صفحات الثقافة

كنوز سوريا/ احمد بزون

من لبنان إلى العراق إلى سوريا… تطير الآثار في ظروف متشابهة وبالأسلوب نفسه. ومثلما أبدى العالم الحضاري ومؤسسات الأمم المتحدة تخوفاً من تفاقم عمليات النهب في البلدين الأولين، فإن الصرخات باتت مدوية اليوم في اتجاه سوريا.

تشير الإحصاءات إلى نهب أربعة آلاف قطعة أثرية، قدرت قيمتها بعشرين مليار دولار أميركي، حتى الآن، والعمليات مستمرة. وقد تعرض 16 متحفاً للنهب والتخريب من أصل 36 متحفاً تنتشر في الأراضي السورية. وكالعادة دائماً تنشط فرق التهريب، التي يحمل عناصرها السلاح الذي يحمي تلك العمليات الدسمة، فبعض المجموعات قد تبرر النهب بتمويل العمليات العسكرية، من دون أن يعود دولار واحد بالطبع إلى غير جيوب تجار الحرب الذين يتفننون في خلق الأعذار، ويرسمون أهدافاً سامية لجرائمهم.

وعندما نتحدث عن سوريا نكون أمام رهبة كنوز آثارها، خصوصاً بعد شهادة عالم الآثار الفرنسي أندريه بارو، مكتشف مملكة ماري السورية، الذي صرح: “على كل إنسان متمدن في العالم أن يقول: إن لي وطنين، وطني الذي أعيش فيه وسوريا”.

وكانت رئيسة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو)، إيرينا بوكوفا، قد أبدت قلقها إزاء عمليات التنقيب غير القانونية عن الآثار في سوريا، قائلة “إن المنظمة حذرت صالات المزادات والمتاحف من هذه المشكلة”. على أن التنقيب غير الشرعي عن الآثار يفتح مشكلة أخرى، أو جريمة قد تتحول إلى نشاط شعبي، بعد تفريغ عدد من المتاحف. وهذا ما حصل في لبنان، في الثمانينيات، عندما بدأت فرق منظمة وغير منظمة تنتشر في الأماكن التي يعتقد أنها أثرية، وفيها مقابر فينيقية يونانية، للبحث عن ثمين يباع بأسعار تسد حاجة الناس وتملأ جيوب بعض المسؤولين الرسميين والمليشياويين وتجار الآثار والمهربين.

مسالك التهريب مؤمنة، عن طريق لبنان والعراق، ففيهما من هم من أصحاب السوابق في هذا المجال، وإذا أضيف الأردن إليهما تكون الطريق إلى إسرائيل أسهل وأقل حذراً، بوجود سفارة للدولة العبرية في العاصمة عمان، تستطيع أن تؤدي، بتهريب الكنوز العربية، مهمة رسمية طبيعية، تستحق عليها الشكر والثناء من مراجعها العليا.

لا شك في أن نهب الآثار السورية ونقل هذا التراث إلى الخارج ليستقر في أماكن مظلمة، قبل أن تسلط عليه الأضواء في متاحف يصعب استرجاع الكنوز منها، هما جزء من مآثر تدمير سوريا الدولة، من دون تمييز بين سلطة ومعارضة، أو علويين وسنة، أو إسلام ومسيحيين. هما جزء من التدمير المنظم، الذي ساهمت فيه، إلى جانب دول غربية وعربية، أطراف الحرب الدائرة في سوريا. ودائماً تكون أهداف المعركة أهم من الحفاظ على المناطق الأثرية، أو المتاحف، أو الثروات الوطنية عموماً.

في كل الحالات لا تمر أي عملية نهب إلا على أيدي مواطنين سوريين، كما سبقتها أيادي اللبنانيين والعراقيين من قبل. فأبناء الوطن، أدوات النهب، يحرمون أحفادهم من كنوز البلاد.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى