صفحات الناس

صلابة بياض الياسمين/ أحمد ديبو

 

 

منذ التظاهرة الأولى التي خرجت في سوق الحميدية، وهتف فيها الشباب والصبايا “الشعب السوري ما بينذل”، وأنا أقول بثقة، إن سوريا شرعت في ارتداء ثوب زفافها، والولادة باتت قريبة، بعد عقم وقحط داما نصف قرن ونيّف من حكم البعث والأسدين.

سنقول للعالم على رغم سوء مآلات الثورة التي أرغمتنا كسوريين، على أن نعيش وسط هذا الفم المفتوح على أفلام رعب، لو وضعت أفلام هيتشكوك قبالتها لكانت مزحة:

نحن المولودين هنا، على هذه الأرض السماوية، نحن المنذورين لرسالة الحرية والعدالة والكرامة الوطنية والدفاع عن معاني الإنسان الأولى وعن صلابة بياض الياسمين، نحن المطعونين بليل نصف قرن من العسف والنهب والإغتصاب والتشريد، المجروحين من الوريد إلى الوريد،

نحن المهددين باقتلاع جذورنا من الأرض التي نحن أوّل أسمائها، ولدنا في وضح النهار، لا من أسطورة أو خرافة. وإذ نقف اليوم أمام جرحنا المفتوح منذ خمسين عاماً، بقلوب يغمرها الأمل بانتصار حلمنا بالحرية والعدالة، بعد أن ننتصر على المشروعين، مشروع النظام، القائم على الضرب بيد من حديد، والتدمير والإبادة وتهجير كل من ثار عليه، والمشروع التكفيري، القائم على محو اسم سوريا من خريطة العالم، تثبتنا عيون شهداء الحريّة الذين وهبوا حياتهم لإخصاب هذه الأرض بسلالتنا الخالدة، ولحماية هويتنا الوطنية واستقلالنا وسيادتنا على ترابنا الوطني.

لن نستسلم، ولن نفقد الإيمان بتطبيق العدالة وممارسة حقنا في الحريّة. فالماضي لم يذهب تماماً، والمستقبل لم يصل بعد، ولا يزال الحاضر مفتوحاً على الصراع الفادح. لقد شهدت السنوات الأربع المنصرمة ملاحم شعبية من المواجهة والتضحية والبذل من دون حساب لدكّ أساسات نظام الإستبداد. ذلك كان لكي نوفر لأجيالنا القادمة حق الحياة بحرية وكرامة في وطنها. من أجل ذلك الهدف السامي، قسماً لن تخمد فينا روح المقاومة والشبق إلى الحريّة على أرض وطننا التي لم نولد على أرض سواها. فنحن الأزل هنا، وسنبقى إلى الأبد. لن نسمح للنظام ومَن وراءه، وكذلك لأولئك الوحوش الذين يحملون راية الدين بأن يسرقوا ثورتنا، بل ستبقى الحريّة منارة أرواحنا وعاصمة ثورتنا إلى الأبد.

للأسف، لقد كانت دماؤنا وتضحياتنا الهائلة، لعبة إقليمية ودولية. لقد اتضح لنا أن الجميع له مصلحة في وأد ثورتنا، ومنع تطورها مدنياً. لقد سعى الجميع وفي مقدمهم النظام إلى “أفغنة الثورة”، وهذا ما نجحوا فيه الآن، وفي المدى المنظور.

مع ذلك، سيستمر هذا الشعب في حراكه المتنوّع، سواء من بقي داخل الوطن، أو من هاجر منه.

يجب ان يعلم الجميع، أن هذا الشعب الذي ثار من أجل كرامته، وقدم كل هذه التضحيات، لن يقف في طريقه، مئة ألف تكفيري ترعرعوا في غفلة من الزمن.

إن العشرين مليون سوري المسنودين بأصابع التاريخ، سيواجهون هؤلاء، ومعهم بقايا النظام المخلّع. إن الحرية التي خرجنا وقدمنا لها الغالي والرخيص، لن نرضى منها بديلا، وإلى أن يحين أوانها، سيبقى لسان حالنا يردّد أنشودته الوطنية: نحن من سيخدمك أيتها الحريّة، سنخدمك في أيام الراحة والإسترخاء، وسنجعل الدرب المعشوشب الذي ستعبرين عليه عند الصباح طريّاً ونديّاً. في كلّ خطوة، سنطلب من الزهور أن تمدح قدميك. سنهزّ أرجوحتك بين أغصان الزيتون، والقمر عند أوّل ظهور له سنسأله أن يضيء وجهك ليراه أطفالنا ويحبوه. سنملأ بالزيت المعطّر المصباح الذي سنوقده قرب سريرك. وسنضفر لك جديلتيك، ونحنّيهما بالخرنوب البري والقيصوم والشيح.

ولأنك فرحتنا، ورجاؤنا، وخلاصنا، وكلمة قلوبنا الأخيرة، سنمسح بقبلاتنا حبّات الغبار عن جبينك.

لا يزال بيننا وبينك، طفلٌ يصطفّ القاتلون له. وطفلةٌ تحبو نحونا وتسألنا عيناها: هذا أخي، أنتم قتلتم أخي؟ وسنقول بهلع: لسنا نحن، لسنا نحن. نُدير وجوهنا إلى الجدار، فتحبو هاربة.

نحن النعامة، دفنّا وجوهنا في أحلامنا المحطمة، ساعة أو ساعتين إلى أن يحين الحين. نحن الآخرين الباقين من السابقين القتلى. نحن الهشيم المحروق، يُذرينا سؤال الطفلة العابر، نحن ظلٌ بلا قامة.

لا يزال بيننا وبينك، ما يسمّى بالمجتمع الدولي، الذي حاول أن يُقنعنا بأن وجود هذا الدمار العظيم في المدن والقرى، هو نعمةٌ لمن تبقّى للاختباء من براميل الأسد وقذائفه وصواريخه!

بيننا وبينك، سيدُ الحرائق والعزلة القابع في قصره بقوة الحديد والنار. الحرائق إجاباتُه عن أسئلة الحريّة التي نادى بها شعبه، بعد خمس وأربعين سنة من الصبر على سيد الممانعة، وقبله سيد الصمود والتصدي. شعاران زائفان على الطاولة، أمّا ما تحت الطاولة، فكل أنواع الجور والطغيان والنهب وجرف كل أسباب نهوض هذا الشعب وتقدمه، والإساءة إلى سمعته وكرامته.

دأب هذا النظام عبر إعلامه الرخيص والخائن للشعب، على تهشيم صورة شعبه والحط منها، قبالة تقديس صورة الأسد. جرى التسويق لفكرة أن كل ما ينقص هذا الشعب يجده في صورة الأسدين، السلف والخلف. تمّ ذلك على حوامل أربعة: التجهيل، والإفقار، والخوف، ورعاية القوى السلفية وتسمينها لتكون أداتهما الناعمة في مواجهة المعارضة الديموقراطية، وكذلك في مواجهة “الأخوان المسلمين”، الذين كانوا مصدر خوف للنظام. تأسيساً على هذه المعادلة الأمنية الإعلامية، تمَّ إيجاد المبرر الأخلاقي لجحافل أمنه وشرطته ومخبريه، أو بكلمة جامعة – الشبّيحة – في توحشها تجاه الشعب دون وازع من ضمير. لعل الصورة البليغة لذلك، هي صورة الجندي الذي اعتلى ظهور مجموعة من الشباب الثائر بنعليه في بداية الثورة، وهو يصرخ غير مصدق: بدكن حرية؟!

كم الشبه كبير بين هذا الجندي وشخصية ستراجون في مسرحية صموئيل بيكيت، “نهاية اللعبة”، حيث يهاجم ستراجون بوحشية من يحاول تحريره من أغلال سيده الثقيلة.

هذا الفعل المشين وجد تبريراً له عند رأس النظام في احدى مقابلاته بكلمة واحدة: يبحبنا.

يبدو أن حملة “منحبك” كانت مثمرة لدى أمثال الجندي الذي هو ضحية من ضحايا سياسة تقديس الأسد التي بدأت مع وزير الإعلام السابق أحمد إسكندر سليمان. ولأن الأسد أضحى أرنباً منذ بداية الثورة، نراه يترك مدينة تدمر، بأهلها وآثارها النادرة، معبد بل والمدافن المعلّقة، لتكون غنيمة دسمة لـ”داعش”. بهذا الفعل الخسيس يثبت هذا النظام للمرة الألف، أنه على استعداد لأن يضحي بأغلى ما يملك هذا الشعب لكي يزيد من عمر بقائه.

بينك وبيننا، وزير إعلام أمن الأسد، الذي رفع عقيرته وأدلى بتصريح صريح وواضح، دان فيه خرق حقوق الإنسان، ليس في سوريا بل في لبنان وتحديداً في سجن رومية. أنا بدوري أدين هذا الخرق، وكل خرق يحدث لحقوق الإنسان أينما وجد، لكن أدينه في سوريا أولاً، لكي أمتلك المبرر الأخلاقي لإدانته عند الآخرين. أمّا عمران الزعبي فهو في سوريا، يدين أطفال درعا لأنهم ماتوا تحت التعذيب، ويدين أطفال الغوطة الذين قضوا بالقصف الكيميائي وتسببوا بفضيحة لبطل الممانعة، ويدين أطفال الحولة، ويدين القاشوش وعلي فرزات وعارف دليلة. بالمختصر المفيد، إنه يدين كل ضحايا النظام أيام الثورة وما قبلها لتصل إلى العام 1970، لأنهم شغلوه عن الصمود والتصدي أيام الخالد ورفعت، وعن الممانعة والمقاومة في عهد البشار وماهر.

بيننا وبينك، مآذن ملتحية ومعممة كذباً، لتمارس الذبح والجلد والرجم باسم الدين.

نحن الذين ولدنا وترعرعنا في عهد الاستبداد وحملنا أمراضه، دعينا نقول لك بضع كلمات من القلب أيتها الحريّة:

أيتها السيدة القاسية، أنت الشيب في رؤوسنا، لأجلك أهدرنا أعمارنا ودفناها في تراب حديقتك. نناشدك بعذوبة نسيم هذا المساء، أن تجعلي فجرك يشرق ويُضيء قلوب أطفال سوريا. دعي أرواحهم تتفتح تحت نعيم نظراتك. املأي قلوبهم المحروقة بصوتك الأحمر. لا تخافي من شوارعنا المحفّرة، سنسندك، وإذا ما تعبت من القفز فوقها، فسنحملك على ظهورنا ككيس بابا نويل حتى نوصلك إلى مدارسهم ليُسمعوك أناشيدهم وهتافاتهم التي قطعت الطريق على الاستبداد. صدّقيهم، فهم لا يكذبون، انتشري بينهم، واطلقي طيورك على امتداد صباحاتهم المقبلة.

النهار

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى