صفحات الثقافةممدوح عزام

في قاعة الانتظار/ ممدوح عزام

 

 

في رواية أنطونيو تابوكي “بيريرا يدعي” يتساءل بيريرا عما إذا كان الشابان روسي ومارتا على صواب في موقفهما من النظام الفاشي في إيطاليا موسوليني، فيجيبه صديقه كاروزو إن الحسم في هذه المسألة هو وظيفة التاريخ وليست وظيفته هو.

يثير هذا الرأي حزمة من الأسئلة، تجاه اللحظة السورية، فالمتغيرات على الأرض، تكاد تكون يومية، لا في التحركات السياسية والعسكرية وحسب، بل في تقلبات الأمزجة والآراء والأفكار. ففي أي مكان أو زمان، لدى أي فرد أو مجموعة، داخل أي سياق، ووسط أي معترك، يمكن أن تتجلى وظيفة التاريخ؟ ومن هم الذين قد يحيل الروائي أمر البت في شأن مواقفهم إلى هذا الكائن الغريب؟ هل يحيلهم إلى تاريخ المنتصرين، أم إلى تاريخ المهزومين؟

ولكن ماذا يفعل الروائيون إذا ما تخلى التاريخ عن القيام بهذه الوظيفة؟ ماذا يفعلون إذا امتنع عامداً، أو عجز مستسلماً، عن أداء المهمة المنتظرة التي سوف تنبذ هذا، أو تحرج ذاك، أو تحمل هؤلاء إلى قوس المحاكم، أو تهرع بآخرين إلى فضائل البطولة؟

لا ينتظر تابوكي قرارات التاريخ، وفي نهاية الرواية يحسم بيريرا أمر موقفه لينحاز إلى صف روسي الذي تغتاله شرطة الفاشية، وهو ما يرشّح الرواية، أي رواية، لتعمل خارج قاعة انتظار التاريخ. ذلك أن الرواية لا تكتب كبديل، أي أنها لا تتلقف المسكوت عنه، ولا تسعى إلى سد الثقوب المهملة، ولا تنشط لتعويض النواقص في ذاكرة التاريخ، حتى لو كنا نتحدث عن الرواية التي يطلق عليها اسم الرواية التاريخية.

كما أن الرواية لا تقول ما يمتنع التاريخ عن قوله، فقط، حسب المقولة التي ابتكرها المكسيكي كارلوس فوانتيس، أي لا تقايض التاريخ كي ترفع العتب عن تقصيره، أو عن خبثه، أو عن انحيازاته. وإنما تزهو بحضورها المستقل الذي يقول ما يعجز التاريخ عن قوله.

إنها تروي سيرة من لا تاريخ لهم، ففي حين لا يقترب التاريخ من البشر العاديين، من أولئك الذين يمرون في الشارع، بل يحاول أن يسجّل أسماء أولئك الذين أعطوا الأوامر، غير عابئ بالسيد بريخت الذي تساءل عمن بنى طيبة ذات البوابات السبع: هل حمل الملوك الأحجار على أكتافهم؟ إذ أن كتب التاريخ تذكر أسماء الملوك.

تنشغل الرواية بما كان يفكر فيه جوليان سوريل في “الأحمر والأسود”، أو بشواهد من حياة كمال عبد الجواد في ثلاثية محفوظ. تتساءل عن المقاتل في الجبال، أو عن حامل الياسمين في شوارع دمشق السلمية؟ عن الشعوب التي خرجت إلى الساحات؟ أو عن تلك المرأة التي اعتقلت وماتت وحيدة في منفى الزنزانة؟ عن الطفل المقتول تحت التعذيب؟ أو عن الصحفي المرهق بأعباء الترويض؟

هكذا، حين يكتب المؤرخ تاريخ الثورة، يكتب الروائي قصة مدينتين ليروي فيها مصائر الأفراد في الثورة. أو حين يكتب التاريخ سيرة الإمبراطور، فإن الرواية ستكتب عن أولئك الذين لم يرهم أي إمبراطور. فالرواية هي حلم العدالة لدى المغمورين الذين لن ينتظروا، ولم يسبق لهم أن انتظروا، أحكام التاريخ.

* روائي من سوريا

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى