صفحات الثقافة

قراءة سياسية

 

نديم جرجوره

أسوأ التعليقات الخاصّة بأفلام سينمائية تلك المنطلقة من موقف سياسي مسبق. التعاطي مع السينما سياسياً جزءٌ من القراءات والمناقشات. لكن، أن تُصبح السياسة أساسيّة في المقاربة النقدية، فهذا يعني أن حكماً مُسبقاً أصاب الأفلام ومخرجيها. أفلام عدّة عبّرت عن مواقف سياسية. ناقشت حالات اجتماعية من منطلقات سياسية، أو بهدف الوصول إلى السياسة. أفلام «سياسية» عدّة بلغت مرتبة عالية جداً من النقاء السينمائي. حلّلت أوضاعاً. خاض أصحابها معارك طاحنة. لكن هؤلاء اشتغلوا سينمائياً. السينما همّهم الأول. هدفهم الأول أيضاً. السينما همّهم الأسمى. هدفهم الأسمى أيضاً.

أفلام «سياسية» عدّة تعرّضت لانتقادات وحملات عنيفة، انطلاقاً من أحكام سياسية. انطلاقاً من مواقف سياسية لأناس ظنّوا أنفسهم صحافيين أو نقّاداً، فسمحوا لأنفسهم بالتعالي على السينما لحسابات سياسية واهية. هؤلاء شوّهوا الصنيع السينمائي. قدّموه بطريقة خاطئة إلى قرّاء ليسوا أقلّ تسيساً منهم. هؤلاء لم يُشاهدوا أفلاماً كهذه بالطريقة الصحيحة. هذا إن شاهدوا، أصلاً، الأفلام التي تعرّضت لانتقاداتهم وحملاتهم الشعواء. المقاربة النقدية السياسية ضرورة. جزء من النقد. لأن الصنيع السينمائي الإبداعي مرتكز على ثنائية الشكل والمضمون. السياسة جزء من المضمون. مناقشتها حقّ للجميع، لكن بعد مناقشة السينما. مقالات عدّة بلغت حدّ تخوين مخرجين، وإنزال عقوبات معنوية بحقّهم، بحجج سياسية واهية. هذا نوع من العمل الصحافي مسيء للمهنة ولعاملين فيها ولها. مسيء للسينما ولعاملين فيها ولها.

هذا حاضرٌ في الغرب. النقاش النقدي هناك يوازن، غالباً، بين الشكل والمضمون. هناك من يناقش المضمون انطلاقاً من وقائع في السياسة والتاريخ والاجتماع. انطلاقاً من حقائق وجد أن الفيلم بدّلها أو زوّرها أو قدّمها بطريقة مغايرة للمتداول والمعروف. الوضع في العالم العربي أخطر. نادرون هم الذين يُتقنون فنّ النقاش. نادرون هم الذين يمتلكون أدوات السجال النقديّ السليم. نادرون هم الذين يجعلون السينما أساس كل نقاش وسجال. نادرون هم القادرون على الفصل بين السياسي بمنطقه العربي المزري، والسينمائي بجمالياته وإن تناول الفيلم قضايا سياسية ساخنة. الأمثلة عديدة. آخرها: «الصدمة» لزياد دويري. منذ عرضه «العربي» الأول قبل أسابيع قليلة، تعرّض لسجالات لا علاقة لها بالسينما إطلاقاً. صحافيون كتبوا عنه مغالطات. هاجموه لأن مخرجه صوّره في تل أبيب ونابلس. «شتموه» لأنهم وجدوا فيه تطبيعاً أو خرقاً للمقاطعة. هؤلاء لم «يُشاهدوا» الفيلم. أو انهم لم يعرفوا مشاهدته. المشاهدة فن أيضاً. لكن هؤلاء يستسيغون، عادة، أعمالاً كهذه كي يُعوّضوا عن نواقص أصابتهم في مقتل. كي يُبرهنوا لأنفسهم أساساً أنهم لا يزالون قادرين على «الصمود» في ثقافة الممانعة والرفض. كي يفرضوا أنفسهم على الآخرين، قبل أن يتسنّى للآخرين مشاهدة الفيلم أصلاً. إنهم، بهذا، يمارسون إرهاباً فكرياً لا يقلّ خطورة عن كل إرهاب آخر.

غالب الظنّ أن هؤلاء مُصابون بحالات يخشون الخروج عليها.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى