صفحات الناسعمر قدور

لبنانيون أكبر من الدولة.. ومن الفكرة/ عمر قدور

 

 

في نشرة المكتب الإعلامي لائتلاف المعارضة، في تاريخ 10/1/2015، يشكر الائتلاف الدول والمنظمات الصديقة التي بدأت التحرك لمساعدة النازحين في أزمة البرد الأخيرة، حيث يُوجه الشكر إلى قطر والسعودية والإمارات والكويت وتركيا. ومع أن لبنان يُعدّ من أكبر الدول المضيفة للنازحين إلا أن ذكره يغيب في توجيه الشكر، ويغيب في الحديث عن تفاصيل ما قدّمته «وحدة الدعم» في الائتلاف من مساعدات للنازحين في المخيمات. ولئن كان غياب لبنان «الدولة» مفهوماً بسبب عدم مبادرة الدولة اللبنانية إلى إجراءات استثنائية تتناسب مع موجة البرد، أو بالأحرى الصمت اللبناني التام عن أوضاع النازحين والانشغال بقرارات تحدّ من دخول السوريين، فإن صمت الائتلاف في المقابل عن أوضاع النازحين السوريين في لبنان أقل ما يُقال عنه أنه يثير العجب.

في الوقت الذي كان فيه الائتلاف يتوجه بالشكر إلى مجموعة من الدول الصديقة، كانت مجموعة من اللبنانيين قد بدأت فعلاً توزيع حصص من الحطب على مخيمات النازحين، مدعومة بتبرعات جلّها من متعاطفين لبنانيين مع المأساة السورية. ربما لم يسمع أحد من تنظيمات المعارضة السورية بوجود أولئك، رغم أنها تعتبر نفسها ممثلة للشعب السوري، ويتوجب عليها أولاً الانتباه إلى العلاقة مع الشعوب الأخرى بوصفها العلاقة الأكثر استدامة. غير أن تنظيمات المعارضة، التي سرعان ما نظرت إلى نفسها بوصفها سلطة، لا يبدو أنها تقيم وزناً لتطوير العلاقة مع الشعوب، ولم تُقدم على توجيه خطابها الإعلامي إلى الأخيرة بوصفها منبع كل سلطة، بل حصرت اهتمامها بالحكومات فحسب.

في الوقت نفسه، كان العالم الافتراضي السوري واللبناني منشغلاً بمقال شديد العنصرية والكراهية إزاء السوريين وأيضاً شديد العنصرية تجاه العرق الأسود، صاحب المقال شتم السوريين كعرق أسود، قياساً إلى العرق الأبيض اللبناني! حيث يتصور القارئ إما أن يكون اللبنانيون جميعاً من عرقه الأبيض، أو ينبغي إقصاء السمر منهم بعدّهم سوريين. صاحب المقال العنصري البذيء خطف الأضواء من لبنانيين آخرين لا يشاطرونه الرأي، ولا يكترث بهم الإعلام الذي يروّج العنصرية، ولمن يرى لبنان من منظور ذلك الإعلام لا بدّ أن يراه عنصرياً بالمطلق فيكون أول النتائج ظلم لبنانيين ليسوا عنصريين، بل يتمتعون بسوية إنسانية لا ترضي صاحب المقال وأمثاله من أصحاب الدعوات إلى الكراهية.

الدول، للشتاء الرابع على التوالي، تعرف ما هو الشتاء لأصحاب الخيام، وتوقعات الطقس هذا الشتاء كانت واضحة فيما خص العاصفة التي ستضرب المنطقة؛ لم يتحرك أحد لتدارك الأمر قبل وقوعه، ولم تتحرك نخوة المسؤولين إلا عندما بدأت الأوضاع المزرية للنازحين تظهر على الشاشات. هناك بلا شك تقصير من المجتمع المدني في استباق أوضاع الطقس، لكنه لا يُقارن إطلاقاً بمسؤولية الدول، ويكفي بعض الأفراد شرفاً أنهم بإمكانات متواضعة قاموا بتوزيع الحطب في ظل ظروف مناخية قاسية جداً، وإذا توخينا الدقة فإن ما فعلوه يشرّف أيضاً أي بلد ينتمون إليه، ويدلل على انتمائه إلى العمق الرحب للإنسانية. قد يظن الكثيرون أنهم بضع أفراد لا غير، وأن السواد الأعظم ينتمي إلى «العرق الأبيض« لصاحب المقال البذيء، تلك مغالطة شائعة يرسخها جزء من الإعلام، ولا يعمل على دحضها أصحاب المصالح السياسية الضيقة.

هناك عنصريون في لبنان، وهذه ليست ميزة لبنانية فقط، وهناك طائفيون أيضاً، ومن السهل أن تتراكب العنصرية مع الطائفية، وأحياناً مع لمسة طبقية. العنصرية تجاه السوري في لبنان تنبع غالباً من تحريض سياسي، لذا هي منتعشة في الأوساط التي كانت إلى وقت قريب تدّعي محبتها إلى السوريين، ثم انخرط بعضها في الحرب عليهم، واكتفى البعض الآخر بالتحريض. أصدقاء النظام، وبعض الطائفيين، هم فقط من يغذّي الاحتقان بشكل ممنهج، بينما لا تخلو الأوساط الأخرى من حالات عنصرية فردية. وإذا كان سلوك أصدقاء النظام مفهوماً تماماً فإن سلوك الطائفيين يرجع إلى حساسية موغلة في التاريخ، أي إلى السرديات عن المذابح التي تعرضت لها الأقليات في سوريا أيام الحكم العثماني ودفعتها للهجرة إلى جبل لبنان. هؤلاء يرون أصلاً فكرة لبنان مبنيةً على تلك المظلومية، ويخشون أن تتخلخل فكرة لبنان بسبب النزوح السوري الحالي، بمعنى أنهم ضد هذا النوع تحديداً مما يرونه «نزوحاً سنياً»، ويخشون أن يمس تركيبة لبنان المتوازنة ديمغرافياً. هذه النظرة الضيقة لفكرة المظلومية لا تتسع لمظلومين آخرين، لأنها مركّبة أساساً على العامل الطائفي، لا على مقارعة الظلم أياً يكن.

تصوير الأمر كأن السوريين في لبنان يُعاملون طوال الوقت على نحو عنصري أمر قد يقع في عنصرية مضادة، ففي الواقع كان تعاطي الناس العاديين طوال الوقت أعلى إنسانياً من تعاطي الطبقة السياسية والأمنية وحتى جزء من الطبقة الإعلامية. وإذا وجدت حقاً عنصرية صامتة على الصعيد الشعبي فهي أقل تأثيراً من العنصرية الصارخة المعبّر عنها في قرارات حكومية، وفي إجراءات تنفيذية أمنية، وفي ضخ إعلامي يعزز الكراهية. اللبنانيون البسطاء بنسبة كبيرة، على مختلف انتماءاتهم، كشفوا عن حساسية إنسانية أعلى من إنسانية ما يُصوّر على أنه نخبة لبنانية. بهذا المعنى، لا يختلف لبنان كثيراً عن جواره، حيث تتسلم السلطة نخبة لا تعبّر حقيقةً عن الواقع الشعبي، وحيث يتوارث أبناء النخبة حصصهم من السلطة بصرف النظر عن كفاءاتهم. ذلك هو الوجه المظلم لنظام المحاصصة الذي يتعرض لهجاء المغلوبين على أمرهم، وإذا قلنا أن الشعوب دائماً أكبر من الدول فمما لا شك فيه اتساع هذه الهوة في البلدان التي تغيب عنها الديمقراطية الفعلية.

ليسوا في الواجهة السياسية أو الأمنية، وبعضهم ليس في الواجهة الإعلامية، غير أنهم أكبر من الدولة، وأكبر من فكرة لبنان التي هناك من يريد تضييقها على مقاسه الطائفي. السواد الأعظم منهم ينتمي إلى عالم الأناس العاديين المنهمكين في شؤون العيش، وبعضهم تضررت معيشتهم بسبب الوجود السوري، إما جراء الغلاء أو جراء التزاحم على فرص العمل. ولا شك في أن هناك أفراداً أيضاً في الواجهة الإعلامية، بل هم في مقدمها، وقفوا طوال الوقت على الضد من الضخ الإعلامي. هؤلاء هم لبنان، لا لأنهم وقفوا مع السوريين في ثورتهم، وإنما لأن القسم الكبير لم ينجر إلى معركة تتنافى مع إنسانيته أولاً. ليسوا نادرين، وإلا كان العيش قد ضاق تماماً على النازحين. في غياب الدولة هم من تبرع بالمال أو بمهمات شاقة، وهم من واظب على العمل للتخفيف من معاناتهم بلا كلل أو ملل، وربما كان ذكر أسمائهم تكريماً لا ينتظرونه، وفوق ذلك سيتجاهل أسماء الكثيرين الذين لا نعلم عنهم شيئاً.

الذين جمعوا التبرعات طوال سنين، ونقلوا الحطب في ظروف مناخية قاسية للمحتاجين، والذين واظبوا على حضور الفعاليات المساندة للثورة السورية، حتى أكثر من بعض السوريين. هم أكبر من تبرعات الدول، وهم القيمة الحقيقية التي لنا، لأن هذا واحد من معاني الثورة السورية وإلا لا تكون ثورة. وهم أيضاً المعنى الذي ينبغي التمسك به لوجود لبنان وفكرة وجوده، المعنى الذي ينبغي أن يتمسك به السوريون، بعد أن ضُللوا عنه طوال عقود. فضلاً عن ذلك، هم مواطنو شرف كبير في سوريا المستقبل عندما لن تكون «سوريا الأسد»، عندما يصبح للانتماء السوري تلك القيمة المكتسبة من قضية الحرية.

المستقبل

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى