صفحات مميزة

عن السياسة الاميركية في سورية –مقالات متنوعة-

 

سياسة أميركا في الشرق الأوسط/ سلامة كيلة

كل الحديث يجري عن غياب الإستراتيجية لدى إدارة أوباما تجاه سوريا، كما يجري التركيز على فشل سياسته في الحرب ضد داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) رغم مرور أكثر من عام على بدء هذه الحرب، خاصة ارتباك سياسته بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا.

وفي كل الحالات يظهر أوباما كأنه بلا سياسة ولا رؤية، وكأنه هو الذي يحدد السياسة الأميركية.

ربما من لا يريد فهم السياسة الأميركية في سوريا -خاصة- هو الذي يتعلق بأفكار كهذه، حيث يظن أن السياسة المفترضة لأميركا تتمثل في التدخل العسكري وحسم الصراع ضد داعش، ولهذا يفاجأ بأنه “لا سياسة” لأميركا في سوريا خصوصا. وهذا إصرار على عدم فهم السياسة الأميركية بعد الأزمة المالية التي حدثت سنة 2008، وما نتج عنها بعد ذلك. وكذلك على تعلق بأنْ يكون لأميركا قرار الحسم في الصراع “ضد داعش”.

بالتالي، يجب أولا تحديد سياسة أميركا قبل الحديث عن فشلها أو ارتباكها، لأن فهم هذه السياسة هو المحدد الأول لمعرفة إشكالاتها في سوريا والعراق.

أولا- يجب فهم السياسة الأميركية التي تقررت بعد الأزمة، خاصة بعد التوصل إلى نتيجة ألا حل لها، حيث أفضى ذلك إلى إعادة موضعة أميركا عالميا في شكل مختلف عن السياسة التي جرى اتباعها منذ الحرب الباردة، وفي مرحلة سيادة أحادية القطب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

فأميركا لم تعد تفكر في أن تكون أحادية السيطرة، لأن قدراتها الاقتصادية وما تفرضه تلك الأحادية على صعيد القدرات العسكرية، لم يعد يتيح لها سيطرة عالمية أحادية؛ فهي في وضع مأزوم اقتصاديا، ومهدد بانهيارات مستمرة، وبالتالي لم تعد قادرة على تمويل حروب كثيرة في مختلف بقاع العالم.

هذا الأمر أرغمها على تحديد أولوياتها بشكل مختلف عما كان في السابق، وهذا ما فرض عليها أن تعد منطقة آسيا والمحيط الهادي هي الأولوية، وفق توقعاتها بتصاعد الخطر الصيني. الأمر الذي فرض انسحابها من “الشرق الأوسط”، مع الحفاظ على سيطرتها على الخليج العربي وضمنه العراق.

في هذه الإستراتيجية الجديدة أصبح من غير الممكن التدخل البري في “الشرق الأوسط”، ويمكن فقط استخدام الطيران كما يجري الآن، فهي لم تعد معنية جديا بالوضع في المنطقة، دون أن يعني ذلك الانسحاب السريع وعدم التدخل، بل يعنى أن المنطقة باتت محل مساومة مع قوى دولية أخرى، وهنا بالضبط يشار إلى روسيا.

ثانيا- قادت الإستراتيجية سالفة الذكر إلى ألا ترى أميركا سوريا مهمة لها، وبالتالي لم تعد معنية جديا بوضعها، سوى أنها ورقة مساومة مع روسيا؛ لهذا تمثلت السياسة الأميركية منذ بداية سنة 2012 في “تعهيد” سوريا لروسيا، أو في بيع سوريا لروسيا. وكان كل نشاطها يتمثل في ضمان هيمنة روسيا على سوريا، ولقد قامت بخطوات عديدة في هذا المجال، سواء بكبح حسم الصراع عسكريا عبر تسليح الكتائب المسلحة، أو بترتيب معارضة تقبل الحل الروسي. وبالتالي كانت سياستها تهدف إلى أن يستطيع الروس ترتيب نظام جديد تابع لهم، وكان دورها المساعدة في ذلك، وليس التنافس مع روسيا على السيطرة على سوريا.

ولهذا كانت تركز جهدها على التنسيق المستمر مع روسيا، وعلى ترتيب حل متوافق عليه برعاية روسية. ولقد قامت بكل ما اعتقدت أنه مفيد للتوصل إلى ذلك، رغم أن الروس لم يستطيعوا التقاط الفرصة والتقدم لتحقيق حل يبدأ بإبعاد بشار الأسد، وهو ضرورة من أجل نجاح الحل وليس لأنها شرط أميركي مسبق ، ولقد راوغت أميركا في هذا الأمر، وتراجعت أكثر من مرة عن الموقف الداعي لإبعاد الرئيس وحاشيته، وما زالت تراوغ في هذا المجال، حيث وافقت على إخراج البحث في مصير الأسد من المفاوضات.

ثالثا- لم تكن الحرب ضد داعش تعني هزيمته، ومن يعتقد ذلك لن يكون قادرا على استيعاب الوضع، فما تريده أميركا من إعلانها الحرب هو تحقيق أهداف سياسية إستراتيجية، وداعش هي “البعبع” الذي يستخدم من أجل الوصول إليها.

والأهداف تتعلق بإعادة السيطرة على العراق بعد أن قرر باراك أوباما الانسحاب وفق الاتفاق الموقع، بعد أن رفض البرلمان العراقي إعطاء حصانة للقوات الأميركية التي كان يجب أن تبقى في العراق (وعددها بين عشرة آلاف و15 ألفا). وهنا ليست الحرب ضد داعش، بل داعش هي الوسيلة التي تستغلها أميركا من أجل تغيير موازين القوى في الدولة العراقية، وفرض سلطة تابعة من جديد، ووجود جيش كما كان مقررا سابقا.

بهذا لم تكن أميركا تريد هزيمة داعش، ولا خاضت حربا حقيقية ضدها، بل خاضت معارك من أجل إضعاف “القوة الإيرانية” في السلطة العراقية؛ ومن ثم فإن استمرار الصراع أكثر من عام لا يعني الفشل الأميركي في هزيمة داعش، بل يعنى عدم القدرة بعد على تغيير وضع السلطة العراقية، وربما تستمر الحرب تحت عنوان داعش إلى أن تفرض أميركا تغييرا جديا في بنية السلطة العراقية.

وإذا كان هناك حديث عن “فشل” فهو فشل عن أن تغير وضع السلطة العراقية بعد أكثر من عام على “الحرب ضد داعش”، رغم أنها حققت تقدما مهما في هذا السياق، ربما تظهر نتائجه في الفترة القادمة.

ولا شك أن ما فرضته الإستراتيجية الجديدة من عدم استخدام القوات البرية في “الشرق الأوسط” سيجعل الصراع أطول، لأنه يعتمد على القصف الجوي فقط، لكنه يعتمد خلال ذلك على استقطاب قوى سياسية لتوظيفها في تغيير وضع السلطة، وضمن ذلك تسليح السكان في غرب العراق (أي المنطقة السنية التي ترفض المليشيات الشيعية تسليحها).

لهذا لا يمكن القول بفشل السياسة الأميركية، فهي تتقدم في تغيير وضع السلطة العراقية، وهو ما تريده بالأساس، لأنها ترى العراق جزءا من دول الخليج العربي الذي شُمل بمبدأ كارتر الذي يعدها جزءا من الأمن القومي الأميركي.

أما في سوريا، فقد أربك التدخل العسكري الروسي التكتيك الأميركي، حيث كان المطلوب هو التوصل إلى حل سياسي متوافق عليه منذ إقرار مبادئ جنيف1 في الثالثين من يونيو/حزيران 2012، وأيضا ميل روسيا للتدخل في الوضع العراقي.

ولعل هذا ما فرض على أميركا -كما يبدو- أن تغير تكتيكها، بحيث تسعى إلى “الحسم” مع داعش، وهو ما يظهر من خلال ما يجري في العراق وفي سوريا، سعيا لسحب ورقة “التدخل الروسي” وإرباك تكتيكات بوتين، الذي يحاول أن يظهر بوضع الذي يفرض مصالح روسيا بالقوة وليس بالتوافق هذا من جهة، ومن جهة أخرى تسعى أميركا أيضا للاستمرار في تحقيق الحل السياسي، وقد تحققت خطوات في هذا الطريق، ربما تؤشر إلى إمكانية الوصول إلى نتيجة.

فأميركا إذن تحقق في العراق ما أرادت، وهي مستمرة في “الحرب ضد داعش” من أجل إعادة السيطرة على السلطة العراقية التي بدت ضعيفة، حيث تصدع “التحالف الشيعي”، وأخذت مجموعة إيران تتهمش، وحسم هذه الحرب يرتبط بتحقيق هذا الهدف بالتحديد، لأن أميركا تريد الهيمنة على العراق من جديد.

أما في الجانب السوري، فتسعى لوضع روسيا في “الزاوية” من خلال حسم وضع داعش، و”تسليم” الأرض التي كانت تسيطر عليها لقوات سلحتها، وربما إذا تشددت روسيا أكثر، تميل إلى تسليح المعارضة بأسلحة “متطورة”، خاصة صواريخ مضادة للطائرات.

لكن يبدو أن الأمور تسير نحو تحقيق الحل السياسي، كما ظهر في فيينا1 وفيينا2، حيث وُضعت “الخطط العملية” من أجل الوصول إلى نهاية. رغم أن ما هو مطروح لا يتناول وضع بشار الأسد، بل يؤكد على حكومة انتقالية كاملة الصلاحية، لا يكون لبشار الأسد دور فيها خلال المرحلة الانتقالية.

بالتالي، فإن السياسة الأميركية لم تكن مشوشة، ولا يمكن أيضا القول إنه لم تكن هناك سياسة أصلا، بل إنها نشطت ضمن الشروط التي يفرضها وضع أميركا الجديد، وضمن المنظور الجديد الذي لا يرى أن لها مصالح في سوريا، بل إنها “عنصر مساومة” مع روسيا في إطار تقاسم العالم الذي بتنا نعيشه. فقد فرض تراجع وضع أميركا تقاسما جديدا بين الإمبرياليات، خاصة بينها وبين روسيا التي تطمح إلى فرض مناطق نفوذ وسيطرة.

الجزيرة نت

 

 

 

 

أوباما غارقا في تناقضاته وسط تعثر حربه على “داعش”/ حسين عبد الحسين

هكذا وصف الرئيس باراك أوباما ما صوّره، عقم إشراك قوات أميركية أرضية في الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”: “هذا ليس خصماً عسكرياً تقليدياً، بإمكاننا استعادة الأرض، وطالما نبقي على جنودنا هناك، يمكن الاحتفاظ بهذه الأرض، لكن ذلك لا يحل المشكلة ولا يقضي على العوامل التي تنتج هذا النوع من المجموعات العنيفة المتطرفة”.

وهكذا وصف أوباما ما يميز تنظيم الدولة عن باقي التنظيمات الإرهابية: “ما هو فريد في داعش هو مدى سيطرته على الأرض، وهو ما يسمح له بجذب المزيد من المجندين”.

إذا، يقول أوباما إن لا جدوى من استعادة قوات أميركية الأرض من “داعش” والاحتفاظ بها لأن ذلك لا يغير شيئاً. ثم يناقض أوباما نفسه ويقول إن احتفاظ “داعش” بالأرض يمنحه افضلية تساعده على التجنيد. تناقضات أوباما، وارتباك سياسته الخارجية عموماً وحربه ضد “داعش” خصوصاً، بدت جلية في مؤتمره الصحافي في مدينة أنطاليا التركية.

في أقل من ستين دقيقة أجاب فيها على ستة أسئلة، بدا أوباما منزعجاً من إلحاح الصحافيين على سماع استراتيجيته البديلة للقضاء على “داعش” بعدما ثبت قصور استراتيجيته الحالية على إثر هجمات باريس. لكن أوباما لم يتراجع. أدلى بأقوال متناقضة، ولم يعترف بقصور سياسته تجاه “داعش” وسوريا، وآثر العناد.

وكان أوباما نجح، على مدى السنوات الأربع الماضية، في اقناع الاميركيين أن إشاحة نظره عن الحرب التي يشنها الرئيس السوري بشّار الأسد ضد شعبه، هي في مصلحة الولايات المتحدة، فالأسد هو السد المنيع في وجه الإرهاب، ولو انهار من دون بديل، سيسيطر الارهابيون على سوريا وينطلقون منها لشن هجمات ضد اهداف غربية.

لكن السوريين ماتوا ورحلوا، وبقي الأسد، وبقي الإرهاب، وبعد سنوات من وعود القضاء على “داعش”، أصبح الأميركيون يتململون من فشل سياسة رئيسهم في مكافحة الإرهاب. لكن هدف أوباما يبقى “تقليص المساحة” الخاضعة لسيطرة “داعش”، من دون استخدام قوات أميركية، وهو ما يحتاج الى مقاتلين بديلين.

والقوة البديلة، حسب تصور الإدارة الأميركية، تتألف من “مقاتلين محليين”. والشراكة بين اميركا والمقاتلين المحليين سبق ان تحدث عنها الرئيس الأميركي في خطابه امام اكاديمية “وست بوينت” العسكرية، قبل عامين، وقال فيه إن أميركا نجحت في التغلب على المجموعات الإرهابية، وأن النموذج الجديد لمكافحة الإرهاب هو شراكة مع قوات محلية. وضرب أوباما اليمن مثالاً على نجاح سياسته.

لكن الحكومة اليمنية انهارت بعد خطاب أوباما، ومعها انهارت القوات المحلية. وفي العراق، توسع “داعش” واستولى على محافظات نينوى والانبار وصلاح الدين وديالى، وانهارت القوات المحلية العراقية، شريكة واشنطن، وتبعثرت خطة أوباما ورؤيته. ومع إصرار أوباما على التمسك بشراكة مع المقاتلين المحليين، يصبح السؤال: من هي هذه القوات التي يسعى أوباما الى العمل معها للقضاء على داعش؟

الإجابة قد تشي بأن أوباما تبنى مقولة الإيرانيين إن القوات النظامية لا تحارب، على عكس الميليشيات، لأن الأخيرة عقائدية. هكذا، يستند أوباما الى الميليشيات الشيعية والكردية في العراق للقضاء على “داعش”. أما الميليشيات السنية، فتراجع أوباما عن فكرة تسليحها بشكل مستقل تحت تهديدات رئيس حكومة العراق حيدر العبادي بالانسحاب من التحالف الدولي.

وفي وقت لاحق، حاول أوباما انشاء قوة سنية سورية رمزية لإشراكها في الحرب ضد “داعش”، لكن المشروع تبعثر بسبب البلاهة الأميركية التي طالبت المعارضين السوريين بتأمين مصالح أميركا في قتالهم “داعش”، ورفضت أميركا مبادلة ذلك بدعمها المعارضين السوريين في قتالهم الرئيس السوري بشار الأسد.

ومع بدء الشراكة بين القوة الجوية الأرضية والقوات المحلية على الأرض، تبين أن أكراد العراق وسوريا ليسوا مهتمين بالقضاء على “داعش”، بل يسعون الى قضم أكبر مساحة ممكنة يعتقدون انها ستصبح يوما جزء من دولة كردستان.

أما حليف أميركا الآخر، أي الميليشيات الشيعية في العراق، فهذه على الرغم من الغطاء الجوي الأميركي تقاتل خارج قراها وبلداتها، وغالبا في بلدات ذات غالبية سنية معادية، ما أعاق تقدم القوات الشيعية وجعل انتصارها على داعش متعذراً.

رؤية أوباما للقضاء على “داعش” أثبتت فشلها حتى الآن، وأوباما، بارتباكه أمام الأسئلة حول ضرورة تغيير استراتيجيته، يبدو انه يدرك ذلك. لكن أوباما ليس مستعداً لأي تغيير، فالباقي على رئاسته 13 شهراً بالتمام، وهدفه هو إضاعة الوقت حتى تصبح “داعش” مشكلة خلفه.

المدن

 

 

 

 

سوريا في السياسة الأميركية/ عبد الجليل زيد المرهون

كيف تبدو مقاربة الولايات المتحدة للأزمة السورية؟ وما الذي مثله الموقف الأميركي في مؤتمر فيينا-2؟ وهل ستمثل هجمات باريس حافزا لتسريع التسوية السياسية في سوريا؟

لعل الكثير من المحللين في الولايات المتحدة وخارجها يرون أن السياسة الأميركية في سوريا عبارة عن سلسلة إجراءات تتغير في الغالب بحكم تطورات ظرفية، ذات صلة بالأزمة السورية، أو بالفاعلين الأساسيين فيها.

وهناك دراسة لباحث أميركي تتبعت زمنيا سياسة البيت الأبيض تجاه سوريا منذ مارس/آذار 2011، وانتهت للقول بهذه النتيجة. وهناك أيضا مقالات عديدة في الصحافة الأميركية بدت في ذات المنحى ونفس الاستنتاج.

والسؤال الذي يُمكن إثارته هنا هو: هل ارتكزت السياسة الأميركية تجاه الأزمة السورية إلى “دبلوماسية مقطعية”؟ هناك بُعدان لهذه المقولة/ الإشكالية. الأول تقني، والثاني سياسي.

في المقاربة التقنية (أو المنهجية العامة)، يُمكن للباحث أو المحلل أن ينتهي للقول بالدبلوماسية المقطعية.

وبالطبع، هذا مفهوم ملتبس في حد ذاته، فرض نفسه في وقت متأخر على الدراسات السياسية، وليس بالمقدور حتى اليوم الخروج بتعريف جامع له، أو دقيق في المجمل. ولكنه يشير عموما إلى أن هناك سلسلة غير متصلة (أو غير مترابطة) من الإجراءات تجاه مسألة أو حدث معين، وأن غياب هذا الترابط قد يكون مقصودا أو عفويا.

في السياق السياسي، يبدو الأمر أكثر إشكالية وتحديا: فهل هناك في الأصل رؤية سياسية استندت إليها الدبلوماسية المقطعية، وتموضعت في إطارها؟ أم أنها دبلوماسية فرضت ذاتها كنتيجة لغياب هذه الرؤية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تبدو سهلة، بأي حال من الأحوال، وقد تخالطها نزعة معيارية، أو اصطفاف سياسي أو أيديولوجي. ودعونا نقارب هذا الأمر على نحو مبدئي:

عندما أطلق الرئيس، باراك أوباما، حملته الانتخابية للوصول للبيت الأبيض لأول مرة، كان من أكثر المعارضين للحرب في العراق، ومن أكثر القائلين، في الوقت ذاته، بتعزيز القوة الأميركية في أفغانستان. وقد طبق أوباما رؤيته في العراق، وأنجز انسحابا كاملا للقوات في أواخر العام 2011.

وفي أفغانستان، قام بزيادة القوات (على شكل زيادتها في العراق عام 2007-2008) بهدف تعبيد الطريق أمام إستراتيجية خروج لم تكتمل مقوماتها حتى اليوم.

وبعد الانسحاب من العراق، طرح الرئيس أوباما رؤيته للتوجه نحو آسيا، ومنحها أولوية أمنية واقتصادية في الإستراتيجية الكونية للولايات المتحدة. وهنا، بدا البيت الأبيض وقد وضع الشرق الأوسط في مرتبة تالية غير تلك التي ظل عليها منذ حرب الخليج الثانية. وذلك على الرغم من كل التصريحات التي استهدفت طمأنة الحلفاء في المنطقة.

هذه ليست انعزالية، بل إعادة توجيه للأوليات وإعادة تعريف تاريخي لها. وهذه تحديدا الخلفية المؤطرة للسياسة الأميركية تجاه الأزمة السورية.

وعليه، يُمكن القول إننا بصدد دبلوماسية مقطعية، استندت إلى رؤية سياسية، تقول بالانخراط الحذر في منطقة خرجت من قلب الأولويات الأميركية.

والآن: ما هي طبيعة هذه الدبلوماسية المقطعية، التي انتهينا للقول بأنها تستند إلى رؤية سياسية محددة، أو مرجعية؟

بالتوازي مع طابعها المقطعي، بدت الدبلوماسية الأميركية تجاه الأزمة السورية ذات طبيعة تجريبية على نحو ملحوظ، جرى فيها اختبار كم كبير من الخيارات -الأمنية على وجه خاص- صعودا ونزولا، على مدى أكثر من أربعة أعوام.

وفي الأصل، فإن التجريبية تمثل جوهر أية دبلوماسية مقطعية.

وفي العموم، فإن الدبلوماسية الأميركية قد انتهت اليوم للتأكيد على أولوية المسار السياسي، والقول إنه لا أفق للمقاربات الأمنية للأزمة السورية، وإنه لا فرصة لنجاح هذه المقاربات مهما بلغ نطاقها. وهذه القناعة لم تكن سائدة لدى واشنطن في السنوات الأولى للأزمة.

وبالطبع، لم يكن انتهاء السياسة الأميركية للأخذ بهذا المنطق بالأمر العابر أو العفوي. بل جاء، بالتأكيد، كنتيجة لحسابات معقدة، أو -لنقُل- نتاجا لقراءة أخذت في حسابها المعطيات الثابتة والمتغيرة في الأزمة، وفضائها الجيوسياسي الأوسع مدى.

إن تصريحات وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، في ختام اجتماعات مؤتمر فيينا-2، في الرابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2015، تُشير إلى تحول صريح، لا لبس فيه، في الموقف الأميركي، باتجاه تبنٍ واضح للحل السياسي دون شروط مسبقة.

وبموازاة هذه النتيجة التي انتهى إليها الأميركيون، هناك في وقتنا الراهن قضيتان رئيسيتان في فضاء المقاربة الأميركية للأزمة السورية: ترتبط الأولى بالحملة الجوية، دولية النطاق، التي تقودها واشنطن في كل من سوريا والعراق. وتتصل الثانية بحدود التفاهم الأميركي الروسي حول تدخل روسيا العسكري المفاجئ في الوضع السوري.

من الواضح أن واشنطن تعتبر الحملة الجوية التي تقودها طائراتها الحربية بمثابة البُعد الأهم في مقاربتها للوضعين السوري والعراقي. وقد تعزز هذا الشعور بعد استعادة القوات الكردية العراقية، في الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني، مدينة سنجار بدعم من الطيران الأميركي. والذي تزامن أيضا، على سبيل الصدفة، مع إعلان واشنطن استهدافها “جون اللندني”، بضربة جوية استهدفت سيارته بمدينة الرقة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن القصف الجوي لا يُمكن النظر إليه على أنه حل بذاته. أو لنقل إن هذا القصف لا يُمثل، على المستوى التحليلي، تعبيرا رديفا لمنطوق الحل. ونقصد به هنا حل الأزمة السورية. وربما نظر إليه الأميركيون على أنه جزء من الحل، في حين أن معارضيه، داخل الولايات المتحدة وخارجها، لا يرون فيه قوة دافعة بهذا الاتجاه.

وفي واقع الأمر، تبدو المقاربة العسكرية للولايات المتحدة بين ضغطين متقابلين: يقول الأول بتقليص التورط العسكري، ويدعو الثاني لزيادته.

وليس واضحا حتى الآن ما إذا كان بعض من هذه الضغوط سوف يعكس نفسه على خيارات واشنطن في سوريا. فالرئيس أوباما لا يزال متمسكا بقوله إنه لا يريد الانجرار إلى حرب هناك، ولا يُريد توريط القوات الأميركية في أي مهام قتالية.

وقد اتضح ذلك جزئيا من رفض البيت الأبيض، الدائم والمستمر، لفكرة إقامة منطقة حظر جوي فوق أي جزء من أجزاء القطر السوري. ومن الواضح أن المخططين العسكريين في البنتاغون يدركون تماما أن الذهاب نحو هذا الخيار يعني الذهاب إلى الحرب. وهو لا يعني غير ذلك أبدا.

ومن المنظور العسكري، فإن إقامة منطقة حظر جوي تعني منظومة واسعة من الأعمال الحربية، تتضمن، بين أمور أخرى، اشتباكا جويا، وقصفا لمنظومات الدفاع والرادار والمطارات العسكرية، وضرب القوات المتحركة على الأرض، وتعطيل منظومات القيادة والسيطرة، وشل شبكات الاتصال، والتشويش الإلكتروني والفضائي.

أليست هذه هي الحرب ذاتها؟

وفضلا عن ذلك، لا يخفى على أحد أن إقامة منطقة حظر جوي فوق دولة ما دون موافقتها تُعد انتهاكا صريحا لسيادتها الوطنية، كما يصنف فقهاء القانون الدولي ذلك على أنه نوع من الاحتلال.

إن تأكيد الرئيس أوباما على رفض الانزلاق نحو هذا الخيار يشير إلى أن مقولته بعدم الذهاب إلى الحرب مازالت ثابتة. ومن المفيد أن يتمسك بها حفاظا على الأمن الإقليمي، أو ما تبقى من هذا الأمن.

على مستوى احتمالات التفاهم الأميركي مع روسيا بشأن دورها العسكري في سوريا، من الواضح إننا بصدد قضية حساسة سياسيا ومعقدة تقنيا.

إن الطائرات الروسية والأميركية تلتقي بسماء الرقة ودير الزور، وقد تضرب ذات المواقع، ولكن لأهداف متباينة.

الطيران الروسي يقصف من أجل تعبيد الطريق أمام تقدم الجيش، على نحو ما حدث بأرياف حلب وحماة واللاذقية، بينما تقصف الطائرات الأميركية بهدف ضرب جماعة مسلحة محددة، بغض النظر عما يحدث بعد ذلك. بل إن الحملة الأميركية تحاشت منذ البدء بأن يجري تفسيرها على أنها شكل من الدعم للجيش السوري، على الرغم من أن هذا الجيش قد استفاد منها بطريقة غير مباشرة.

واليوم، يُمكن القول إن تقدم العملية التفاوضية في فيينا قد يُمثل فرصة للولايات المتحدة لبناء حد أدنى من التفاهم مع الروس. وهذا يُمكن تحقيقه على أي حال، وإن على المدى المتوسط.

إن التفاهم الأميركي الروسي، متى بلغ النضوج، قد يُمثل التطور الأكثر مغزى في البيئة الدولية للأزمة السورية. وهذا، على أي حال، مطلب دولي عام. وهو يجسد، في الوقت نفسه، مصلحة أميركية، ذات صلة مباشرة بالأمن القومي الأميركي.

إن ما حدث في مؤتمر فيينا-2 قد شكل محطة انطلاق يُمكن بكل تأكيد البناء عليها، وليس هناك فائض وقت يُمكن إضاعته، فالأزمة السورية يجب أن تعثر قريبا على تسوية سياسية، واقعية ومتماسكة، وليس ثمة سبيل لصيانة الأمن الإقليمي والدولي من دون التأكيد على هذا الخيار.

إن التفجيرات الانتحارية في باريس قد أوضحت على نحو لا لبس فيه بأن مفاعيل الأزمة السورية قد تجاوزت النطاق الإقليمي، وارتدت طابعا عالميا. وعليه، فإن التسوية السياسية الواقعية لهذه الأزمة لابد أن تكون مهمة عالمية، يتحرك من أجلها الجميع.

إن ما حدث في باريس يجب أن يكون حافزا لهذا العمل، كما قال وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير، في ختام اجتماعات فيينا-2. وهو ما أكده أيضا الوزير كيري، الذي صرح بأن “تأثير الحرب ينزف في جميع دولنا.. وقد حان وقت توقف النزيف في سوريا”.

إن العالم سوف يغدو أكثر أمنا واستقرارا في اليوم الذي يعم فيه السلام ربوع سوريا. وإن الجهود الدولية الراهنة ستنتهي في اللحظة التي يجلس فيها الوطنيون السوريون ليبحثوا سوية واقع القطر السوري ومستقبله، دونما تدخل أو وصاية من أحد. وهذه أساسا فلسفة الدعم الدولي المطلوب. وهكذا أيضا تخبرنا تجارب التاريخ في العديد من دول العالم.

الجزيرة نت

 

 

الاستراتيجية المفقودة/ هشام ملحم

يصرّ الرئيس باراك أوباما على عدم تغيير موقفه الرافض لنشر قوات برية ضد تنظيم “داعش” وخصوصاً في سوريا ويشدد على ان استراتيجيته المحدودة التي تعتمد على الغارات الجوية والتنسيق مع قوات كردية وعربية محلية سوف تنجح في المدى البعيد. وتبين مواقف اوباما الدفاعية واستخفافه بطروحات منتقديه الذين يدعون الى اعتماد استراتيجية شاملة وبعيدة المدى لمواجهة “داعش”، انه لا يرى ان التغيير الواضح في استراتيجية “داعش” الذي ابرزته هجمات التنظيم الارهابية في بيروت وباريس، وتفجير الطائرة الروسية فوق سيناء، يتطلب تغييراً جذرياً في الاستراتيجية الأميركية.

ومنذ بروز “داعش” كتنظيم ارهابي يختلف نوعيا عن التنظيمات الارهابية التي سبقته، بما فيها تنظيم “القاعدة”، والرئيس أوباما يسيء تقدير خطره، كأنه يعيش في حال نكران للواقع. ففي بداية 2014 وصف “داعش” بأنه تنظيم ثانوي لا يمثل خطراً على الولايات المتحدة. والخميس الماضي، ادعى أوباما ان التنظيم “لا يزداد قوة، وقد احتويناه”. في اليوم التالي شن “داعش” أكبر هجمات ارهابية تعرضت لها باريس منذ نصف قرن.

وفي مؤتمره الصحافي في انطاليا بدا أوباما مستاء من اسئلة مراسلي البيت الابيض المباشرة والقوية أكثر من استيائه من عنف “داعش” في باريس. وانسجمت اجوبته مع اسلوبه المعهود في التعامل مع أي اسئلة محرجة تطرح عليه عن الحرب في سوريا. وكما فعل في السابق حين كان يدعي ان خياراته في سوريا هي إما ألا يفعل شيئاً، وإما أن يغزو سوريا (وهو أمر لم يقترحه أي سياسي او محلّل جدي) فعل الشيء ذاته حين قال: “دعونا نفترض اننا نشرنا خمسين الف جندي في سوريا. ما الذي سيحصل عندما يجري عمل ارهابي مصدره اليمن؟ هل يجب ان نرسل المزيد من الجنود الى هناك؟ أو الى ليبيا؟”. أوباما يتحدث وكأن “عاصمة داعش ليست في الرقة، او ان وجودها في سوريا ليس محوريا لنجاحها الاولي في احتلال الموصل.

استمرار غياب استراتيجية اميركية تشمل مواجهة “داعش” في سوريا والعراق، ومساعدة المعارضة السورية من خلال اقامة مناطق آمنة قرب الحدود التركية والاردنية وبالتنسيق مع هذين البلدين، ونشر قوات قتالية تحرر الرقة وتسلمها الى المعارضة السورية، سوف يفتح المجال أكثر أمام روسيا لتلعب دوراً أكبر في سوريا – ربما بالتنسيق مع فرنسا هذه المرة – على حساب واشنطن. وهناك مسؤولون أميركيون يتحدثون بصراحة الان عن ان استمرار انهيار الوضع في سوريا سيؤدي في 2016 الى انفجار الوضع في لبنان. المنطقة لن تتحمل تلكؤ أوباما لسنة اضافية.

النهار

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى