ديركي

شعوب الأسوَدْ/ لقمان ديركي

 

 

نحنُ شعوب اللون الأسوَد، نحن شعوب الأسوَد. لوننا ليس بأسوَد كلنا، فهناك أيضاً الحنطي والأصفر والأحمر، لكن أعمالنا سوداء. نعمل بالأسوَد، يعني لا ندفع الضرائب. تهريب يا حبيب، لكن ليس في بلادنا. بلادنا ليست لنا. بلادنا للأبيض، للرجل الأبيض. لذلك تركنا بلادنا له ولوكلائه من حكامنا الوطنيين، ومضينا إلى بلاده، وبواسطة الطريق الأسوَد أيضاً. تهريب يا حبيب.

البلاد الشقراء لا تعطي الفيزا لأصحاب العمل الأسوَد، لكنها لا تمنعهم من القدوم إذا ما استطاعوا إليها سبيلاً. فمن يغرق سيغرق من كيس حياته، ومن سيموت برداً وجوعاً في الغابات، سيموت من كيس حياته أيضاً، ومن يصل فعليه بالأسوَد، سيعطونك راتب البطالة، وسيناولونك المساعدات، وسيدفعون عنك فواتير الماء والكهرباء، وسيتغاضون عنك إذا ما عملتَ بالأسوَد. سيوهمونك بأنك تضحك عليهم وتتهرب من الضرائب، وأنك تحتال عليهم وتقبض راتب البطالة وأنت تعمل وتقبض.

تعمل بالأسوَد، وتقبض بالأسوَد. تعمل تحت الأرض، في مناجم الفحم، وتموت بصمت وتدفن بلا ضجيج حيث تختنق. تبيع المواطنين البيض الحشيش الأفغاني الأسوَد، والحشيش المغربي البني. آه يا سمك بنّي. تسرق إذا طاب لك الأمر، تختلق مشاجرة إذا ما كان على بالك ذلك، لكنك تحت السيطرة. البوليس متمكن منك، والمواطنون ينظرون إليكَ نظرة الأبيض إلى الأسوَد. يعتقدون أنك المشكلة، ويؤمنون بأن طردك هو الحل، ويحكون لأحفادهم كم أن الحياة في جنة ديمقراطيتهم كانت رائعة قبلك، لكنهم لا يقومون بطردك. يطردون بعضاً منك، إمعاناً في قمعك، لكنهم لا يستغنون عنك.

أنت من يعمل بالأسوَد، أنت من يوصل الكوكايين إلى بيوتهم ديليفري. أنت من يبيعهم الحشيش في الشوارع، أنت من يغسل الصحون في غياهب مطابخ المطاعم، أنت ربيب المناجم، أنت الوظيفة التي لا يقبل بها أحد، لكنك مع ذلك رسمي.. فلا تخف، سلاح الترحيل هو لإرهابك فقط، كي لا تتمادى في اللعب بالأسوَد، لأنك ستتجاوز حدودك بذلك.

لا يمكنكَ أن تتمادى في الغوص بالأسوَد، لأنه مملكة نخبهم. لأنه العرش الذي يستوي عليه حكامهم، كما يستوي على عرش المخدرات والنخاسة والدعارة حكامك. فمصانع المال هي البؤر السوداء التي لا يُسمَح لك بولوجها. أنت هنا فقط عامل علني أمام شعوبهم بالأسوَد، بينما هم من يقطفون المال الأسوَد بوجه أبيض. يلهطونه ثم يغسلونه ويتركون لك سواد الوجه. وجهك أسوَد، مع أنك حنطي، يا شحارك، ويا لعارك، أمام أصدقاء قريتك وحارتك وأهلك، لو عرفوا أنك تعمل بالأسوَد.

لا…أنت مغترب فخم، وجنسيتك غربية فخمة، بل إنك تعتبر نفسك غربي الإنتماء، وتشعر بالفخر بذلك. فالتخلف لا يناسبك، ولكن تناسبك زيارة الوطن الأم الذي لم يعد وطنك، ولم يعد أمك. فقد حلت اللعنة عليه، من قِبَلِهِم، ومن ثم من قِبَلِكْ، منذ أن قرروا منحك الإستقلال والحرية مسلطين عليك حكاماً يدَّعون أنهم أبناء جلدتك. جلدتك التي تدل عليك في غربتك ومغتربك. جلدتك الغامقة الحنطية. جلدتك التي لا يحكها ظفرك.. ظفرك المنهمك في العمل بالأسوَد.

المدن

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى