صفحات الثقافة

عنوان الكتاب.. لغز ملغم يختصر المضمون/ خلود الفلاح

 

 

تبدو مهمة الكاتب صعبة، بل ومستحيلة في مسيرة بحثه عن عنوان لكتابه يعبر عن نص قد تتجاوز عدد كلماته الألف كلمة، وإلاّ يبدو مباشرا ويفضل ألاّ يكون حالما أو شاعريا، وفوق هذا كله جذابا أي يقع القارئ في حبه من النظرة الأولى، وإن كان العنوان الناجح بحسب الروائي أمبرتو إيكو هو الذي لا يوجه القارئ إلى تأويل معين، فإن هناك روايات وجهت هذا القارئ إلى معرفة ما وراء العنوان، بل وحققت نجاحات كبيرة كرواية “الحرب والسلام” لتولستوي، ورواية “العطر” لباتريك زوسكيند، ورواية “راوية الأفلام” لإيرنان ريبيرا لتيلير.

 

شرفة نطل عبرها على العالم

لأن العنوان عتبة النص، كما قال رولان بارت، فهو يمثل صعوبة كبيرة أمام صاحب العمل الفكري أو الأدبي، فعليه من خلال كلمة واحدة أو كلمتين أو على أقصى تقدير أربع كلمات أن يعلن عن عمله تجاريا، وأيضا يؤطر كتابه جماليا وفكريا وتعبيريا. وأخيرا على المؤلف أن يعمل على أن يكون العنوان مبتكرا لم يسبقه إليه مبدع آخر، وهذا يمثل الآن صعوبة كبرى، مع تزايد أعداد المؤلفين في شتى بقاع الأرض واستنزاف العناوين الممكنة وغير الممكنة.

تقول الروائية المصرية سهير المصادفة “في الغالب لا أجد صعوبة على الإطلاق في اختيار عناوين أعمالي، فرواياتي تكاد تفرض عناوينها عليّ منذ البداية، في أولى رواياتي ‘لهو الأبالسة’ حاولت أن أبدل عنوانها أثناء تجهيزها للطبع، ولكنني في النهاية أذعنت لسطوة الرواية في اختيار عتبتها، وهناك أكثر من رواية لي كنت أضع لها عنوانا فرعيا، وأحيانا كان هذا العنوان الفرعي يروق الناشر أكثر من الرئيسي، وأتفق معه أولا لأنني وضعته، وثانيا حتى يحقق الهدف الثالث من العنوان الخاص بالإشهار وهذا ما حدث في روايتي ‘لعنة ميت رهينة’ “.

وتتابع “عنوان الكتاب فن وإبداع في حدّ ذاته، الكثير من الكتب والأعمال الأدبية لاقت نجاحا منقطع النظير بسبب عناوينها الفارقة، مثل ‘اسمي أحمر’ للتركي أورهان باموق، أو ‘الطاعون’ لألبير كامي، أو ‘اللص والكلاب’ لنجيب محفوظ، أو ‘مئة عام من العزلة’ لماركيز”.

بين الأدبي والنقدي

يعد عنوان الكتاب للناقد الليبي عبدالحكيم المالكي، مدخلا شرعيا يوصل إلى مقاصد الكتاب ويوجه أفق دلالته، كما أن طبيعة العنوان، ودوره المناط به، يختلفان من نمط من أنماط الكتابة إلى آخر، حيث يستخدم العنوان في توجيه الدلالة نحو أفق معين، ويستخدم في الترميز لشيء من دلالات النص خفية، وأحيانا يكون مجرد عنوان للتسويق وكثرة المبيعات، بينما في الدراسات النقدية يختلف دور العنوان، فهو ينتقل من كونه تعبيرا عن موضوع الكتاب وتوجه كاتبه، إلى إبراز طبيعة المدرسة النقدية التي ينتمي إليها الكاتب.

ويتابع “بالنسبة لي في جانب كتاباتي الخاصة، وأخص بالذكر هنا عناوين الكتب الستة التي صدرت لي -وهي: ‘السرديات والقصة الليبية القصيرة’ و’آفاق جديدة في الرواية العربية’ و’جماليات الرواية الليبية.. من سرديات الخطاب إلى سرديات الحكاية’ و’استنطاق الرواية: من البنية النصية إلى التفاعل النصي’ و’استنطاق النص الروائي: من السرديات والسيميائيات السردية إلى علم الأجناس الأدبية’ وأخيرا ‘المجلد الأول من سلسلة الدراسات السردية: السرديات والسرد الليبي’- يظل تقريبا لكل عنوان غرض ما وخلفية ساهمت في توجهي الخاص من خلال ذلك العنوان”.

عنوان العمل الأدبي لغم لا ينفجر إلا حينما يفتح المعنى على أشرعة التأويل، وقبل أن ينفجر على قارئه، ينفجر على واضعه

ويقول المالكي عن كتابه السادس الذي صدر نهاية 2013 عن جامعة مصراتة “هو مجلد مكون من ثلاثة كتب، اخترت له عنوان ‘المجلد الأول من سلسلة الدراسات السردية: السرديات والسرد الليبي’، وتسمية الكتب التي ضمها كانت وظيفية”.

وتوضح الروائية والقاصة التونسية مسعودة بوبكر أن عنوان الكتاب عنصر هام في العملية الإبداعية، وهو أول مصافحة بين المبدع والمتلقي منذ الغلاف، وعادة ما يترك بعد إتمام النص وبلوغ صيغته النهائية بعد التغيير والتمحيص، ومن ثمّ تبدأ المهمة العسيرة في اختيار العنوان الذي سيؤدي وظائف عديدة منها شدّ القارئ والإغراء بقراءة النص، وهو غالبا ما يعكس الموضوع، ويفصح عن جملة من الإيحاءات.

وتقول “هو المفتاح السحري لغرفة النص، ربما يكون كلمة وربما يكون جملة تعود لخيال المبدع، ولا بأس أن يفتح على تأويلات عديدة تمنح النص أكثر من بعد، يقع في منطقة بين التلميح والإفصاح”.

وتتابع “يبحث البعض عن عنوان ملغز وشاعري وهناك من يختار عنوانا مضللا إشكاليا، كشكل من أشكال اللعبة الإبداعية التي تخلق منطقها وهندسة معمارها الداخلي، تسبق في الغالب عملية اختيار العنوان مرحلة حيرة وانتقاء، ويشكل عنوان العمل الأدبي عتبة ضمن عتبات الكتاب ومبحثا للدارس الناقد بما يحمل من شحنة واختزال لجوهر المتن”.

وتشير بوبكر إلى أنها تختار للعمل الواحد عدة عناوين ثم تشرع في عملية الانتقاء وتختار العنوان الذي يلقى هوى في نفسها، وتضيف “كثيرا ما يستغرق مني اختيار العنوان وقتا أسعى خلاله لأن أتخلّص من حيرتي وترددي وأحسم في الأمر وأسمّي المولود”.

إشكالية كبرى

العنوان في الرواية يتحول إلى إشكالية كبرى عند الروائي العراقي نزار عبدالستار، فهو أول عتبة لمستوى وعي الكاتب والموجه الابتدائي لذائقة القراءة، لذلك يتوجب على العنوان أن يكون مستوفيا لشروط عدة منها العمومية والشفافية والمقبولية، وألا يكون دارجا ويتبع موجة تجارية ما، وأن يكون مفهوما لكل الناطقين بالعربية وليس فيه أي انفعال أو التباس، ومن المهم جدا ألاّ يحتوي على عوامل نفور وأن يكون سهل الحفظ ولطيف الوقع عند التداول.

ويتابع “شخصيا أحدد العنوان قبل الشروع في الكتابة، ولم يحدث أن بدأت الكتابة وأنا لست على ثقة أكيدة من العنوان الذي وضعته، الأمر برمته يحتاج إلى دربة وأيضا إلى سعة تجربة، فالعنوان مجموعة أنظمة توجيهية ويتطلب حسا ذكيا في تحديده، الكثير من الكُتاب يفشلون في اختياراتهم للعنوان وهناك عناوين تسقط مع التقادم أو تذوب في زحمة الاشتباه وهذا ما يعد الفشل الأكبر”.

ويستشهد عبدالستار برواية “زقاق المدق” لنجيب محفوظ فيقول عنها “هي كعنوان تعد غريبة عن بيئتها المصرية ومقبولة بشكل واسع في البيئة العربية، إنه من أكثر العناوين عبقرية، في حين نرى أن العناوين الفخمة تفقد بريقها إذا ما كانت بلا مستقبل، لهذا يلعب الوعي الدور الأكبر في اختيار العنوان، البعض من الكُتاب يدفعهم التقليد أو الهوس العاطفي أو الرغبة التجارية في اختيار عناوين فيها دفق ترغيبي يجذب فئة معينة من القراء، وهذا يعد حالة فشل لأن العناوين العاطفية لا يكون لها الأثر الجيد مع تقادم الزمن.

لهذا أحرص أن يكون عنوان روايتي معبرا عن الجوهر وبلا أي تأطير أو زخرفة، وأعتقد أن العنوان المكتوم الذي لا يعطي دلالته المباشرة هو الأنجح، فليس علينا قول الكثير في العنوان وإنما وضع لمسة صغيرة فيها فن وخفة”.

الكثير من الأعمال المهمة لم تكتشف إلا بعد فترات زمنية طويلة بسبب عناوينها المتواضعة

وتعد مرحلة اختيار عنوان للنص من المراحل الصعبة بالنسبة للشاعر المصري محمود فهمي الذي يقول “بعد الانتهاء من الكتابة يبدأ التفكير في عنوان للنص، أظل أبحث عن عنوان يعبر عن روح ما كتبت وفي نفس الوقت يكون جاذبا ومحفزا للقارئ على البدء في القراءة”.

ولا يفضل الشاعر محمود فهمي العناوين الطويلة، إذ ربما تحمل معظم نصوصه الشعرية أو السردية عنوانا من كلمة واحدة أو كلمتين، ومع ذلك يقول “جاء عنوان كتابي الأخير ‘حدث في الشتاء الماضي’ طويلا نسبيا، لكن ما شجعني على عدم تغييره هو سهولة نطقه”.

ويقول القاص المغربي عماد الورداني “يبدو عنوان النص كشرفة عبرها نطل على العالم، الشرفة مرئية ومكشوفة للعالم، إنها بلا أسرار، هكذا نلسعها بعيوننا، نخترقها، نهدمها ونعيد بناءها في خيالنا، بينما ما وراء النافذة يبقى غير مرئي، مهما حاولنا القبض عليه ينفلت، تخوننا خبرتنا، ويخوننا التأويل، فاللامرئي مؤجل إلى حين لحظة الانكشاف والتجلي، ولا تتحقق هذه اللحظة إلاّ بولوجنا إلى ما وراء النافذة، هكذا تبدو العلاقة بين العنوان ونصه، فالعنوان يبدو أكثر جرأة في مواجهة العالم، بينما تختفي التفاصيل وراءه”.

ويضيف “العنوان لغم لا ينفجر إلاّ حينما يفتح المعنى على أشرعة التأويل، وقبل أن ينفجر على قارئه، ينفجر على واضعه، لكنه إذا أخطأ الاختيار فقد يحكم على ما كتبه بسكتة قلبية، تئده في مهده، فالنص يبدأ بفكرة نصادفها، لكن الألفة تحجب الفكرة عن عيوننا وإدراكنا، وحالما نلتفت إلى ما هو ماثل أمامنا، ونعيد بناءه كي يختلف عما نعتقد أننا ندركه ولكننا لا ندركه، على هذا النحو يتجلى النص، ونحتاج فقط أن نشيده، وكأي مولود جديد يحتاج إلى اسم ولقب، فإننا نتوه في قائمة

طويلة من الأسماء المناسبة وغير المناسبة، وفي الختام نهتدي إلى عنوان بارز يعكس محنة الاختيار، فندفع به ليعتلي تلك الأسطر التي نظن أنها تقول كل شيء، نعطيه الصلاحية كي يسافر، ونكتفي بالمشاهدة وعناويننا تواجه الأمواج، إننا نقامر بأفكار تبدو طليعية، لكن العنوان يحد من جموحها”.

العرب

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى