سمر يزبكصفحات الثقافة

في ظل قنابل الأسد


سمر يزبك()

لم تكن الساعة قد قاربت الخامسة صباحاً، كنت مستلقية على جانب سريري والفتاتان اللتان عهد إلي مراقبتهما مستلقيتان على الجانب الآخر. لم يغمض لأي منا جفن في تلك الليلة فقد كانت القنابل تتساقط حولنا بكثافة. وقالت والدة الفتاتين التي دخلت إلى الغرفة مرتعبة “القصف يزداد سوءاً”.

سارعنا في الخروج من الغرفة ونزلنا إلى ملجأ كان قد وصل إليه بعض النساء والأطفال وحتى الرجال. أصبح بإمكان الأطفال الآن التمييز بين أصوات القنابل والرصاص، بين القذائف التي تسقط بعيداً أو تلك القريبة، كما أصبح بإمكانهم تحديد المصدر الذي تنطلق منه.

منذ اليوم الأول لدخولنا البلاد جرياً عبر الحدود مساء الأحد الماضي، بذل أربعة رجال المستحيل ليوفروا لي الحماية. لقد قطعوا الشريط الشائك على الحدود لكي أتمكن من الزحف من تحته. سقطت قذيفة قريبة جداً بالقرب منا، في ما كانت القذائف تتساقط حولنا ونحن في السيارة نحاول أن نشق طريقنا مواربة. ولدى عبورنا مدينة أتارب في محافظة حلب، أدركت معنى كلمة “إبادة”. أتارب مدينة مدمرة بالكامل: الشوارع محفورة بالقنابل، الأبواب مخلوعة، البيوت مهدمة، الشوارع خالية. في الليل، لا يمكن حتى سماع صوت نباح الكلاب، إذ إنها مدينة أشباح. لا وجود للحياة فيها من أي نوع. تشاهد هنا وهناك، في شارع وفي آخر الهياكل المتفحمة لدبابات حكومية.

كان علينا أن نغفو بعد رحلتنا الشاقة عبر الحدود من تركيا. غير أن في سراقب، ظلت العائلة التي تستضيفنا منتظرة وصولنا طيلة الليل، لذا جلسنا معاً حتى ساعات الصباح الأولى من يوم الاثنين وهم يحدثونني عن جيرانهم الذين قتلوا، عن الشبان الذين أعدموا في ساحة البلدة.

سراقب كانت إحدى أولى البلدات التي انتفضت ضد النظام. العقاب كان قاسياً حصار، قصف، اعتقالات وتصفيات جسدية. اليوم توجد في سراقب خمس كتائب من الجيش السوري الحر لحمايتها. ومع ذلك، يوجد قناصة تابعون للحكومة يتمركزون وسط البلدة، ومقرهم العام يقع في مبنى الإذاعة والتلفزيون. مجموعة القناصة تسعة يعملون على نوبات من أربع ساعات في المبنى المحمي من قبل دبابة تقوم بقصف المدينة بين الحين والآخر. وما أن يتمكن الجيش السوري الحر من قتل أحد القناصة حتى يرد الجيش الحكومي بقصف المدينة. ويقول سكان البلدة أن القناصة يصطادونهم عشوائياً.

قبل بضعة أيام، اصاب قناص طفلة في الرابعة من العمر تدعى ديانا، برصاصة في ظهرها ما أدى إلى إصابتها بشلل دائم. كانت صغيرة جداً ونحيفة لدرجة أني لم أصدق أن جسدها لم يسحق بالكامل نتيجة تأثير الرصاصة.

مساء الاثنين، ذهبنا لمقابلة مجموعة من الجيش السوري الحر في بلدة بنش في محافظة أدلب. لم يكن أكبرهم يتجاوز الخامسة والثلاثين من العمر، كانوا جميعهم ممتلئين حيوية وتفاؤلاً لكنهم كانوا منهكين أيضاً. لقد صافحت كل فرد منهم باستثناء واحد وضع كفه على صدره وانحنى احتراماً.

لم يكونوا متطرفين إسلاميين. لقد صادفت مجموعات إسلامية قليلة وبعض الجهاديين السلفيين الذين بدأوا بالظهور مؤخراً، لكنهم لم يشكلوا رقماً كبيراً.

وفيما كنا جالسين على شرفة تطل على حقل زيتون، بدأت القنابل تتساقط حولنا. كانت بلدة تفتناز القريبة من حيث كنا تتعرض للقصف. كان بمقدورنا أن نشاهدها من على الشرفة. سألت قائد المجموعة الذي أعد لنا طعام العشاء “ألست خائفاً من أن تسقط قذيفة فوق رؤوسكم الآن؟” فأجابني “لسنا خائفين لقد أصبح الموت جزءاً من حياتنا”.

وأثناء العشاء كان موضوع النقاش الرئيسي مدينة حلب، المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في سوريا. عدد من الشبان الجالسين معنا كانوا من حي صلاح الدين المحاصر في المدينة وكانوا يستعدون للعودة إليه. رفضوا أن أرافقهم خوفاً من المعركة الكبيرة المنتظرة.

كنت المرأة الوحيدة بينهم وعاملني شبان الجيش السوري الحر كواحدة منهم. خلال الاجتماع بدا واضحاً أنه من الخطأ اعتبار الجيش السوري الحر كتلة واحدة. إنه مجموعة كتائب تضم العلمانيين، الإسلاميين المعتدلين وأشخاصا عاديين تكاتفوا للدفاع عن حياتهم وحياة عائلاتهم.

وفي نهاية رحلتنا وأثناء العودة إلى سراقب قال لي قائد الكتيبة “نحن شعب واحد، نحن والعلويين أشقاء. لم نفكر يوماً بمثل هذه الأمور التي يحاول النظام أن يغذيها”.

صمت لبرهة لكي أدرك حقيقة ما يقوله لي، أنا ابنه عائلة علوية معروفة تؤيد الرئيس بشار الأسد من دون شروط. لقد أنكرني علناً بعض أقربائي لأني أدرت ظهري للنظام كما أن بعضهم الآخر كتب على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك أنهم لا يعتبروني واحدة منهم بعد الآن.

ضغطت على يد قائد الكتيبة

اجتمع الأطفال حولي صباح الثلاثاء في الملجأ يشاهدون ما كنت أكتب. اجتمعت النساء ليروين أحداث الليلة التي مرت والتي قتل خلالها اقرباء لهن.

كانت قوافل كل منها مؤلفة من 15 دبابة تمر بنا باتجاه حلب كل ساعة تقريباً. قال لي الشبان أن حوالى 80 دبابة ستمر اليوم وأن القصف سيزداد عنفاً ما يعني أن علينا البقاء في الداخل.

حاولت النساء داخل الملجأ البدء بحديث فرجال الجيش السوري وحدهم كانوا في الخارج. لقد رفضوا الحديث إلي وأن علي أن أبقى في الملجأ مع النساء والأطفال حتى انتهاء المعركة. لم يكن أي من شباب الجيش السوري الحر يرمي دبابات القوافل بل هي التي كانت ترمي نيران مدفعيتها فيما القناصة يستهدفون كل ما يتحرك ويرمون القذائف الصاروخية. وقال لي أحدهم “نعلم أن لديهم أسلحة أقوى وأكبر من التي معنا لكننا نملك الشجاعة والقناعة بثورتنا. لم نسمح لهم بإذلالنا. نحن على استعداد للدفاع عن منازلنا حتى الموت”.

عند الساعة الثانية صباحاً، بدا أن قافلة الدبابات المتجهة إلى حلب قد غيرت مسارها، ما يعني أن القصف يصف قليلاً، لكن أصوات رصاصات القناصة لم يخف. وفي غضون أقل من نصف ساعة، وصلت مجموعة من الجيش السوري الحر.

كان قائد المجموعة شابا يدعى أمجد يحمل شهادة من معهد تقني ويملك محلاً للثياب في سوق سراقب إلى أن أحرق ونهب على يد جيش النظام. كان هادئاً وعيناه تلمعان. بدا أنه حزين قليلاً. لم يصافحني بل انحنى قليلاً كدليل احترام ثم جلس مع المجموعة.

وأثناء الحديث، كانت الطائرات الحربية تحلق على علو منخفض في سماء سراقب. سمعنا صوت قنبلة قوية لكن الحديث لم يتوقف. لا توجد مقارنة بين ترسانة أسلحة النظام وأسلحة الجيش السوري الحر. النجاح الذي حققوه في المعارك على الأرض في وجه قوات الأسد كان بفضل شجاعتهم. لم يتحدث قائد المجموعة في البداية لكنه سرعان ما انخرط في الحوار.

وقال “نحن مجموعة من الكتائب المستقلة ولا نتبع هيكلية قيادية مركزية. نحن هنا نعمل بمفردنا. معظم الدعم الخارجي يذهب إلى الإسلاميين”.

وأضاف “لقد بعنا الذهب الذي كان لزوجاتنا وشقيقاتنا من أجل شراء الذخيرة والدفاع عن البلدة”.

بدا قائد المجموعة خائفاً على مصيرهم في حال تخلوا عن القتال وانتصر النظام. وقال “سيتوجه الشبان صوب الأصولية والتطرف. لقد عانى الشعب السوري في السابق الفقر. وبعد عام ونصف على الثورة، بدأ الشعب السوري يهتم بنفسه بعد أن شعر أن العالم تخلى عنه. أخشى أن الأمور يمكن أن تصبح أسوأ”.

توقف قائد المجموعة عن الكلام وسمعنا صوت قنبلة تنفجر في مكان قريب. بعد أن حييتهم غادرتهم واعدة بالعودة صباح اليوم التالي. وعندما عدت إلى الملجأ كانت أمرأة أخرى قد وصلت للتو ومعها رواية جديدة.

قالت “حضر بائع تفاح إلى سراقب اليوم. لقد قتل على يد القناص فوق مبنى الإذاعة والتلفزيون. حضرت القوات الحكومية واستولت على التفاح بدأ العسكر يتناولونه ولم يبالوا بجثة البائع التي كانت على الأرض أمامهم”.

وأضافت “كان نجل البائع يصيح ويصرخ طالباً المساعدة لكي ينقل جثة والده لكي يدفنها بشكل لائق، فقال له أحد الجنود أن يذهب ليستدعي الجيران علهم يساعدونه”.

قبل أن تمر طائرة حربية مخترقة جدار الصوت فوق سراقب، أكملت المرأة قائلة “مسكين هذا الرجل. كان غريباً لا يريد سوى بيع تفاحه”.

ترجمة: صلاح تقي الدين

عن الانكليزية

() سمر يزبك روائية وصحافية سورية مؤلفة كتاب “امرأة في تقاطع نيران: يوميات الانتفاضة السورية”.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى