أحمد أبا زيدصفحات المستقبل

في الخضوع الرمزي/ أحمد أبا زيد

 

 

أحياناً يكون الرد على الخصوم إثباتاً لحججهم، حين تحاول تبرير قضيتك بمنطق هذا الخصم نفسه، وتشترك معه في وضعها ضمن قفص الاتهام الذي صنعه وأن ترد على إشكالاته، وتكون قد وضعت نفسك طوعاً في دائرة الشرعية الخاصة به، وسلّمت نفسك لأولوياته، ولن يؤثر حينها أن تلعب على حواف دائرة يملك هو مركزها وخطابها ورموزها.

ينطبق هذا على نقاش “الجهادي المعتدل أو التائب” مع “السلفي الجهادي”، حين يسلم له بأشكال الشريعة التي يطبقها ولكن يختلف معه في توقيت إعلان الإمارة، ويسلّم له بفجور الشعب وثورته ومثقفيه وسياسييه ومقاتليه، ولكن يختلف معه بضرورة قبولهم حالياً لأنه شعب عانى من حكم الكفر، ويسلّم له بعداوة السياسة والعلاقات الدولية والمشاريع الوطنية، ولكن يختلف معه بأنه يمكن خداع الأعداء ببعض الشعارات بحجة فقه الاستضعاف.

وكما ينطبق هذا على نقاش حركات الإسلام السياسي العربية مع الدولة، حين تحاول الرد على أسئلة الحرية وقبول المختلف والتعددية السياسية التي تطرحها دولة ديكتاتورية عسكرية تقمع أي مخالف، فإنه ينطبق على نقاش الإسلاميين عامة مع الغرب، سواء الغرب السياسي أو المعرفي.

وذلك سواء في سعي “الإسلام السياسي” المستميت لإظهار أن الاشتراكية ثم القومية ثم الديمقراطية ثم الليبرالية متضمنة في الإسلام كنظرية وكتجربة تاريخية، أو في سعي الثقافة الإسلامية المعاصرة إلى إثبات تفوق الإسلام من حيث النص المؤسس أو التجربة التاريخية في مجال العلوم الطبيعية أو في امتلاك نظريات مستقلة في العلوم الإنسانية (موجة أسلمة المعرفة)، حيث نبحث عن علم اجتماع إسلامي (ما معنى ذلك؟) ولسانيات إسلامية وإدارة أعمال إسلامية وكيمياء إسلامية..الخ.

ولأن كل ذلك مجال تفوق المعرفة الغربية ومرجعيتها فلسنا مضطرين لإثبات تفوق الإسلام هنا، وهو ليس مطالباً بذلك أساساً من حيث هو دين الإسلام، ولا نحن مضطرون لسجالات “الرد” على “الغرب” بقدر التعلم والمشاركة في هذه المعرفة، حيث ما يمس ثوابت الإسلام أو حقوقنا كمسلمين قد يقع في مكان آخر، أو على الأقل ليس مطابقاً تماماً لهذه المجالات البحثية، خاصة أن معظم سجالات الرد هذه تخطئ كشف التحيزات الأيديولوجية والنزعات الاستعمارية في المعرفة الغربية، وهي المهمة التي تولاها اليسار الغربي والأميركي خاصة، وتحاكمها وعظيّاً من باب عدم مطابقتها للإسلام أو عادات المسلمين فقط.

وكثيراً ما يكون السعي لتمجيد التاريخ المعرفي الإسلامي هنا -من منطلق تبرئته من نقصه أمام تفوق الغرب- تشويهاً له وحرفاً لمنطقه وأولوياته في الحقيقة، حيث لم يكن العلم الطبيعي من علوم الضرورة أو المنطق المهيمن بطبيعة الحال، وذلك من توهم أن هذا التاريخ المعرفي أو السياسي هو الإسلام نفسه، طبعاً لا أدعو للمطابقة هنا ولا الفصل المطلق أيضاً بين الإسلام وتجلياته التاريخية.

ينطلق ذلك من الإشكال الهوياتي الذي غرقنا فيه منذ صدمة الحداثة أو الاستعمار أو الدولة القطرية (الحداثة مصطلح أصبح مبتذلاً بسبب ميوعة استخداماته وأفضل أن أتجنبه)، حيث أصبحنا مقتنعين أن مشكلتنا أو تفوقنا (وبالتالي مشكلة الآخر أو تفوقه) تبعٌ لهويته الجمعية والمؤسِّسة بالذات، فانتقل السؤال من المسلمين إلى الإسلام، ومن مشاكل الواقع إلى مسائل النص، ومن أصول الفقه والنوازل والمقاصد إلى “مرجعيتنا الكتاب والسنة” أو “إسلام بلا مذاهب”.

ومن المفارقات الطريفة أن منطق الهوية الحاكم الذي نجده لدى الإسلاميين، والذي يزداد كلما اتجهنا نحو التيارات السلفية، ويبلغ مطلقه مع السلفية الجهادية، حين تتم مماهاة الجماعة وفكرها ومشروعها السياسي وأشخاصها مع الإسلام باعتبارهم تجليه الوحيد في مقابل “الآخر العدو” الذي يشكل كل ما سواهم، هو المنطق نفسه الذي يستخدمه اليمين المتطرف الغربي في تبرير سياسة ونزعة المعاداة للمسلمين، باعتبار أن المشكلة في الإسلام نفسه.

وإن ظهرت هذه “المانوية الحديثة” في النظرية العرقية بغطائها العلموي مع التوسع الإمبريالي ثم أعادت إنتاج نفسها مع النزعات الفاشية في النصف الأول من القرن العشرين، ثم انتقلت إلى اليمين المتطرف الذي عاد لاجتياح الفضاء العام والسياسي الغربي في العقدين الأخيرين، فإنها تجد مكانها الأنيق بعيداً عن صخب الخطابات في “النظريات الثقافوية” في العلاقات الدولية خاصة، والتي رسمت السياسة الأميركية مع انتشار كتابات فوكوياما وهنتنغتون وغيرهم.

أبرز وجوه النظرية الثقافية في العلاقات الدولية الآن هو صموئيل هنتنغتون، صاحب صراع الحضارات، المفضل لدى المحافظين الجدد، وملهم سياسات الإرهاب، وبتقسيمه العالم لنطاقات ثقافية كبرى جوهرانية ومتصارعة واعتبار الإسلام الخطر المحتمل، روّج هنتنغتون النظر للإرهاب كطبيعة للإسلام لا لأفعال أفراد، حيث ثمة ثقافة بعينها متفوقة جوهرانياً يجب أن تنتصر وتحقق نهاية التاريخ، هذا منطق داعش والمحافظين الجدد معاً، ولكنه يظهر بمستويات مختلفة لدى غيرهم.

(سورية)

العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى