جاد الكريم الجباعيصفحات الرأي

في معنى الحدث التاريخي السوري

 


جاد الكريم الجباعي

ما يجري في سوريا اليوم وما جرى ويجري في بلدان عربية أخرى يتجاوز كونه “أحداث” أو حوادث أو مظاهرات واحتجاجات لتغيير حكومة أو إسقاط سلطة، ويمكن وصفه بأنه حدث تاريخي[1]، بكل ما ينطوي عليه الحدث التاريخي من فرادة وقوة وغموض ومفاجأة أو مباغتة وكسر للنسقية أو النمطية والاطِّراد .. حدث زلزالي يفجر جميع الأوضاع والبنى القائمة والعلاقات القائمة، ويفتح إمكانات إعادة بناء ليس بمقدور أحد أن يتنبأ بآلياتها وأساليبها وإيقاع حركتها ووتائر نموها، ناهيك عن مضمونها. لذلك يصعب الحكم عليه بمعايير تقليدية، كالتي اعتدنا على استعمالها للحكم على الظواهر الاجتماعية والسياسية، إذ ينبثق انبثاقاً من فضاء الإمكان والمصادفة والاحتمال ومن اللعبة الغامضة لعلاقات القوة، وينفتح على ممكنات شتى، ويتأبى، من ثم، على السببية المنطقية وعلى الوضعانية بوجه عام، لينتج منطقه الخاص. الحدث التاريخي، بهذا المعنى، جملة معقدة ومتداخلة من السيرورات المختلفة في مجالات مختلفة تتجه في لحظة معينة في الاتجاه ذاته ويصعب معها تنسيب الحدث أو نسبه إلى أي منها.

هذا حدث تاريخي يتحدى “اليقين” ويدربنا يوماً بعد يوم على مراودة الاحتمالات واستشفاف الممكنات مع كثير من القلق والشك، وكثير من الأمل والرجاء. كل يوم ننتظر ما سيحدث في اليوم التالي، وكل يوم جمعة ننتظر ما سيحدث في يوم الجمعة القادم، من دون أن نكون على يقين من أي شيء، فتفاجئنا أحداث اليوم التالي والجمعة التالية، ونعيش وجدانياً وفكرياً في خضم حركة مد وجزر، لكن الشيء الوحيد الذي يرقى إلى منزلة اليقين هو: “الشعب يريد الحرية والحياة الكريمة” في ظل دولة وطنية، مدنية، هي دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بالتساوي، وسلطة وطنية عامة هي سلطة القانون الذي يضعه الشعب لنفسه بإرادته الحرة. مصدر هذا اليقين هو الإجماع على مشروعية المطالب واعتراف “أهل الحكم” بذلك وإن على نحو خجول ومراوغ. لعلها المرة الأولى، منذ نصف قرن، التي ندرك فيها إدراكاً واضحاً، نحن السوريين، معنى الحرية ومعنى إرادة الشعب أو الإرادة العامة ومعنى سيادة الشعب وكونه مصدراً لجميع السلطات، لا من التجارب القريبة منا وجدانياً وروحياً فقط، ولا سيما التجربة المصرية[2]، بل من تجربتنا الخاصة، بعد طول عناء.

علاقات القوة، التي هي نسيج الحدث، وهي علاقات سلطة في الوقت نفسه، لا يمكن فهمها إلا بإرجاعها إلى علاقات ميكروية أو صُغرية، هي علاقات بين أفراد مختلفين، لهم اتجاهات مختلفة، ودوافع أو بواعث مختلفة، لا تلبث أن تصير علاقات بين مجموعات، للمصادفة أثر كبير في تشكُّلها، يوحد كلاً منها ثم يوحدها جميعاً الاحتجاج والسخط على الأوضاع القائمة (غير المعقولة) وعلى السلطة السياسية / الأمنية القائمة، لأنها تكثف جميع السلطات التي تضغط على الفرد وتوجه حياته قسراً، بعد أن اخترقت جميع بنى المجتمع وامتصت قوته وسيطرت على مقدراته. ثم تصير مشروع علاقات أو أجنَّة علاقات اجتماعية اقتصادية وسياسية وثقافية وأخلاقية ذات طابع وطني عام، تناقض، في بادئ الأمر، وعلى وجه العموم، جميع العلاقات القائمة. فما من “ناشط” أو فاعل اجتماعي إلا ويريد تحويل أفكاره وتصوراته ورغباته إلى واقع، لكن هذه الأفكار والتصورات والرغبات الفردية والذاتية تصطدم بأفكار الآخرين وتصوراتهم ورغباتهم فتنحد بها وتحدها، بحسب الفروق بين الأفراد، التي يضعها الاختلاف والتفاوت، لأن كلاً منهم لا يستطيع تحقيق ما يريده أو يرغب فيه بدون الآخرين وبمعزل عنهم. وما من مجموعة أو جماعة إلا وتريد تحويل أفكارها وتصوراتها إلى واقع، لكنها تصطدم بآراء المجموعات والجماعات الأخرى وتصوراتها فتنحد بها وتحدُّها، بحسب نسبة القوى بين المجموعات والجماعات، لأن أياً منها لا تستطيع أن تحقق ما تريده أو ترغب فيه بدون الآخرين وبمعزل عنهم.

إن ما يمنح علاقات القوة مضامين وطنية عامة، اجتماعية اقتصادية وثقافية وسياسية وأخلاقية، ليس ما يتوفر عليه كل فرد من عنصر عمومية هو أساس العلاقة بين حياته الشخصية والحياة العامة في المجتمع فقط، بل هو ما تتحدد به سمات مرحلة معينة من مراحل تطور المجتمع المعني وما تحمله هذه المرحلة من ممكنات في أي مجال من مجالات الحياة. فلسنا إزاء ضرب من ضروب “معانقة السماء”، بل إزاء توجه نحو مستقبل هو ممكنات الحاضر، سواء سميناه إصلاحاً سياسياً جذرياً أو تغييراً ديمقراطياً أو ثورة. السمات العامة لأي مرحلة تاريخية تشكلها العلاقة الجدلية بين الحرية والسلطة، أو بين السلطة والمقاومة، بين أشكال السلطة وأشكال مقاومتها، على كل صعيد. فما من سلطة إلا وتنتج مقاومتها، بدءاً من العلاقات الأولية، البسيطة، بين الأفراد، ولا سيما العلاقات بين الإناث والذكور، وصولاً إلى العلاقات التي تصوغ الحياة الأخلاقية العامة مروراً بالعلاقات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية، التي هي، في التحليل الأخير، علاقات سلطة ومقاومة، ولذلك كان مطلب الحرية راهناً في كل حين، ولكن كل شيء يتعلق بالسياسة ويتوقف عليها، فما من شعب سيكون ذات يوم إلا ما ستجعله عليه طبيعة دولته وسلطتها السياسية. (يقصد بالراهن الموجود بالقوة ويمكن أن يتحول إلى وجود في الواقع)

الحدث التاريخي، الذي نحن بصدده، هو بالأحرى سلاسل أحداث وحوادث غير محدودة، لكل منها سبب يحمل بذرة النتيجة، لكن النتيجة النهائية لسلسلة الأسباب لا تطابق بالضرورة أياً من نتائج الأسباب التي تحملها الحوادث المفردة في السلسلة، والنتيجة النهائية للسلاسل المشار إليها لا تطابق بالضرورة النتيجة النهائية لكل سلسلة على حدة, نتحدث هنا عن عملية إنتاج عقد اجتماعي جديد، حقوقي وسياسي وأخلاقي، لحمة نسيجه هي الأصوات المختلفة المنادية بالحرية والحياة الكريمة، والملونة بدماء الضحايا ودموع الأمهات وآلام المظلومين وأنين المعذبين، (والصوت كالبصمة، كما تعلمون، فما من صوت يشبه صوتاً آخر)، وسداه موافقة من لا يصوتون وقبولهم صراحة أو ضمناً، والتصويت بالمناسبة من الصوت، ويرجع أصله الدلالي إلى الديمقراطية المباشرة، حين كان كل مواطن حر يدلي برأيه جهراً ويختار من يمثله مباشرة. اختلاف الأصوات هو المضمون الديمقراطي للعقد. الاختلاف هو ما يجعل العقد ضرورياً، وروح المواطنة المؤسسة على الروح الإنساني هي ما تجعله ممكناً. أجل، الشعب السوري ينتج حياته السياسية، وينسج وحدته الوطنية، والنسيج صناعة تقتضي المعرفة والمهارة والذوق. كل صوت هو لوينة في لون، والمعرفة والمهارة والذوق والإبداع تكمن كلها في ائتلاف الألوان واتساقها وانسجامها. اللون الواحد إفقار للعقل والذوق.

لقد قيل الكثير عن عزوف المجتمع السوري عن السياسة، فجأة غدت السياسة خبزاً يومياً لجميع المواطنين، سواء كانوا معارضين للسلطة أو موالين لها أو بين بين. كنا نقول إن السلطة الشمولية ألغت الشخص القانوني للمواطن السوري ثم ألغت شخصه الأخلاقي، بتقييد حريته وحرمانه من الحقوق المدنية والسياسية واستتباعه طوعاً أو قسراً بالترغيب بالامتيازات والترهيب بالعقوبات، فجأة كسر السوريون حاجز الخوف ونهضوا مواطنين ومواطنات أحراراً وحرائر، وتحولت كلمة الحرية التي تتردد في جميع أرجاء البلاد من شعار فارغ ومفهوم مجرد إلى عمل وممارسة وموقف، إلى فعل تاريخي، وتبين أن الاستبداد لا يستمر إلا بإثارة الخوف في نفوس الناس. وفجأة .. حدثت أشياء كثيرة وتغيرت مواقف كثيرة وأفكار كثيرة وتصورات كثيرة وبات القلق على المصير شاغلاً رئيساً لدى الجميع.

هذا الذي حدث عندنا فجأة، الذي انبثق من المجهول، الذي ظهر من الخفاء، الذي انتقل من الإمكان إلى الواقع، الذي لا نعرف بالضبط لماذا حدث في هذا الوقت، لا في غيره، وعلى هذا النحو، لا على نحو آخر، سيصير معلوماً بعد حين إذا تضافرت لمعرفته علوم شتى، فلا يخدعننا اختلافه عما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن ..، فلا اختلاف بلا تشابه. لكن المؤكد، بالواقع العياني، أن الثورات العربية عموماً والثورة في كل بلد على حدة أحدثت قطيعة فعلية ونهائية مع ماضيها القريب، مع الاستبداد والتسلط والعسف والفساد، فلن تكون سورية كما كانت قبل منتصف آذار الماضي مهما يكن المآل الذي ستؤول إليه الأوضاع العامة، ولن يكون السوريون كما كانوا قبل هذا التاريخ.

حادثة أطفال درعا، مثل حادثة البوعزيزي في تونس، هي “القشة التي قصمت ظهر البعير”، أو الشرارة التي أحرقت الحقل. أحرق عدة أشخاص أنفسهم في بلدان مختلفة، بعد حادثة البوعزيزي، ولكن أياً منهم لم تولد من موته الفردي حياة جديدة لشعبه، واعتقل أطفال وعذبوا في غير مكان من عالم الاستبداد ولم يتولد عن ذلك ما تولد عن اعتقال أطفال درعا وتعذيبهم شر تعذيب. هذا ما يجعلنا نميز الحادثة و”الأحداث” والحوادث من الحدث التاريخي. حادثة أطفال درعا هي لحظة تجاوز الحد، وتحول التغيرات الكمية إلى تغير نوعي وانفجار نسق بكامله أو نظام (سستيم) بكامله، هو نظام الحياة الذي فرض على السوريين فرضاً منذ نحو نصف قرن.

ليست العبرة في أن البوعزيزي أحرق نفسه احتجاجاً على شكل من أشكال الحياة لم يعد يطاق، بل في نظرة مواطنيه من التونسيين إليه، لا على أنه محمد البوعزي، بل على أنه مواطن تونسي. لحظة تجريد البوعزيزي من تعييناته وصفاته الشخصية ومحمولاته وصيرورته مواطناً كأي مواطن تونسي في أذهان التونسيين وضمائرهم، هي لحظة انبثاق الوطنية التونسية من جديد، لحظة انبثاق حس المواطنة الذي هو أهم وأثمن ما في الثورة التونسية، وهذا مؤسس، في اعتقادي، على حس إنساني أصيل، راسخ ورهيف، وكذلك الحال في مصر. وليست العبرة في أن أطفالاً كالورود تعرضوا لتعذيب همجي على أيدي “المخابرات” في مدينة درعا السورية، بل في نظرة السوريين إلى هؤلاء الأطفال على أنهم أطفال سوريون، كسائر أطفال سورية، وذووهم مواطنون سوريون كسائر السوريين. لحظة التجريد هذه هي لحظة انبثاق الوطنية السورية من جديد، لحظة انبثاق حس المواطنة السورية، الذي هو أهم وأثمن ما في الثورة السورية، وهذا مؤسس أيضاً على حس إنساني أصيل ورهيف. هل فكرنا يوماً في “الحس المشترك” قبل التفكير في ما سميناه “الوعي” واختزلناه إلى وعي أيديولوجي؟ حين تجد الرافعة يمكنك أن تزحزح الصخرة، لم تكن الأيديولوجية رافعة للعمل التاريخي في أي يوم من الأيام، بل كانت تبريراً له أو تأويلاً لمضمونه إما بمسبقات وقبليات، كالأيديولوجية الإسلامية وإما بمستقبليات، كالأيديولوجية الاشتراكية، أو بشيء من هذا وذاك، كالأيديولوجية القومية، فما من رافعة يمكن أن تزحزح صخرة الاستبداد سوى الإرادة العامة.

لم يعد مهماً وصف النظام الشمولي وتشريح بنيته وتحليل خطابه وآليات عمله لنستنتج “حتمية الثورة”، على نحو ما يفعل بعض المثقفين السوريين. إنه من قبيل العبث ومن قبيل الجهل أو المكر أن يبحث بعضنا عن تبرير أو تفسير للحدث التاريخي بغير منطق التاريخ نفسه. الحدث التاريخي يحمل مبرراته وعناصر مشروعيته في ذاته وأسبابه كامنة فيه، فهو أشبه بعملية إبداعية كعملية الخلق أو التكوين أو التشكيل. الحرية، وقد صارت عَلَماً على الحدث وفاعلاً فيه، لا تحتاج إلى تبرير أو تسويغ؛ الحرية، مثل الله، موجودة لأنها موجودة؛ وليست وسيلة لأي غاية مهما سمت الغاية، بل هي غاية ذاتها. لا نتحدث هنا عن حرية ميتافيزيقية، على أهمية مثل هذا الحديث، بل عن حرية هي نقيض الاستبداد والتبعية ونفي لهما، تتعيَّن في إرادة عامة تتغيا نظاماً ديمقراطياً يتساوى فيه جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، والمساواة هنا مساواة في الشروط وتكافؤ في الفرص بضمانة القانون، وتتعين في أوضاع قابلة للقياس والمقارنة وقابلة للتكميم، أي إنها تتعين أفعال وأقوال حرة كما في مقدار الحقوق التي يتمتع بها المواطنون في أي مجال من مجالات حياتهم.

كل سبب نفترضه لحدث تاريخي من هذا النوع هو تقليص وتخفيض للحدث التاريخي الذي هو أكبر وأبعد مدى من جميع الأسباب التي نفترضها، ولا حاجة بنا إلى الانتظار طويلاً لنسمع ونقرأ تأويلات مختلفة مبنية على أسباب مفترضة، ليس أي منها أكثر أو أقل مشروعية من الأخرى، فثمة بين أيدينا اليوم تأويلات شتى تمتح من مرجعيات أيديولوجية وأطر فكرية مختلفة ومتخالفة. دعني أقل إن حدثاً من هذا النوع لا يُستنفد بالتحليل والتأويل والدرس والبحث، ويخطئ من يظن أن بوسعه أن يقول فيه القول الأخير. ولكي لا يساء فهمي أقول بوضوح إن للتأويلات والتحليلات التي أشرت إليها قيمة معرفية وفكرية وأخلاقية لا يستهان بها، لأن كلاً منها يكشف عن أو يضيء جانباً أو جوانب من الحدث، بحسب السبب أو الأسباب التي يفترضها له، ولكنها لا تستنفد الحدث. لذلك لا أريد أن أُستدرج إلى لعبة الأسباب والنتائج قبل الأوان، فلا نزال في البدايات الصعبة لطريق متعرجة، قد يصادفنا عند كل منعرج ما لم يكن في الحسبان.

من حق كل مواطن سوري أن يطرح رؤيته لما ينبغي أن تكون عليه الحياة العامة في وطنه، ومن حق كل مثقف خاصة أن يطرح المبادئ العامة والمفاهيم والمقولات التأسيسية التي يعتقد أنها الأنسب لحياة اجتماعية اقتصادية وثقافية وسياسية وأخلاقية عامة، ولكن ليس من حق أحد أن يعتبر رؤيته الخاصة نموذج الحقيقة. إن أهم ما أسفرت عنه الثورات العربية هو وحدة الاختلاف وائتلاف المختلفين، من دون أن يتخلى أي منهم تخلياً كلياً عن رأيه ورؤيته. وأكاد أقول إن الثورة التي نشهد هي ثورة الاختلاف الذي ينتج الوحدة، وأشعر بغبطة لا نظير لها أن الوطنية السورية ورافعتها الإنسانية، التي وقفت عليها ومن أجلها ما أعتبره أهم أعمالي[3] قد بدأت تتشكل من جديد بشروط القرن الحادي والعشرين.

أنا (المتكلمة أو المتكلم) أريد أن أكون حرة أو حراً، وأن أعيش حياة كريمة تليق بإنسانيتي، وما دمت لا أستطيع أن أعيش خارج المجتمع والدولة والجماعة الإنسانية، لا يمكن أن أكون كذلك إلا إذا كان مواطنيَّ ونظرائي جميعاً أحراراً مثلي يعيشون حياة كريمة تليق بإنسانيتهم. هذا هو الجذر الروحي لما أسميه “ثورة الحرية والحياة الكريمة” ببعديها الوطني والإنساني، والإنسانية رافعة الوطنية وضمانتها. أفترض أن هذا الجذر الروحي، الذي يلامس القاع الوجودي الذي ينطلق منه الحدث، هو ما يغذي الحدث التاريخي السوري والفاعلين فيه والمنفعلين به كلاً بحسب استعداده وقدرته على الاحتكام إلى عقله وضميره والعمل بهديهما، بمن في ذلك أشخاص السلطة أنفسهم ماعدا المرتكبين والوالغين في دماء الشعب، فالثورة على هذا الأساس ثورة على النظام (السستيم) لا على الأشخاص، الذين يجب أن تصان حقوقهم وحرياتهم وكرامتهم، ومحاسبة المرتكبين والفاسدين والمجرمين منهم شأن من شؤون المجتمع، لا من شؤون الأفراد، يحسمه قضاء مستقل عادل ونزيه هو ضمير المجتمع كله.

قد يبدو من قبيل المبالغة القول: إن الثورات العربية، بما فيها الثورة السورية، ليست منعطفاً حاسماً في تاريخ المنطقة الممتدة بين المحيط والسد، بتعبير العروي، فقط، بل هي منعطف حاسم في التاريخ العالمي أيضاً؛ وليست قطيعة من قطائع تاريخ هذه المنطقة فقط، بل قطيعة من قطائع التاريخ العالمي أيضاً. إنها المرة الأولى التي تولد فيها الدولة من جديد من رحم السلم، لا من رحم الحرب، على الرغم من همجية السلطات ووحشيتها، وقد أسفرت عن كونها مجرد عصابات من المجرمين واللصوص والفاسدين، لا تربطها بما يفترض أنها أوطانها ومن يفترض أنهم شعوبها أي صلة إيجابية. الثورات العربية تؤذن بسياق عالمي جديد لا تكون معه السلطة امتداداً للحرب، ولا سيما الحرب المفتوحة على المجتمع، إذ طالما كانت “السلطة امتداداً للحرب بوسائل أخرى”، بتعبير ميشيل فوكو. وأكاد أقول: إن الثورات العربية هي النقد العملي للحداثة التي لم تف بجميع وعودها، ولحركة الأنوار أيضاً، والنقد تمثل وتجاوز، نفي للثابت ونفي للنفي. ومن حقنا أن نسميها ربيع الديمقراطية على الصعيد العالمي، بدليل الدهشة والإعجاب والتقدير التي حظيت بها في كل مكان.

في عوامل القوة وعوامل الضعف

لعل أهم عوامل قوة هذه الحركة أنها حركة شعبية بوجه عام (نسبة إلى الشعب)، لا حركة شعبوية، على الرغم من وجود كثير من الشعبويين فيها وعلى هامشها، ولا حركة جماهيرية أو حركة جماهير، وليست حركة عفوية أيضاً. إنها حركة شعبية منبثقة من صميم الشعب السوري، من عقله البارد وقلبه الحار. فهي من ثم حركة وطنية، بوجه عام أيضاً، والوطنية هنا حكم واقع، بمعنى العمومية، لأنها تشمل مختلف فئات الشعب السوري وجميع أرجاء سورية، وهي تعبير ساطع عن عودة الروح الوطنية السورية التي شحبت وضمرت بفعل الأيديولوجيات ما فوق الوطنية والسياسات ما دون الوطنية.

قد لا يعجبنا، نحن اليساريين القدامى، أن تكون هناك حركة شعبية بلا طليعة ثورية، لذلك يحاول بعضنا أن يخترع لها طليعة ثورية أو “قيادة مركزية” ليس لها أي يد في انطلاقتها، لكي تطابق نموذج الثورة المختزن في الذهن، أو لأسباب أخرى لا نعرفها. في حين تكمن قوة هذه الحركة في تعدد المراكز أو المجموعات وحيويتها وديناميتها واختلاف مواقعها. ومن الصعب علينا، نحن كهول الحركة السياسية وأمييها، وفق معايير الأمية في القرن الحادي والعشرين، أن نتصور إمكانية انتقال حركة من واقع افتراضي على الشبكة العنكبوتية إلى الواقع الفعلي، فيتحول الفيس بوك مثلاً إلى (فيس تو فيس) أي وجه لوجه، على حد تعبير إحدى الناشطات على الفيس بوك، وهو تعبير حاذق وأخَّاذ. إن أساليب تنظيم الحركة لا تطابق إطلاقاً ما نعرفه من أساليب سرية أو علنية، أهمها التعبئة والتجييش أو الإقناع الفردي. من يتابع النقاشات التي يخوضها الشباب والشابات على المواقع الخاصة أو على مواقع التواصل الاجتماعي وكيف يختلفون ويتفقون ويتبادلون المعلومات ويحللون الوقائع من يتابع هذا كله لا بد أن يتريث في وصف الحركة بالعفوية، فإن مفهوم العفوية هنا يستحضر مفهوم الطليعة اللينيني، وهو أسوأ ما أنتجه “الفكر السياسي”. في ضوء ذلك يمكن وصف الحركة بأنها تواصلية، لا توصيلية أو تبليغية أو رسولية، تعدنا بمجتمع تواصلي مفتوح، لا بمجتمع تفاصلي لبنى تفاصلية وتفاضلية مغلقة، من دون أن ننفي إمكانية الانتكاس. حركة ليست في حاجة لا إلى أبطال ولا إلى قائد كاريزمي ولا إلى طليعة هي “صورة مصغرة للمجتمع المقبل”.

والعامل الآخر الذي لا يقل أهمية أنها ثورة شبابية على قدر مناسب من الاستنارة، فضلاً عن قوة الإرادة والعزم والتصميم، بخلاف من يسمونها حركة رعاع، ذلك أن معظم السوريين الذين تراوح أعمارهم بين 17 و 35 أو 40 سنة متعلمون تعليماً علمانياً، والكثرة الكاثرة منهم جامعيون وخريجو جامعات ومعاهد. فيمكن للمرء أن يغامر بالقول إن لدى أي واحد من نشطاء الحركة تصوراً أولياً، على الأقل، لما يجب أن يكون عليه النظام السياسي. وأفترض أن الوعي الذي يمكن أن يكتسبه الأفراد في خضم الحركة تفوق وتائره مرات عدة وتائر اكتساب الوعي في الظروف العادية، ناهيكم عن ظروف الركود والهمود، لكن مصدر الوعي هذه المرة هو الواقع الماثل أمام الأفراد بقوة، لا تصورات مسبقة عنه، مع عدم استبعاد هذه الأخيرة التي تصدمها الأحداث والوقائع كل يوم.

والعامل الثالث أنها حركة سلمية قولاً وفعلاً، وهذه صفة نوعية جديدة في “الحركات الاجتماعية” والثورات السياسية. جميع الثورات التي عرفها التاريخ اقترنت بالعنف، والاستثناء يؤكد القاعدة، وجميع الدول ولدت من رحم الحرب، والاستثناء يؤكد القاعدة أيضاً. الثورات العربية الراهنة سلمية من حيث المبدأ ومن حيث الغاية، في حين حاولت السلطات الشمولية الغاشمة وتحاول أن تدفعها دفعاً إلى العنف ولم تفلح إلا في ليبيا، ونأمل ألا تفلح في سورية. الطبيعة السلمية الثورات العربية هي ما يدفعنا إلى القول إنها تؤذن بولادة سياق عالمي جديد.

والعامل الرابع أنها مستقبلية (بحكم طابعها الشبابي) تنشد بناء دولة وطنية ديمقراطية تقوم على الحرية والمساواة والعدالة، ولا تخمد بمجرد سقوط السلطة هنا وهناك، بل تستمر في تصفية النظام القديم ورموزه، بأشكال مختلفة.

والعامل الخامس أنها لا تنتسب إلى حزب بعينه أو أيديولوجية بعينها، مع أن من بين الناشطين فيها حزبيين يتبنون هذه الأيديولوجية أو تلك، فهي تعددية المنشأ ومفتوحة على أفق تعددي.

والعامل الأخير أنها حركة أفراد أحرار وحرائر يأتلفون ويختلفون في الوقت ذاته، وهذا العامل أحد ضمانات مستقبلها الديمقراطي.

أما عوامل الضعف فتتعلق، على الأرجح، بالظروف الموضوعية التي جعلتها عاجزة، حتى الآن، عن اختراق المدن الكبرى، ولا سيما دمشق وحلب، والتأثير في موقف أهلها، واحتلال ساحات عامة، أي فضاءات عامة، فيها، وأجبرتها حتى الآن على الانطلاق في كل مرة من فضاءات خاصة، هي المساجد، وليس لي أي اعتراض على ذلك، لأن السلطة سيطرت منذ وقت بعيد ولا تزال تسيطر على جميع الفضاءات العامة، المكانية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، ما يكشف هذه المرة لكل ذي بصر وبصيرة عن مدى شمولية السلطة. (جاء وقت صارت فيه كثير من أرصفة الشوارع محرمة على المارة، وإقامة حفل زواج أو حفل تأبين في مكان عام تحتاج إلى موافقات أمنية). الذين انتقدوا وينتقدون خروج المتظاهرين من المساجد يغفلون واقع أن هؤلاء المتظاهرين الذين يخرجون من المساجد لا يحملون رموزاً دينية أو مذهبية، ولا يطرحون شعارات دينية أو مذهبية، ولو أتيح لهم الوصول إلى الساحات العامة لما آثروا المساجد أو الكنائس عليها. ما يعني لنا أن مناهضة التسلط والاستبداد هي في الوقت ذاته مناهضة النزعات والممارسات الدينية والمذهبية والطائفية المتطرفة والظلامية، بحكم العلاقة التي لا تنفصم بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي، وبحكم ما خبرناه من  “تحويل البنى الاجتماعية الإثنية والعشائرية والمذهبية، ما قبل الوطنية، إلى بنى موازية لبنى السلطة الشمولية” وتقطيع أوصال المجتمع. ما يؤكد ذلك أن السلطة السورية التي تتشدق بالوحدة الوطنية تبذل كل ما في وسعها لإثارة النزعات المذهبية والطائفية والعشارية والإثنية، وهي التي تنذر المجتمع وتهدده بالحرب الأهلية. كنت أقول دائماً إن لدي ثقة ميتافيزيقية ربما بأن الحرب الأهلية بعيدة عن سورية بعد الشعب عن السلطة الشمولية التي كانت ولا تزال حرباً على المجتمع بكل أسلحتها الأيديولوجية والأمنية والإعلامية. إن محمد سعيد رمضان البوطي وأمثاله من “المرجعيات” الدينية، من سائر الأديان والمذاهب، ليسوا أقل التصاقاً بالسلطة وارتباطاً بها من رموز السلطة ذاتها.

ومن هذه الظروف أيضاً انفصال النخب الثقافية والسياسية عن المجتمع وضعف قدرتها إن لم نقل انعدام قدرتها على التأثير فيه، ما يحرم الحركة من حاضنة ثقافية مناسبة وقوة دفع سياسية. لقد وجدت هذه النخب نفسها فجأة بين خيارين: إما الانضمام إلى الحركة والانتماء إليها وتبني مطالبها، وإما الانحياز إلى السلطة بذرائع شتى، وضاقت المنطقة الرمادية بين الخيارين. ولا يقل عن ذلك تأثيراً في قوة الحركة صمت النقابات، وما يفترض أنها منظمات المجتمع المدني، بما هي قوة منظمة يمكن أن يكون لها أثر حاسم في سير الحركة وتحديد اتجاهها، فضلاً عن أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، ولا تزال هذه وتلك قوى احتياطية للسلطة إلى جانب قوى أخرى. ولكن من أبرز عوامل الضعف وأخطرها في رأيي هي العلاقة الملتبسة حتى اليوم بين السياسة والثقافة، أي بين إستراتيجيات العمل السياسي، وهي إستراتيجيات سلطة / سلطات قائمة وقادمة وبين مضمون العمل نفسه. يكمن ضعف الأولى، أي السياسة، كما وصفها حازم صاغية[4]، في “رخاوتها حيال الشعب وحيال عفويّة حركته، ومن ثمّ ميلها إلى تبجيل كلّ ما يصدر عن هذين الشعب والعفويّة، وأحياناً إيجاد المبرّرات لأسوأ ما ينطويان عليه. هنا تصاب الحساسيّة النقديّة بشيء من الخدر وتتّسع الشهيّة لهضم كلّ ما «يخدم الثورة». وشيئاً فشيئاً نجدنا أمام استعادة خجولة وتدريجيّة لمعظم الشعارات والمعاني التي سبق أن وصلت بمثلها الحركات الثوريّة سابقاً، والحاكمة الآن، إلى السلطة: العروبة والإسلام، فلسطين، الشهادة والشهداء، الشرف والشرفاء .. إلخ”، في حين تكمن قوة الثقافة والمثقفين في موقفها وموقفهم النقدي للبنى والعلاقات ومنظومات الأفكار وأنظمة القيم، مما “يتاخم التجرؤ على المحرم”، من أجل تغيير جذري ينطلق من مبدأ التحسن والتقدم، إذ ثمة ما هو أفضل دوماً. فلا بد من تدارك ذلك الضعف بهذه القوة بانخراط المثقفين في الحركة الشعبية، انخراطاً عملياً ونقدياً في الوقت نفسه، بصفتهم مثقفين، لا بصفتهم سياسيين، إلا من يستطيع منهم أن يجمع بين هذه وتلك، وهذا أمر مشكوك فيه منذ أيام أفلاطون، الذي افترض وحدة الملك والفيلسوف وطرد الشعراء من جمهوريته مكللين بالورود. اليوم يقترب العلم أكثر فأكثر من الفلسفة وتقترب الفلسفة أكثر فأكثر من الشعر والموسيقى وسائر الفنون الجميلة وتبتعد السياسة وتفترق عن هذه الأوركسترا لتعزف لحنها المنفرد على إيقاع القوة، وهذه، أي القوة ليست المعنى الأخير للوجود، بل المعرفة والعمل والحب.

غير أن ما يدعو إلى القلق، ويتصدر عوامل الضعف، هو هشاشة الدولة في سورية مقارنة بنظيرتها في مصر خاصة، (سورية تسير على خطا مصر)، إذ الدولة الوطنية السورية حديثة الولادة وحديثة الاستقلال، ما أن تبلورت جمهورية سورية ذات نظام ديمقراطي حتى انحلت في “الجمهورية العربية المتحدة” (1958 – 1961) ثم في “الثورة” بدءاً من الثامن من آذار 1963، وكنت قابلة للانحلال في أي مشروع وحدوي، كاتحاد الجمهوريات العربية. الدولة تحولت إلى “ثورة”؛ الثورة أكلت الدولة، التهمتها، ولم تبق منها سوى أثر بعد عين؛ هذا سياق لم توله النخبة السورية أي اهتمام، لأنها لم تول مفهوم الدولة الوطنية وقضية الدولة الوطنية أي اهتمام، وللأوهام الأيديولوجية أثر غير قليل في ذلك. لعل ما كتبه باتريك سيل عن “الصراع على سورية” هو في حقيقة الأمر توزع أهواء النخبة السورية بين العراق ومصر والمملكة العربية السعودية، ناهيكم عن النزعات الأممية إسلامية كانت أم اشتراكية، وقد ناقشت ذلك بالتفصيل في كتاب “وردة في صليب الحاضر، نحو عقد اجتماعي جديد وعروبة ديمقراطية”. هشاشة الدولة، وهشاشة الوعي بما هي الدولة الوطنية، لدى النخبة قبل غيرها، يبعثان على القلق ويرتبان على الثورة السورية الوليدة والتي لا تزال في بداياتها الصعبة، كما أشرت، مسؤوليات جساماً تحتاج إلى قوة مضاعفة وبصيرة نفاذة للاضطلاع بها. والرهان معقود على يقظة الروح الوطنية السورية.

وعلى الرغم من عوامل القوة التي ذكرتها لا يزال من المبكر الحكم على ما يجري، بحسب ما نعتقد أنها عوامل قوة أو عوامل ضعف، فالحركة لا تزال في بداياتها الصعبة، وكل فعل تحف به وتعترضه قوى عطالة مختلفة ومتفاوتة الشدة، فضلاً عن الفعل المضاد أو الأفعال المضادة داخلية كانت هذه الأخيرة أم خارجية فالسلطة لم تعدل بعد وقد لا تعدل عن خيارها الأمني وسورية ليست جزيرة منعزلة عن العالم.

يبدو لي أن لا أحد يقدر أهمية هذه الثورة وعمقها وشمولها وجذريتها ولا أحد يخاف منها أكثر من السلطة ذاتها، بدليل محاولة إخمادها أو الالتفاف على مطالبها، ولا أحد من أصحاب السلطة يتوجس من نتائجها أكثر من المرتكبين والمجرمين والفاسدين ومن يستصفون ما تقع عليه أيديهم غير عابئين بأي قيمة من القيم. أجل صار بوسعنا أن نتحدث عن مجرمين، بالمعنى الجنائي، فضلاً عن المعنى الأخلاقي، ولن ينجو أحد من هؤلاء من قصاص عادل إلا إذا خسر الشعب السوري كل شيء. لقد باتت المسألة واضحة وقطعية: سلطة مقابل الشعب وفي مواجهته، وليس من طرف ثالث، (لا مؤامرة ولا جماعات مسلحة، وإذا كان ثمة شيء من هذا القبيل، على سبيل الاحتمال، فهو لا يمت إلى الثورة وإرادة الشعب بأي صلة)، سلطة تدافع عن النظام (السستيم) وشعب يريد تغييره لشدة ما ضاق به وعانى منه. ومن يذهب بالمسألة غير هذا المذهب واهم أو ماكر. السلطة منظوراً إليها من زاوية علم الاجتماع، فئة اجتماعية ذات امتيازات، تشكلت، بفعل آليات السلطة، من أتباع مختلف الأديان والملل والنحل والإثنيات، أشبه ما تكون بفئة النبلاء، أصحاب الامتيازات، في العصور الوسطى، إذا ارتفعت هذه الفئة عن كاهل الشعب يصير كل فرد حراً ومزدهراً، إذا انتفى نظام الولاءات والامتيازات الذي أنتجته هذه الفئة وأنتجها يصير المجتمع كله حراً ومزدهراً. المسألة إذاً مسألة حقوق مشروعة مقابل امتيازات غير مشروعة، فهي من ثم مسألة شرعية ومصدر هذه الشرعية. نظرياً، الشعب مصدر الشرعية ومصدر جميع السلطات؛ عملياً، الشعب ليس كذلك بعد، ولكنه يريد أن يكون كذلك، هذا التناقض لا بد له من حل.

في ضوء ما تقدم، تجدر الإشارة إلى مسألة لا تقل أهميتها العملية عن أهميتها النظرية، هي مسألة المتن والهامش. سأغامر هنا في وصف ما يجري في سورية بأنه ثورة الهامش على المتن، بكل ما ينطوي عليه هذا الأخير من دلالات اجتماعية وثقافية وسياسية وأخلاقية، انطلاقاً من علاقة المعرفة بالسلطة، ونتائج تسييس الفكر، الذي هو في نظري كتسييس الدين، ومن نقد “حقيقة السلطة”، التي تحتكر الحقيقة، مثلما تحتكر الوطنية والوطن والثروة والقوة. لا يتضح هذا الافتراض إلا بتتبع عملية / عمليات التهميش التي تعرضت لها جميع الفئات الاجتماعية في سورية، وإن بنسب متفاوتة، وفق مبدأ الولاء للثورة بادئ الأمر، ثم الولاء للحزب القائد، ثم الولاء الخالص للقائد الذي اختزل في شخصه الثورة والحزب والشعب والوطن، وصار هو من يمنح الامتيازات ويمنعها، مثله مثل أي مستبد من مستبدي العصور القديمة والوسطى في التاريخ، ولا سيما العصور المملوكية العثمانية عندنا. أجل، ثمة سمات وسطوية في النظام القائم، بحكم التأخر التاريخي، تتداخل مع سماته الشمولية “الحديثة”، النازية والفاشية والستالينية، وإن في صيغة كاريكاتورية. حينما نتحدث عن النظام إنما نتحدث عن نظام تهميش واستتباع في الوقت عينه، نظام وسم جميع مجالات الحياة في سورية، ومن البديهي أن يكون القمع والفساد ركنين أساسيين من أركانه إلى جانب الاحتكار والتسلط والاستبداد، فما امتياز أصحاب الامتيازات إذا لم تطلق أيديهم في البلاد والعباد؟ ومن بوسعه أن يحمي هؤلاء سوى أجهزة قمع لا تقل ضراوة عن الأجهزة الفاشية والنازية والستالينية؟ ومن يسوغ امتيازاتهم ويبررها سوى إعلام ناقص وكاذب وأيديولوجية إقصائية ماضوية وسلفية، بحكم طابعها الإحيائي أو البعثي (من البعث أو الإحياء)؟ من ذا الذي يريد استبدال سلفية أخرى قد تكون أكثر تطرفاً وهمجية وأكثر عدوانية إزاء الداخل والخارج بهذه السلفية المقيتة؟

ثورة الهامش على المتن لا تكون ثورة جذرية وشاملة ما لم تتناول سلطة المتن وفكر المتن وثقافة المتن وأخلاق المتن، وإلا يمكن أن تكون حركة إصلاحات جزئية وسطحية في أحسن الأحوال، كما تريدها السلطة تماماً، أو كما تريدها قوى (معارضة) لا تختلف بنيتها عن بينية السلطة، أو كما تريدها فئات اجتماعية محافظة. ما يدعو إلى القلق هنا ألا تستطيع النخبة تجاوز ذاتها والإقلاع عن عاداتها الذهنية بوتيرة تتسق مع وتيرة الحركة الشعبية الذاهبة إلى السياسة مآلاً، إذ كل شيء يتوقف على السياسة، فتصير النخبة بذلك عوناً لمن يعملون على الالتفاف على المطالب الشعبية، إن لم نقل عوناً للثورة المضادة، ولا سيما أولئك الذين لا يزالون ينظرون إلى الشعب من خلال انقساماته العمودية، ويختزلونه إلى “الأكثرية” ويختزلون الأكثرية إلى صفة واحدة من صفاتها، إثنية كانت هذه الصفة أم دينية أم مذهبية، ولا يأخذون في حسبانهم الانقسام الأفقي القائم في الواقع بين المتن والهامش، بين أصحاب الامتيازات المحققة بالفعل وأصحاب الحقوق المهدورة بالفعل. والرهان دوماً على وعي الشباب بصورة خاصة وطاقاتهم المادية والروحية، والثورة رهان.

في ضوء أوضاع ما قبل الثورة، لا أستبعد احتمال أن يكون هناك من يرغب في استبدال استبداد باستبداد أو استبدال سلطة بسلطة مشابهة أو في مجرد تحسين السلطة القائمة أو استبدال نبلاء بنبلاء جدد، ولست متيقناً من أن كثرة من المهمشين، على الأقل، يدركون معنى هامشيتهم، فالواقع يظهر دائماً أقل مما يخفي. “الواقع الملموس” هو الجزء الطافي من جبل الجليد، فما أسوأ تعريف الفكر بأنه “تحليل ملموس لواقع ملموس”! هذا التعريف ينتمي إلى وضعانية فقيرة وساذجة. الواقع أكثر بكثير من الواقع الملموس. في وضع كهذا لا نحتاج إلى التفاؤل أو التشاؤم، بل نحتاج إلى العمل، ولا سيما عمل الفكر الذي من أهم خصائصه أنه نقدي ومستقبلي.

وللحديث صلة …

ملاحظة: نواة هذه المادة حوار خاص لموقع Frog (الضفدع) كان مقرراً أن ينشر اليوم (24 / 5 /2011) ولكنه لم ينشر لسبب ما.

[1] – أستعمل هنا مفهوم الحدث التاريخي بدلاً من مفهوم الثورة، لما يثيره الأخير من التباسات تتصل بتجارب ثورية بعينها كثيراً ما يعدها بعضنا نموذجاً للثورة. الحدث التاريخي نسيج على غير منوال سابق ولا يخضع لأي تصميم قبلي.

[2] – يبدو أن سورية تسير دوماً على خطا مصر، متأخرة عنها بهذا القدر أو ذاك، مع فارق رسوخ الدولة هناك وهشاشتها هنا، ولعل “اللحمة الأيديولوجية” في سورية تعويض وهمي عن هشاشة الدولة وعن ضعف النسيج الوطني الذي أنهكته الصراعات الأيديولوجية، القومية والإسلامية و”الاشتراكية” و”الليبرالية”، منذ خمسينات القرن الماضي. والأيديولوجيات، بما هي ماضويات ومستقبليات، لا تزدهر إلا في واقع يحتاج إلى أوهام.

[3] – راجع في موضوع الوطنية والوطنية السورية للكاتب: “المجتمع المدني هوية الاختلاف”، ط2، دار النايا، دمشق. و”وردة في صليب الحاضر، نحو عقد اجتماعي جديد وعروبة ديمقراطية”، عن رابطة العقلانيين العرب، دار الفرات بيروت ودار بترا، دمشق. و”طريق إلى الديمقراطية”، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت. و”الهوية والذاكرة، حوار مع نبيل الشويري”، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت. ومقالات وبحوث عدة,

[4] – راجع مقالة حازم صاغية في جريدة الحياة، عدد 21 أيار 2011

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى