رشا عمرانصفحات الثقافة

فانتازيا الخلود/ رشا عمران

 

 

كثيرا ما استوقفني المقطع الشهير من جدارية محمود درويش: (هزمتك يا موتُ الفنونُ جميعها/ هزمتك الأغاني في بلاد الرافدين/ مسلّة المصري/ مقبرة الفراعنة/ النقوش على حجارة معبد هزمتك ….). ليس فقط لجمال الشعر في هذا المقطع، وفي الجدارية كلها. برأيي أن الجدارية تكفي لتكرس درويش أحد أهم شعراء القرن العشرين، وإنما للمعنى المباشر الذي يقصده درويش، ولما خلف المعنى، لتلك اللحظة التي أراد بها درويش تحدّي الموت، فمعروفٌ أن الجدارية كتبت عن تجربته في مرض القلب، وبعد نجاته من عملية القلب المفتوح الأولى. ونعم، بعد النجاة من عمليةٍ خطرة كهذه، تراود المرء رغبة كبيرة في الوقوف مقابل الموت والصراخ في وجهه: لقد هزمتُك، عشتُ على الرغم من كل محاولاتك أخذي إليك. ويوما بعد يوم، يزداد الناجي من موتٍ كهذا تمسكا بالحياة، ويرى في كل ما يفعله صدّاً لمحاولات الموت من الاقتراب منه. في حالة المبدعين يصبح الإبداع المتواصل هو التحدي، والذاكرة عما أنتجته البشرية من فنونٍ هو نشاط بشري طويل الأمد، للهروب من الحقيقة الوحيدة المؤكدة: الموت، بكل عدميته، وكأن الإبداع عبر الزمن هو لاحتلال مساحات الفراغ التي يرد العدم مدّها لتصبح الحياة والموت هوتين كبيرتين، لا فرق بينهما.

يصبح الإبداع إذا معادلا للخلود، بحيث يبدو الأمر وكأن ثمّة سجلا للخلود يريد المبدع أن يضع اسمه فيه، كي لا يمحوه الموت مع من يمحي يوميا، غير أن سجل الخلود هذا لا يختص بالمبدعين فقط، ولا بالعلماء، ولا بمن خدموا الحضارة الإنسانية بكل وجوهها. سجل الخلود يضم أيضا المجرمين والقتلة وتجار الموت والسياسة، أولئك الذين يجهدون لتدمير حضارات الكوكب البشري، وربما لتدمير الكون، سجل الخلود هذا خاص بالتاريخ، والتاريخ لا يستخدم أحكام القيمة في اختياراته. ليست معاييره جمالية فقط، إذ نجد في سجل الخلود نيرون جنبا إلى جنب مع سبارتاكوس مع أفلاطون مع سافو مع هتلر وستالين وماياكوفيسكي وباخ وميرو والحجّاج وعروة بن الورد وسجاح وهند بنت أبي سفيان، صانعي الحضارات ومدمريها. “هناك اسكتش قديم جدا للأخوين رحباني عن شابٍ مهمّش، يقرّر أن يكسر مزراب عين الماء الذي تشرب منها كل القرى المجاورة. وحين سألوه عن السبب، أخبرهم أنه يريد أن يفعل شيئا يخلده في الزمن. مع الوقت صارت الأجيال القادمة تعرفه بوصفه كاسر مزراب العين”.

مثل الإبداع، جزء كبير من الخلفية النفسية للمجرمين الكبار تتجلى في فكرة الوقوف في وجه الموت بحثا عن الخلود، ما بقي سؤال الموت بغير إجابة، ولم تستطع الأديان إقناع كل البشر بالحياة الأخرى، ولا بالثواب والعقاب، ولا بالنار والنعيم، وما دام لا أحد عاد من الموت، ليخبر عن الحقيقة، فسؤال الخلود سيبقى أزليا، كلٌّ يجيب عنه بما هو عليه.

حين صحوت من التخدير الطويل في أثناء عملية القلب المفتوح، قبل أكثر من عام، كان أول ما فكرت به حين بدأت أستجمع ذاكرتي المفقودة لوهلة: أكثر من اثنتي عشرة ساعة، وأنا غائبة عن الحياة تماما، لم يعنني خلالها أن الحياة مستمرة خارج جسدي وطاقتي المشتتة في الفراغ. الحقيقة أن الحياة انتهت بالنسبة لي خلال تلك المدة، تنتهي الحياة حين نختفي عنها. استمرارها أو تطورها أو دمارها أو ديمومتها سيان بالنسبة للميت، حتى لو كان موته مؤقتا كما في أثناء التخدير الطويل. لم أفكر حين استيقظت من التخدير بكل ما فعلته في حياتي، تلك الأشياء التي ظننت فترة طويلة أنها ستجعل مني خالدة، لم تكن تهمني أبدا. ما كان يشغلني هو الصراع بين الانحياز للعدم بدون الإحساس بالألم، والانحياز للحياة بكل صعوبة العودة إليها تلك اللحظة، حين استعدت وعيي كاملا، وبدأت محاولات العودة إلى طبيعتي، أضحكتني فكرة البحث عن الخلود عبر أي شيء، بماذا سيفيدني كل ما كتبته لحظة مقابلة الموت؟ ماذا يعني لي أن يبقى اسمي بعد موتي؟ هو قد يكون مهما بإدراكي له الآن، ينتهي الإدراك بالموت، مثلما ينتهي كل شيء به. لا شيء يهزم الموت للأسف. يبدو دائما أنه المنتصر الوحيد، أما الفنون ومسلة المصري وأغاني بلاد الرافدين والنقوش على معبدٍ قديم في بلاد الشام فقد بقيت دليلا على أن الحياة بالنسبة لأصحابها انتهت منذ زمن طويل.

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى