صفحات سورية

فلنختر طريقنا عن بيّنة- حول الحل العسكري والحل السلمي


نورس ماجد

الكل يسأل ويطالب دعاة السلمية بتقديم دلائل عن فعالية العمل السلمي، وتقديم إستراتيجية واضحة لحماية المدنيين، لكن لماذا لا نطلب أيضاً من كل من يريد التدخل الخارجي العسكري أن يقدم برنامجاً واضحاً كهذا؟ كيف يرى دعاة التدخل العسكري الخارجي إمكانية الضغط على الغرب للتدخل الخارجي وشكل هذا التدخل (حصار جوي، قصف، جنود مشاة الخ)؟ .. كيف يضمنون السيادة وعدم سقوط أعداد أكبر من الضحايا؟. كيف يرون إمكانية تحقيق ديمقراطية يختار الشعب فيها من يحكمه بعد هذا التدخل، كيف يستشفون حسن النية من الأطراف المتدخلة على الرغم من انتقاداتنا لها حتى في أحدث تجارب التدخل؟ بهذه الطريقة نضع البرنامجين في الميزان ونقارن بينهما ونختار طريقنا عن بينة..

 أليس من المرجح أن نكتشف بعد إعداد برنامج كهذا أن كلفة التدخل الخارجي قد تبدو باهظة بشرياً واقتصادياً، وأن إمكانية نجاحها قد تكون أقل، وكذلك إمكانية تحقيق أهداف الثورة الأساسية وهي الديمقراطية وبناء مجتمع مدني وعدالة اجتماعية؟

نحن نطلب التدخل الخارجي لحماية المدنيين، أتفهم ذلك تماماً.. لكن أليس من المرجح أن التدخل العسكري سيسقط فيه مدنيون أكثر بدليل كل التدخلات العسكرية التي حدثت في العالم، مع إعادة التذكير على الوضع في سوريا من حيث الكثافة والتركيبة السكانية.

 في دراسة أعدتها باحثة أمريكية (إريكا تشينويث -2011) عن الثورات في العالم،  أظهر البحث أن 25 بالمئة فقط من الثورات المسلحة (سواء في حالتي التدخل الخارجي العسكري أو المعارضة الداخلية المسلحة) في القرن المنصرم كانت نتائجها ناجحة. في المقابل بلغت نسبة نجاح الثورات السلمية في الفترة ذاتها قرابة الثمانين بالمئة. أشارت الدراسة أيضاً إلى أن الكلفة البشرية كانت باهظة للغاية في التدخلات العسكرية، وبلغت الملايين من الضحايا في بعض الحالات. إضافة إلى أن الأنظمة التي انتصرت في البلاد التي لجأت إلى الحل العسكري كانت معظمها أنظمة قمعية.

هناك دراسة حديثة أخرى أجراها (بيتر آكرمان و كارتانايسكي – طبعة أخيرة 2010)، أشارت إلى أنه من بين 67 من الثورات ضد الأنظمة بين الأعوام 1973 إلى 2000، كانت هناك 20 حالة لجأت إلى الحل العسكري (سواء تدخل خارجي أو معارضة مسلحة)، وأن 4 فقط من هذه الحالات نجحت في تحقيق مجتمع حر (وفقاً لمعايير منظمة فريدوم هاوس). وفي المقابل، من بين أربعين ثورة التزمت بالحل السلمي، 32 منها حققت مجتمعات تتمتع بالحرية وفقاً لنفس معايير منظمة فريدوم هاوس.

 السبب، حسب الدراسة، هو أن معظم المنتصرين في الدول التي شهدت ثورات مسلحة أو تدخلات عسكرية، اضطروا في مرحلة ما إلى اللجوء إلى أساليب متطرفة وعنيفة أحياناً لإعادة النظام إلى البلاد بعد الفوضى التي أحدثتها النزاعات المسلحة، ومن تلك الأساليب تعزيز مركزية الدولة بالاعتماد على قوة الجيش والأمن، وقمع للحريات، ومصادرة للسلطة، سيما وأن محاولات بناء الديمقراطية تضعف مع وجود أعداء كثر يحاولون الانتقام من المنتصر.

ولأن القوة هي التي استخدمت للوصول إلى السلطة، سوف تبدو حدود استخدام القوة لحل النزاعات شبه معدومة، ويلجأ لها المنتصر بسهولة عند أول تهديد لإنجازاته.

النتيجة هي أنه على الرغم من نجاح بعض الحلول العسكرية، إلا أن نتائجها على المدى الطويل كانت في معظم الحالات سيئة.

 أما في الثورات  السلمية التي نجحت، فإن المقاومة السلمية تصبح في هذه المجتمعات الطريق والأسلوب لحل للنزاعات في المستقبل، ولدى حدوث أي مشكلة لن ترى هذه المجتمعات تحمل السلاح وإنما تخرج للشوارع للتظاهر أو الاعتصام أو الإضراب وهو عادة ما يعزز نشاط المجتمع المدني.

 بالتأكيد ليست كل الحالات السلمية ناجحة بالمطلق، إلا أن الدراسة أشارت إلى تدني احتمالات اللجوء إلى أساليب متطرفة لحل الخلافات في المستقبل، حتى ولو كانت هذه الخلافات مستعصية وفشلت الحلول القانونية العادية وسدت الطرق، وحتى لو لجأ الخصم إلى العنف.

 من جانب آخر، الطريقة التي تنجح بها المقاومة اللاعنفية في إلغاء مركزية السلطة في المجتمع، (على عكس الحكومات العسكرية) تعطي هذه المجتمعات قدرة أكبر على محاسبة المسؤولين في المستقبل، ولطالما أشار الباحثون إلى أثر وجود مجتمع مدني نشيط وتفاعلي في بناء الديمقراطيات والحفاظ عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى